ardanlendeelitkufaruessvtr

الاجتياح الأميركي للعراق.. هل يستحق ثمن الفوضى والدمار

بقلم د. ماجد السامرائي آذار/مارس 21, 2020 436

 

الاجتياح الأميركي للعراق.. هل يستحق ثمن الفوضى والدمار
د. ماجد السامرائي
الغزو الأميركي للعراق كان مشروعا للفوضى الخلاقة ولتسليم العراق لإيران.
لم يعد هناك ما يمكن أن يحتمي به العراق
كل يوم يمر به العراق يعيد للذاكرة النتائج الكارثية للاجتياح العسكري الأميركي في العشرين من مارس 2003 وسقوط النظام في التاسع من أبريل سواء من حيث تدمير الدولة العراقية ومقتل أكثر من مليون عراقي خلال سبعة عشر عاما، أو من حيث إخضاع البلد لسلطة الاحتلال العسكري الأميركي ثم الهيمنة الكاملة والاحتلال الفعلي الإيراني وما رافق ذلك من تفصيلات التدهور الشامل في حياة بلد كان يمكن له أن يكون في مصاف البلدان الغنية المتقدمة في المنطقة.
منذ الأيام الأولى للاحتلال الأميركي كانت أسئلة العراقيين، ومعهم المتفاجئون من صدمة الاحتلال، تدور حول دوافع ذلك المشروع الأيديولوجية والاستراتيجية، ومدى صحة المبررات اللوجستية التي أطلقها “بثقة” وإصرار الرئيس الأميركي جور بوش الابن ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وادعاء التعاون ما بين الرئيس السابق صدام حسين وتنظيم القاعدة. حيث اختفت تلك المبررات من الواجهة السياسية والإعلامية بعد تحقيق أهداف تدمير العراق.
اختلط اللاهوت والنفط والمصالح الإسرائيلية في دوافع ذلك المشروع التدميري الذي كانت نتائجه الهيمنة الإيرانية المطلقة على العراق وانسحاب الولايات المتحدة المذّل.
الدوافع اللاهوتية للرئيس بوش الابن كشفت عنها وثائق الصحافي الفرنسي جان كلود موريس في كتابه الذي أوضح تفاصيل محادثة الرئيس الأميركي الأسبق مع نظيره الفرنسي الراحل جاك شيراك قبل أيام من الاجتياح العسكري لإقناعه بالانضمام إليه بذريعة القضاء على (يأجوج ومأجوج) الذين ظهروا في الشرق الأوسط كما تنبأت بذلك التوراة والأناجيل حسب زعم بوش.
نتائج غزو العراق المباشرة وغير المباشرة أرقام وحقائق كارثية يعيشها المواطن العراقي كل يوم منذ 17 عاما
يعلق موريس على تلك المكالمة بقوله “متوهم من يعتقد أن أميركا غزت العراق للبحث عن أسلحة دمار شامل. الدوافع الحقيقية لهذا الغزو لا يتصورها العقل الأوروبي العلماني وتخالف جميع المبادئ والتوقعات السياسية والمنطقية، فجورج بوش كان من أشد المؤمنين بالخرافات الدينية والكتب اللاهوتية القديمة ويعرف عنه استخدامه بعض العبارات التوراتية المريبة في خطاباته مثل القضاء على محور الأشرار وبؤر الكراهية وقوى الظلام وظهور المسيح الدجال وشعب الله المختار وفرسان المعبد وادعاء تلقي رسائل مشفرة من الرب”.
قال شيراك للكاتب “تلقيت في البداية مكالمة من الرئيس بوش في مطلع عام 2003 طلب فيها انضمام الجيش الفرنسي للقوات المتحالفة مبررا ذلك بتدمير آخر أوكار ‘يأجوج ومأجوج’ الذين يختبئون في بابل القديمة، وأصر على الاشتراك معه في حملته التي وصفها بالحملة الإيمانية ومؤازرته في تنفيذ هذا الواجب الإلهي الذي أكدت عليه نبوءات التوراة والإنجيل”. وينقل الكاتب شعور شيراك بالخجل والفزع من هذا التبرير ولم يصدق أن قناعات بوش الدينية ستقوده لشن معركة حقيقية على أرض الواقع.
هذه الدوافع الفردية ارتبطت مباشرة بوقت مبكر بمشروع المحافظين الجدد “القرن الأميركي الجديد” الذي كان من مؤسسيه ريتشارد وبيرل بول ولفويتز وزلماي خليل زادة إلى جانب دونالد رامسفيلد وديك تشيني. سعى هذا الفريق إلى تصعيد الحملة ومطالبة الرئيس بيل كلنتون عام 1998 بإسقاط النظام في العراق بأي شكل من الأشكال.
