ardanlendeelitkufaruessvtr

الرحالة الأفذاذ

بقلم عدلي صادق نيسان/أبريل 26, 2020 341

 

الرحالة الأفذاذ
عدلي صادق
كانت المثابرة على التدوين، هي التي أعطت الرحالة الأفذاذ، مجدهم وحفرت أسماءهم في الذاكرة ووضعتها على الألسن.
كتابة كل التفاصيل
يُعد “ابن بطوطة” سيّد الرحالة العرب في التاريخ. هو مغربي أمازيغي من طنجة، وقد غادرها لأسفاره، يافعاً، في سن الثانية والعشرين، مستهلاً رحلاته بالحج والإقامة في مكة. عاد إلى مسقط رأسه، وهو في الخمسين، لكي يروي ويكتب، ثم أدركه الموت عن عمر يناهز الرابعة والسبعين!
على كثرة ما زار الرجل من البلدان، في غضون نحو 27 سنة، لم يكن السر في تجربته الباهرة، كثرة عدد الأمصار التي ارتحل إليها، أو طول المسافات التي قطعها. فالسر يكمن في مثابرته على الكتابة، مع قدرته الاستثنائية على الملاحظة التي يتبعها التدوين، على الفور ودون إبطاء، مع القدرة الإعجازية على احتمال مشقة السفر وتقلب المناخات. حصيلة “ابن بطوطة” في خاتمة رحلاته، كانت كتابه الموسوعي “تُحفة النُظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” الذي تلقفته أوروبا ونقلته إلى لغاتها!
ربما يكون الشق الآسيوي من رحلاته، لاسيما عندما وصل إلى الصين وبورما وفيتنام، مروراً بكل بلدان آسيا المسلمة؛ هو بيضة القبان التي رَجّحَت اسمه ولقبه كأمير للرحالة في التاريخ العربي. فقد تفوق على “ابن جبير الكناني” الأندلسي، الذي سبقه بنحو قرن، عندما اعتزم في القرن الثاني عشر، استكناه المشرق العربي الإسلامي دون سواه، بدءاً من الإسكندرية التي وصل إليها بعد رحلة بحرية مُضنية، وعندما اختتم سعيه مات فيها قبل الإبحار إلى غرناطة.
كان طبيعياً أن يركز “ابن بطوطة” ومن قبله “ابن جبير” على تقاليد المسلمين في استقبال شهر رمضان، ليس في المساجد وحدها، وإنما في نواحي الأحياء والقرى والمدن، وحيثما كان ينشط الحَكّاؤون وأهل القَصْ الشَجيْ، ويتضاحك الناس ويتداولون تفوهات المجذوبين والمارقين. وتلك كلها، شكلت مواد التسرّي ومنوعات تلك الأيام، التي ظلت أكثر تشويقاً عند الأقدمين، من معادلها الموضوعي عند المحدثين في العقود الستة الماضية، وهو “مسلسلات رمضان”!
كانت المثابرة على التدوين، هي التي أعطت الرحالة الأفذاذ، مجدهم وحفرت أسماءهم في الذاكرة ووضعتها على الألسن. لقد كانوا علماء، لم يتطرق أيٌ منهم إلى الحديث المبالغ فيه عن أهمية دوره، بينما هو يساعد أمته على أن تتعرف على نفسها وعلى بعضها البعض!
كان الرحالة رجالاً استثنائيين أفذاذاً. فقد نجد اليوم، مثقفين ربما زاروا عدداً من البلدان أكبر من تلك التي زارها “ابن بطوطة”، لكنهم لا يكتبون شيئاً ولو في إطار التدوين لأنفسهم، علماً بأن القلم اليوم، سلسٌ وليس قصبة خشبية أو ريشة مع دواة حبر، والورق الحديث، خفيف وصقيل، يُغري بالكتابة، والكمبيوتر يفعل كل شيء، كتابة وتصويراً وحفظاً!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)