ardanlendeelitkufaruessvtr

العراق + حكومة متواطئة – نفط + كورنا = (كارثة)

بقلم ثائرة أكرم العكيدي نيسان/أبريل 27, 2020 360

ثائرة أكرم العكيدي

تبدو المقولة العراقية الغاضبة التي تتردد كثيراً أن النفط لعنة وليس نعمة صحيحة تماماً في السياق العراقي.  بخلاف التمنيات المتفائلة، لم يؤدي بروز وازدياد الريع النفطي في تاريخ الدولة العراقية إلى إصلاح الاقتصاد والسياسة. بل بالعكس إلى تخريب الاثنين سوية بسبب هشاشة مؤسسات الدولة تاريخياً في البلد وهيمنة الرغبات الشخصية لزعماء أقوياء على إرادة المؤسسات.

ما حصل في العراق بعد 2003 كان العكس بالضبط، فبدلاً من تحرير السياسة والاقتصاد معاً من هيمنة الروح المركزية القامعة وصولاً إلى تجربة ديمقراطية حقيقية يتعاون فيها المجتمع مع الدولة في صناعة خيارات سياسية واقتصادية عقلانية تخدم الصالح العام، جرى تحرير السياسة فقط على نحو مبالغ فيه كثيراً إلى حد التفتيت الشديد لسلطة صناعة القرار عبر آليات المحاصصة والتوافق والتقاسم الحزبي للسلطة الحاكمة يعني حكومة بعد 2003 هي نفسها حكومة قبل 2003

 فالحكمة السائدة والصحيحة بهذا الصدد هو أن احتكار الدولة للموارد خصوصاً الطبيعية منها كالنفط يسمح ببروز الدكتاتورية التي تُمكن الدولة من شراء ولاء المجتمع وضمان سكوته عبر استخدام موارد الريع النفطي في توفير فرص عمل مزيفة وغير منتجة في القطاع العام أو ما يسمونه في الاقتصاد بالبطالة المقنعة كما حصل في العراق.

والعراق لم يستعد لمثل هذه الاحتمالات الجدية فمثل معظم الأشياء في البلد الصدمات المفاجئة هي التي تحرك السياسة والدولة وليس التخطيط والمبادرة المبنية على استقراء عقلاني للوقائع المقبلة.

هذه أيام عراقية عسيرة بلا شك. فمع بدء انتشار فيروس كورونا في البلد وضعف الرد الحكومي عليه في دولة مؤسساتها مهلهلة أصلاً خصوصاً الصحية منها أخذت أسعار النفط في السوق العالمي تتراجع على نحو سريع يهدد الاقتصاد العراقي الذي يعتمد على مبيعات النفط كمصدر رئيسي للدخل لتسيير عجلة الدولة بما تن الحكومة ريعيه وتؤمن نفقاتها من ايرادات النفط حيث تشكل هذه المبيعات نحو 90 بالمئة من ميزانيتها.

العراق اليوم عملة متذبذبة وسوق مشلولة واقتصاد يواجه جملة من أصعب التحديات في غمرة أزمة جائحة كورونا ومن بين أزمات تولد أخرى عنوانها القطاع الخاص الذي يعاني أساسا من ضعف ارتباطه الهيكلي بمؤسسات الحكومة حكومة مطالبة بإيجاد حلول لا تقتصر فقط على إجراءات حظر التجوال ومنع تفشي الفيروس القاتل كما يرى مختصون القطاع الخاص يمثل سيولة كبيرة في الاقتصاد هذه السيولة راح نفقدها بالمستقبل بعدما تعود الحركة إن شاء الله على الحكومة تجد حلولا لهذه المشكلة مثل ما باقي بلدان العالم وضعت خطط تحفيزية لاقتصاداتها ضخت سيولة قوية من خلال مبادرات عديدة من ضمنها دعم القطاع الخاص دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لا تقف الأزمات عند هذا الحد في إيرادات النفط العراقي مهددة بالتآكل جراء تهاوي أسعار النفط ويقدر أعضاء في اللجنة المالية بالبرلمان أن عجز الموازنة لهذا العام سيتجاوز 45 مليار دولار بعدما خفض العراق حصته الإنتاجية  للأسواق النفطية مع استمرار أزمة كورونا يجب على  الحكومة العراقية ان  تتبني حلول سريعة عبر تخصيص مبالغ بسيطة لذوي الدخل المحدود لكنها في المقابل دافعت العملة المحلية إلى تراجع ملحوظ أمام الدولار ليجري يتداولها عند مستوى تجاوز ألفا ومائتي دينار نحو ثلاثة مليارات دولار هي خسائر العراقي شهريا نتيجة تدهور أسعار النفط .

