ardanlendeelitkufaruessvtr

الإمبريالية الأميركية التي لا تريد أن تسقط

بقلم ماجد كيالي نيسان/أبريل 27, 2020 304

 

الإمبريالية الأميركية التي لا تريد أن تسقط
ماجد كيالي
الولايات المتحدة تتحكم بالعالم ليس بتفوقها العسكري كما يروج البعض، بل بسبب تفوقها التكنولوجي والاقتصادي، ونظامها السياسي رغم شوائبه. وأيضا لأن الرأسمالية تجدّد نفسها في الولايات المتحدة.
رأسمالية متجددة على الدوام
تعوّدنا عند كل أزمة أو مشكلة، تمرّ بالولايات المتحدة أو بالنظام السياسي الأميركي، أن يذهب بعض المنظرين أو السياسيين أو المحللين، ومن شايعهم في وسائط التواصل الاجتماعي، إلى التسرّع بالقول بقرب انهيار الإمبريالية الأميركية، في إحلال للرغبات والأوهام محل الوقائع والحقائق، وهو ما حدث مؤخّرا على خلفية الانهيار في عقود أسعار النفط، وفي صناعة النفط الحجري فيها.
جدير بالذكر أن ذلك حصل سابقا، في مرّات عديدة، لكن تلك الإمبريالية لم تسقط بعد، والعالم الجديد “متعدد الأقطاب”، الذي تم التنظير له كثيرا لم يظهر، ودول مجموعة “بريكس” الخمس (روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا)، التي عقد البعض الرجاء عليها، بالكاد تتدبر أمورها، مع سكان يناهز عددهم على 3.2 مليار نسمة، أي أكثر من ثلث سكان العالم. وحتى روسيا، القطب الآخر المفترض، فما زالت تخضع لعقوبات أميركية من طبيعة تكنولوجية وعلمية واقتصادية، تثقل عليها وتؤخر تطورها.
في المحصلة، فقد شهدنا، عوض سقوط الإمبريالية الأميركية، انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق)، ومعه منظومة الدول الشيوعية عام 1990، كما شهدنا تحول الصين من الشيوعية إلى الرأسمالية، بإدارة الحزب الشيوعي ذاته، مع الحفاظ على نظام استبدادي – شمولي، بل وبارتباط وثيق مع قطاعات الاقتصاد في الولايات المتحدة، التي باتت تعتبر الصين بمثابة مصنع كبير لها، بحيث نقلت صناعاتها الملوثة للبيئة والتي تحتاج إلى عمالة كبيرة، إليها، للاستفادة من رخص اليد العاملة فيها، ومن عدم وجود تقديمات اجتماعية للعمال، وهو ما سهل عليها تحديث قطاعاتها الصناعية، والانتقال إلى صناعات التكنولوجيا العالية.
وربما يجدر هنا سرد بعض حقائق الاقتصاد العالمي، إذ أن الناتج الإجمالي السنوي للولايات المتحدة عام 2018، وقدره 20 تريليون دولار، شكل ربع الناتج الإجمالي العالمي، وهو ما يساوي الناتج الإجمالي لكل دول مجموعة “بريكس”، أي الصين والهند والبرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا، التي يبلغ الناتج الإجمالي لكل منها، على التوالي: 12 تريليون دولار، 2.6 تريليون دولار، 2 تريليون دولار، 1.5 تريليون دولار، 288 مليون دولار. علما أن الدول السبع الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تبلغ حصّتها حوالي ثلثي الناتج الإجمالي العالمي.
أما فيما يخصّ التدهور الحاصل في أسعار النفط، فهو نتاج عوامل متعددة، أهمها:
أولا، إغراق السوق العالمية بالنفط، وذلك بحكم الخلاف الذي حصل سابقا بين المملكة العربية السعودية والاتحاد الروسي بشأن حصة كل منهما من إنتاج النفط، الأمر الذي أدى إلى وجود عرض كبير في ظرف فيه، من الأصل، طلب قليل على الوقود، بحكم تداعيات جائحة كورونا؛ وهو الأمر الذي تم تداركه مؤخرا، بتوافق الدولتين على حصة معينة للإنتاج، إلا أن ذلك التوافق لم يؤثر كثيرا.
ثانيا، ثمة مخزون نفطي كبير لدى الولايات المتحدة مع مستوعبات ممتلئة، أي أن قدرة الولايات المتحدة على إنتاج أو استيراد، المزيد من النفط الخام وتخزينه، وصلت إلى ذروتها، وهذا ينطبق على مصانع التكرير في العالم، بل ثمة حديث عن وجود 160 مليون برميل نفط خام مخزنة في ناقلات حول العالم بانتظار مشترين لتفريغ حمولاتها.
ثالثا، أدت التداعيات الناجمة عن جائحة كورونا إلى تدني الاستهلاك العالمي للطاقة النفطية، وإلى انخفاض كبير في الطلب العالمي على النفط، نتيجة وقف وسائل المواصلات، بأساطيلها الجوية والبحرية والبرية، وتوقف عديد من القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالنفط، وحال الحجر التي يخضع لها السكان في أكثر دول العالم.
على ذلك فإن أكثر من تأثر من تدهور أسعار عقود النفط هو الدول المنتجة لهذه السلعة، وضمنها الولايات المتحدة وروسيا، لكن من تأثر أكثر من غيره هو الدول التي تعتمد أساسا على ريعها المتأتي من صادراتها النفطية، في موازناتها وتنمية اقتصادها. وفي هذا المجال مثلا، فإن روسيا أكثر دولة تتأثر أو تتضرر، من تدهور أسعار النفط، وكانت قد تأثرت سلبا مع انخفاض أسعار النفط، نتيجة خلافها مع المملكة السعودية كما ذكرنا.
في مقابل ذلك، تبدو الدول غير المنتجة للنفط، سواء كانت غنية أو فقيرة، مستفيدة من تدهور أسعار النفط، وهذا بديهي، إلا أن انخفاض معدل التنمية وتراجع الأنشطة الاقتصادية، في الدولة الأكبر والأكثر استهلاكا، في العالم، أي الولايات المتحدة، التي تسيطر على ربع الناتج الإجمالي العالمي السنوي، يؤثر على الدول الأخرى، وضمنها الصين وأوروبا، في عالم شديد الاعتمادية على حيوية الاقتصاد الأميركي.
المسألة تختصر إذن في أن العالم يمر في أزمة، سواء كنتاج للتداعيات الناجمة عن جائحة كورونا، أو كنتاج لتدهور أسعار النفط، والمشكلات الاقتصادية الأخرى، وهي ليست المرة الأولى، على أيّ حال.
أما في ما يخص الولايات المتحدة، فرغم الاختلاف مع سياساتها الاستعلائية والهيمنة، ونهج إدارتها الحالية، وموقفها من القضايا العربية، ومحاباتها لإسرائيل، إلا أن ذلك لا يفيد في القول بانهيارها أو سقوطها، إذ إن تلك الدولة ما زالت تتحكم بالعالم، وذلك ليس بتفوقها العسكري، كما يروج البعض، وإنما بسبب تفوقها التكنولوجي والعلمي والاقتصادي، ونظامها السياسي، رغم كل الشوائب المتضمنة فيه. وأيضا يحدث ذلك لأن “الرأسمالية تجدّد نفسها” في الولايات المتحدة أكثر بكثير من غيرها من الدول.
كاتب سياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)