من بين دوافع الاحتلال السيطرة المباشرة على نفط العراق من خلال الشركات الأميركية، فمجموعة (هاليبيرتون) النفطية العملاقة كان يديرها نائب الرئيس بوش ديك تشيني. وأكدت وثائق سرية حكومية بريطانية وجود علاقة قوية بين شركات ومؤسسات نفطية وغزو العراق وأن خطط استغلال الاحتياطي النفطي العراقي تمت مناقشتها بين مسؤولين حكوميين وبين كبريات الشركات النفطية العالمية وخاصة البريطانية قبل عام من تاريخ غزو العراق.
كان من الضروري لتمرير قرار الحرب إطلاق مجموعة من الأكاذيب والادعاءات بتنسيق أميركي بريطاني لم يتكرر بينهما في ما بعد.
شحنة الاندفاع كانت عالية لدعم تنفيذ مشروع الغزو بسلسلة من الادعاءات والتلفيقات من قبل أعلى المستويات العسكرية والسياسية الأميركية في مقدمتهم وزير الدفاع كولن باول الذي انحدر إلى مستوى متدن في الكذب بعرضه أمام مجلس الأمن الدولي لقطات مفبركة لشاحنات سلاح كيمائي وبيولوجي مزعومة داخل الأراضي العراقية سبق أن لفقها الجاسوس العراقي المهندس رافد أحمد علوان لكي يحصل على اللجوء في ألمانيا عام 1999. ثم ضغطت المخابرات الأميركية على المخابرات الألمانية عام 2001 لتوظيف هذه الكذبة في مشروع الاجتياح العسكري.
اضطر الرئيس بوش للاعتراف بالكذبة قبيل خروجه من البيت الأبيض عام 2005 محملا جهاز المخابرات مسؤولية تمريرها، إلى جانب اعتراف توني بلير واعتذاره عام 2016 بعد الضغوط والانتقادات الحادة الموجهة إليه من رئيس لجنة التحقيق البريطانية في حرب العراق جون شيلكوت، كما اعتذر كولن باول الذي قال إنه شعر بالخزي والعار.
ضابط المخابرات الأميركي جون نيكسون الذي حقق مع صدام قبل إعدامه نشر كتابا حول صدام ذكر فيه “من حواراتي مع صدام ومستشاريه والبحوث اللاحقة للتحقيق وصلت إلى استنتاج مفاده أن الرئيس العراقي أوقف قبل سنوات برنامج الأسلحة النووية ولم يكن يعتزم إعادة تشغيله”. ويقول إنه “يشعر بالخجل مما حدث في العراق منذ الإطاحة بصدام، مضيفا أن الإدارة الأميركية بقيادة بوش لم تُفكر بما قد يحدث بالعراق بعد سقوط صدام”.
نتائج غزو العراق المباشرة وغير المباشرة أرقام وحقائق يعيشها المواطن العراقي كل يوم منذ 17 عاما، قتل خلالها ما لا يقل عن مليون مدني، وتأسس نظام سياسي طائفي ارتبط بمشروع ولاية الفقيه الإيراني زرع قواعد الفتنة والقتل الطائفي ثم هيمن سياسيا وعسكريا.
الغزو الأميركي للعراق كان مشروعا للفوضى الخلاقة ولتسليم العراق لإيران. وجميع صفحات الأضرار التي لحقت بشعب العراق كانت بسبب السياسات الأميركية. ومن المفارقة أن تعلن قوى الميليشيات المسلحة وقواها السياسية حاليا رفضها للوجود الأميركي الذي جاء بطلب من حكومة بغداد، لأن طهران تطلب ذلك.
الآثار لا حصر لها وتطال جميع محاور السياسة والعسكر والأمن والاقتصاد والصحة والتعليم إلى درجة أن أي محاولة إصلاحية ستكون عديمة التأثير إن لم يتم اقتلاع مرتكزات النظام القائم.
يبقى التساؤل مطروحا: لو كان هدف اليمين الأميركي المتطرف جعل العراق عن طريق احتلاله قاعدة الشرق الأوسط الجديد، فذلك لم يتحقق لأن الولايات المتحدة خسرت مكانتها العالمية وموقعها الاستراتيجي في المنطقة العربية، وخسر العراق أمنه واستقلاله. ما حصل هو سيادة الفوضى الخلاقة التي نادى بها زعماء اليمين، وتوكيل إيران خامنئي بإدارة العنف والفوضى في العراق وتهديد أمن المنطقة.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It