كان على الحكومة العراقية بدل ان تصدر قرار باستقطاع جزء من راتب المواطن البسيط الذي قلما يسد احتياجاته اليومية من مأكل ومشرب كان عليها المطالبة بعدة اجراءات لإيقاف نزيف العجز في الموازنة منها محاربة الفساد بشكل مكثف أسوة بما حصل عند محاربة تنظيم داعش ووضع حد للنهب والفساد الكبير في المنافذ الحدودية. وإرجاع المنهوب من أموال الشعب وتخفيض رواتب كبار مسؤولي الدولة إلى الحد المعقول، ستعيد إلى خزينة الدولة أموالا لا يستهان بها لمواجهة الانتكاسة المحتملة.

 من الممكن توفير 50 مليار دولار، إذا عملت الحكومة على محو مئات الآلاف من الوظائف الوهمية في مختلف الوزارات، وإلغاء رواتب مؤسسة الشهداء والسجناء التي يستلم الكثيرون فيها أكثر من راتب في آن واحد وكما ذكر رئيس الحكومة السابقة حيدر العبادي قال في تصريح سابق أن عدد منتسبي الحشد الشعبي لا يتجاوز 60 ألفاً بينما تدفع الدولة رواتب لنحو 156 ألف عنصر اي بمعنى وجود 96 ألف عنصر وهمي فضائي.

مثل هذه الإصلاحات ستعني بالضرورة قصقصة أجنحة الإقطاع الحزبي بكل الفساد المترتب عليه وتحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة وإعادة الاعتبار للمجتمع كصانع للثروة والمعنى وكرقيب على الدولة ومؤسساتها. لن يتوصل ساسة هذه الدولة إلى قناعات صحيحة كهذه عبر الاكتشاف الذهني والفضول المعرفي المستقلين، بل سيُجبرون عليها بقسوة الوقائع التي ستضعهم أمام خيارات مريرة بينها انهيار الدولة بسبب عجزها عن الإيفاء بالتزاماتها المالية الأساسية وغضب هائل لمجتمع اعتاد على تزويد الدولة له بالموارد ولا يستطيع أن يتكيف مع انقطاعها المفاجئ.

اليوم وبعد المخاوف الجديدة في العراق، مفادها عدم قدرة الحكومة على تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين في البلاد، نتيجة الانخفاض الكبير في أسعار النفط بالأسواق العالمية، وبالتالي قد يشكل الملف تحدياً خطيراً أمام مجلس النواب والحكومة يضاف الى التحديات العديدة التي يعاني منها العراق أصلاً المتمثلة بأزمة تشكيل الحكومة واستمرار التظاهرات الاحتجاجية وظهور الاصابات بفيروس كورونا العراق مقبل على صدمة شبيهة بالصدمة المزدوجة التي تلقاها عام 2014 والمتمثلة بانخفاض أسعار النفط واجتياح تنظيم داعش لعدة مدن عراقية مضيفاً أن موازنة 2019 بدأت بعجز وانتهت بعجز.

وقد اصدرت وزارة المالية العراقية في وقت سابق مقترحاً إلى الوزارات الأخرى في البلاد بإيقاف العلاوات لجميع الموظفين وتجميد عدد من المعاملات مثل تعويضات المتضررين من العمليات الحربية، بدءاً من مطلع العام الحالي. 

ومع العلم ان البرلمان العراقي لم يصادق حتى الآن على الموازنة العامة للبلاد لسنة 2020، بسبب الخلافات السياسية بشأنها، ووصولها المتأخر من قبل حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

وفي ظل هذا التشويه البنيوي للسياسة والاقتصاد والعلاقة بينهما في عراق أصبحت الدولة بتفكك سلطة القرار فيها عاجزة عن إنتاج سياسات إصلاحية جدية وتطبيقها فيما ظل المجتمع عاجزاً عن تحقيق الاستقلال الاقتصادي عن الدولة المفككة أصلاً التي تستمد مصدر قوتها الوحيد من الريع النفطي الذي يحتكره الفرقاء المتحالفون المهيمنون عليها.

وحجر الزاوية في استمرار هذا الترتيب المشوه الذي يعيد إنتاج نفسه هو الريع النفطي وضمان تدفقه في الخزائن الحكومية والحزبية. بالتالي يشكل انهيار أسعار النفط في السوق العالمية تهديداً جدياً لهذا الترتيب، يمكن أن يطيحه إذا استمر هذا الانخفاض فترة طويلة...

قيم الموضوع
(0 أصوات)