ardanlendeelitkufaruessvtr

اضطهاد الثقافة

 

اضطهاد الثقافة
حسن النواب
سيرة‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬منذ‭ ‬العهد‭ ‬الملكي‭ ‬وحتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬واجهت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬والتجاهل‭ ‬والاستخفاف‭ ‬والترهيب،‭ ‬والترغيب‭ ‬أحيانًا‭ ‬لتجميل‭ ‬وجه‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحكومية‭ ‬الدموية‭ ‬والفاسدة،‭ ‬فمنذ‭ ‬ولاية‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬الأول‭ ‬والمثقف‭ ‬العراقي‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬تحت‭ ‬طائلة‭ ‬العوز‭ ‬والفقر‭ ‬والنظرة‭ ‬الدونية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأنظمة‭ ‬الرجعية،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬البطش‭ ‬والزج‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬وفق‭ ‬مزاج‭ ‬الحاكم‭ ‬الجاهل‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬تشريع‭ ‬وزارة‭ ‬الإرشاد‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٥٩‬‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬مجلة‭ ‬الوقائع‭ ‬العراقية‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تُعنى‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الثقافة‭ ‬والإعلام‭ ‬وحتى‭ ‬آخر‭ ‬وزارة‭ ‬ثقافة‭ ‬عراقية‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحاضر‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمثقفين‭ ‬والأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬أشبه‭ ‬بالساعي‭ ‬خلف‭ ‬سراب؛‭ ‬إذْ‭ ‬لم‭ ‬يلمس‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬رعاية‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السلطات‭ ‬الحاكمة،‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬دعت‭ ‬الضرورة‭ ‬لتجنيد‭ ‬المثقفين‭ ‬خدمة‭ ‬لمصالحها،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الزعيم‭ ‬الراحل‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬قد‭ ‬رفع‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي؛‭ ‬حين‭ ‬زار‭ ‬الشاعر‭ ‬الجواهري‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬الاتحاد؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحكومات‭ ‬الرجعية‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬الزعيم‭ ‬عمدت‭ ‬إلى‭ ‬إذلال‭ ‬المثقفين‭ ‬العراقيين،‭ ‬وكانت‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬زمنهم‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قلم‭ ‬مكياج‭ ‬زائف‭ ‬لتجميل‭ ‬وجه‭ ‬السلطة‭ ‬القميئة،‭ ‬وحين‭ ‬استلم‭ ‬كرسي‭ ‬الحكم‭ ‬النظام‭ ‬القمعي‭ ‬تحولت‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬غابة‭ ‬من‭ ‬الطبول‭ ‬والصنوج‭ ‬والأبواق‭ ‬والمباخر‭ ‬للطاغية‭ ‬الدموي‭ ‬في‭ ‬حروبه‭ ‬العبثية‭ ‬وأصبح‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬أسير‭ ‬نزوات‭ ‬وحماقات‭ ‬النظام‭ ‬الساقط،‭ ‬وكان‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬مايسدُّ‭ ‬رمقهُ‭ ‬وفق‭ ‬معادلة‭ ‬ظالمة‭ ‬وقاسية،‭ ‬الأجر‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المديح‭ ‬والتبخير‭ ‬للطاغية،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬مقدار‭ ‬الإبداع،‭ ‬إذْ‭ ‬أنَّ‭ ‬مكافأة‭ ‬نشر‭ ‬قصيدة‭ ‬إبداعية‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الأقلام‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬دينار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نشر‭ ‬قصيدة‭ ‬تافهة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬سطورها‭ ‬اسم‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬جريدة،‭ ‬كان‭ ‬يحصل‭ ‬الشاعر‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬ربع‭ ‬مليون‭ ‬دينار،‭ ‬ولذا‭ ‬تراجع‭ ‬الإبداع‭ ‬وازدهرت‭ ‬ثقافة‭ ‬التطبيل‭ ‬والتزمير،‭ ‬وكانت‭ ‬محنة‭ ‬مريرة‭ ‬يتذكرها‭ ‬جميع‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬الحافلة‭ ‬بالبطش‭ ‬والتهديد‭ ‬والوعيد‭. ‬لقد‭ ‬تسنَّم‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬عشرات‭ ‬الأسماء‭ ‬منذ‭ ‬العهد‭ ‬الملكي‭ ‬حتى‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬وبإحصائية‭ ‬منصفة‭ ‬لمن‭ ‬كان‭ ‬يستحق‭ ‬هذا‭ ‬المنصب‭ ‬عن‭ ‬جدارة‭ ‬وكفاءة‭ ‬عالية،‭ ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬سوى‭ ‬الشاعر‭ ‬شفيق‭ ‬الكمالي‭ ‬الذي‭ ‬قتلهُ‭ ‬الطاغية‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬والأخ‭ ‬مفيد‭ ‬الجزائري‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭ ‬فيه‭ ‬سوى‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة،‭ ‬والدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬الحمداني،‭ ‬أما‭ ‬عن‭ ‬الوزراء‭ ‬الآخرين‭ ‬لهذا‭ ‬المنصب،‭ ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬لا‭ ‬بالعير‭ ‬ولا‭ ‬بالنفير،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الإعلام‭ ‬والأعلاف،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يجنّد‭ ‬الإرهابيين‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬الوزاري،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬أخذ‭ ‬ميزانية‭ ‬الوزارة‭ ‬إلى‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬حتى‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬معهُ‭ ‬في‭ ‬الوزارة،‭ ‬ومنهم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬الجواهري‭ ‬قد‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬قبل‭ ‬عشرات‭ ‬السنوات؛‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الوزراء‭ ‬الجهلة‭ ‬أصابوا‭ ‬مقتلاً‭ ‬في‭ ‬كبد‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬البيروقراطية‭ ‬والتعجرف‭ ‬والاحتقار‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يصادف‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬حين‭ ‬يروم‭ ‬مقابلة‭ ‬أحدهم‭ ‬لطرح‭ ‬همومه‭ ‬الإبداعية‭ ‬والحياتية،‭ ‬وقطيعة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الوزراء‭ ‬الجوف‭ ‬عن‭ ‬عمد‭ ‬مع‭ ‬اتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬ونقابتي‭ ‬الصحفيين‭ ‬والفنانين‭ ‬والمرافق‭ ‬الثقافية‭ ‬الأخرى‭. ‬لم‭ ‬يشعر‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬بحضوره‭ ‬واستحقاقه‭ ‬وقيمته‭ ‬وكرامته‭ ‬إلاّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وزارة‭ ‬الأخ‭ ‬الحمداني،‭ ‬أجل‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المبدعين‭ ‬لم‭ ‬يحصلوا‭ ‬على‭ ‬حقوقهم‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬ومنهم‭ ‬كاتب‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬لكن‭ ‬الانطباع‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬أنَّ‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الإنجازات‭ ‬قد‭ ‬تحققت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬الحالية،‭ ‬مثلما‭ ‬أعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬ثلَّة‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬لا‭ ‬يعجبهم‭ ‬العجب‭ ‬ولا‭ ‬الصيام‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رجب،‭ ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬سيقولون‭ ‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬وزيرهم‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬كابينة‭ ‬الأخ‭ ‬الكاظمي‭ ‬من‭ ‬منتجعات‭ ‬پاريس‭ ‬إلى‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة،‭ ‬ومَنْ‭ ‬منهم‭ ‬يعرفهُ‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬يعرفهم،‭ ‬أخشى‭ ‬أنْ‭ ‬يعود‭ ‬الإذلال‭ ‬للمثقف‭ ‬العراقي‭ ‬مرَّةً‭ ‬أخرى،‭ ‬والوقوف‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬الوزير‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬الدخول‭ ‬عليه
والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬شكوى‭ ‬المثقف‭ ‬المغلوب‭ ‬على‭ ‬أمره؛‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬أتمناهُ‭ ‬هو‭ ‬عودة‭ ‬المجافاة‭ ‬بين‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬واتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬ونقابتي‭ ‬الصحفيين‭ ‬والفنانين،‭ ‬وليس‭ ‬بعيداً‭ ‬أنْ‭ ‬نرى‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬منشغلة‭ ‬بشجونها‭ ‬الپاريسية‭ ‬والمثقف‭ ‬والفنان‭ ‬العراقي‭ ‬يهيم‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬المتنبي‭ ‬بلا‭ ‬زادٍ‭ ‬وبلا‭ ‬معين‭. ‬نأمل‭ ‬من‭ ‬الأخ‭ ‬الكاظمي‭ ‬التمعن‭ ‬كثيراً‭ ‬قبل‭ ‬اختيار‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬الجديد،‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬ضاقتْ‭ ‬به‭ ‬السبل‭ ‬للتمسك‭ ‬بالحمداني،‭ ‬وأنْ‭ ‬يضع‭ ‬أمام‭ ‬ناظريه‭ ‬رغبة‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭ ‬والصحفي‭ ‬باستمرار‭ ‬الحمداني‭ ‬في‭ ‬منصبهِ‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تُضطهد‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬كرَّةً‭ ‬أخرى،‭ ‬وصدق‭ ‬المثل‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬يعرفهُ‭ ‬الجميع‭:‬‭ ‬‭(‬جرّب‭ ‬غيري‭ ‬حتى‭ ‬تعرف‭ ‬خيري‭)‬‭ ‬وإنَّ‭ ‬غداً‭ ‬لناظره‭ ‬قريب‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)