ardanlendeelitkufaruessvtr

الأوبئة بين التاريخ والأدب

بقلم د. محمد فتحي عبد العال نيسان/أبريل 12, 2020 373

د. محمد فتحي عبد العال

لقد مر التاريخ الإنساني بالعديد من الأوبئة أقدمها عام 430ق م خلال الحرب البيلوبونيسية بين حلفاء أثينا وحلفاء إسبرطة حيث يروي المؤرخ (ثوسيديديس) كيف اجتاح الطاعون الإثيوبي الأصل أثينا شارحا أعراض المرض مثل الحمى وضيق التنفس والهذيان وكان من نتائج هذا الطاعون تغير موازين القوى العظمى بتراجع اليونان كقوة اقليمية بشكل كبير  ولان الأدب مرآة العصر فلم يكن من المستغرب أبدا ان يكون راصدا وشاهدا على العديد من القصص الإنسانية التي تصاحب هذه الأوبئة و المفعمة بمشاعر متناقضة بين الألفة والفراق والذعر من الفقد  والخشية من دنو الموت  والذهول مع تلال الجثث المتعفنة والترقب لبصيص من الأمل والرجاء لعفو الله . 

 يأتي في مقدمة هذه الأعمال الأدبية الملاحم القديمة واشهرها مسرحية (أوديب ملكا) للكاتب (سوفوكليس) حيث يبحث أوديب في  أسباب تفشي الطاعون  والفوضي في مدينته طيبة ليكتشف أن قتله والده وتزوجه بوالدته وانجابه منها وهو يجهل كل هذا   أشعل غضب الإلهة فقرر ان يعاقب الشاب أوديب نفسه ففقأ عينيه بالضفائر الذهبية لأمه المنتحرة حتى لا ترى الشمس المقدسة إنسانا فعل أكثر الجرائم بشاعة. . وفي ملحمة( اتراخاسيس) كثر اضطراب نوم الإله انليل بسبب ضجيج البشر وصخبهم فأنزل عليهم عقوبة الطاعون ولم يصفح عنهم الإله حتى قدموا الخبز والقرابين وشيدوا معبدا.

 وفي عهد الإمبراطور (جستنيان الأول) وقع طاعون شهير مصري المنشأ سمي بطاعون جستنيان  عام 541م،  واستمر في التفشِّي في منطقة البحر المتوسط لمدة تزيد عن المائتي عام!   حاصدا ملايين الأرواح وكان احد أبرز أسباب انهيار الامبراطورية الرومانية القديمة

 وقد عزا المؤرخ (بروكوبيوس)  في كتابه “التاريخ السري” تفشي الطاعون  لجستنيان باعتباره شيطانا يعاقبه الله على أساليبه الشريرة!.

 وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه، كان أول تطبيق للحجر الصحي في التاريخ في عام الطاعون الذي ضرب الشام  عام 18 هجرية. 

 وقد ضرب الطاعون الاقطار الإسلامية في العهود الأموية والعباسية مما ألهب مشاعر الشعراء ولا ننسى شاعرنا المتنبي وزائرته الليلية الخجوله التي يناجيها بشعره كل مساء - حمى الملاريا - والتي قال فيها :

 وزائرتي كأن بها حياء

 فليس تزور إلا في الظلام

 بذلت لها المطارف والحشايا

 فعافتها وباتت في عظامي

 يضيق الجلد عن نفسي وعنه

 فتوسعه بأنواع السقام

  ولعل ألطف ما يساق في هذا المقام ما كتبه الفقيه والأديب عمر بن مظفر المعري الكندي المعروف بابن الوردي والذي كتب عدة ابيات من فن المقامات يتحدى فيها الطاعون- الموت الأسود - الذي أصاب حلب وبلاد الشام خمسة عشر عاما فيقول:

 ولستُ أخاف طاعوناً كغيري

 فما هو غير إحدى الحسنيينِ

 فإن متُّ، استرحتُ من الأعادي

 وإن عشتُ، اشتفتْ أذني وعيني

 ولكن الغلبة كانت للطاعون ليموت شاعرنا بعد ابياته بيومين!! وتحديدا سنة 749 هجرية.

 وفي العصر الحديث ومع كثرة تفشي الأوبئة وتنوعها اتسعت معه الحركة الأدبية والشعرية وأدب الرحلات ومن أبرز تجارب ادب الرحلات التي تناولت الطاعون ما كتبه القنصل البريطاني (ريتشارد تولي) في كتابه (10 أعوام في بلاط طرابلس) راصدا طرق الوقاية في هذه المدينة الساحلية حينما أصابها الطاعون واستخدام القش المحترق في تطهير المنازل والحض على التباعد المجتمع ومع انتشار الكوليرا في مصر نظمت نازك الملائكة أولى قصائد ما عرف بعد ذلك  بالشعر الحر تقول فيها :

 في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ

 الصمتُ مريرْ

 لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ

 حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ

 الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ

 الميّتُ من سيؤبّنُهُ

 لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ

 الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ

 يبكي من قلبٍ ملتهِبِ

 وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ

 يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ

 لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ

 ومن أشهر روايات أدب الأوبئة في العصر الحديث: (الطاعون) لالبير كامو و (الحب في زمن الكوليرا) لغابرييل غارسيا ماركيز و (الموت في البندقية) لتوماس مان و ( الذي لا ينام) لتشارلي هيوسن و( الحرافيش) لنجيب محفوظ  و(الوباء الوردي) لجاك لندن و(الإنسان الأخير) لماري شيلي و(الديكاميرون) لجيوفاني بوكاتشيو ومن اطرف ما ساقته هذه الروايات ما جاء في رواية (البلاء) لستيفان كينغ والتي اقتربت من فكرة المؤامرة وان انتشار مرض الطاعون كان نتيجة تسربه من مختبر للجيش الأمريكي! وهي الفرضيات التي تلاقي رواجا كبيرا في صفوف عامة الناس وتثير خيالهم وفضولهم وهو ما نشهده اليوم من بعض أحاديث السوشيال ميديا عن وباء كورونا المستجد وما تحيط به من فرضية المؤامرة .

 ومن المتوقع بعد أن ينتهي وباء كورونا بسلام بأذن الله أن تنهال الأعمال الأدبية التي ترصد هذا الوباء الذي اجتاح العالم بأسره متحديا كل مظاهر الحياة الحديثة وفارضا العزلة على الجميع. 

 د. محمد فتحي عبد العال

 صيدلي وماجستير في الكيمياء الحيوية ودبلوم الدراسات العليا في الميكروبيولوجيا التطبيقية ودبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية وحاصل على إعداد الدعاة التابع لوزارة الاوقاف المصرية وكاتب وباحث

قيم الموضوع
(0 أصوات)