ardanlendeelitkufaruessvtr

الانغماس البشري في الرقمي لا يعني نهاية وسائل الإعلام

 

الانغماس البشري في الرقمي لا يعني نهاية وسائل الإعلام
كرم نعمة
هناك علاقة حسية بين أصابع الإنسان وقلبه مع ما يمسكه ويطالعه، والصحيفة مثال جيد وباق، مع أن تأثير الرقمي سريع وواضح في عملية الانتقال.
حنين جارف إلى كائن مطبوع له ملمس وصوت ومحتوى يصل بيسر إلى الذهن أسمه جريدة
يمنح ريتشارد ووترز مراسل فايننشيال تايمز من سان فرانسيسكو، دفقة أمل غامضة لوسائل الإعلام التقليدية، برفضه الاعتقاد بأن استحواذ الوسائل الرقمية على حياتنا بعد شهرين من الانعزال الإجباري تحت وطأة انتشار وباء كورونا، يعني نهاية المدى وآخره.
ولأنه أحد مراقبي عالم التكنولوجيا فقد لمس ووترز بشكل فعلي الانغماس البشري في الرقمي وسط غياب مخيف للورقي، لقد استرخى الناس أمام الفيديو وانغمسوا في متابعة أجهزتهم، كانت تلك الأجهزة بمثابة الكتاب والصحيفة التقليدية، فيما كسد الورق ولم يجد من يبحث عنه، أو بتعبير ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، الذي لخص الأمر على أفضل وجه حين قال: إن قواعد التباعد الاجتماعي جلبت كل شيء بعيد.
لا أحد يتراجع عن الاتفاق على أن الكتاب أو الصحيفة هما الوسيلة الجليلة التي استمر في تداولها لمئات السنين، إلا أن الكلام المتطرف بشأن انتهاء صلاحيتهما قد ازداد في العقدين الأخيرين منذ أن أصبح الكتاب الرقمي متاحا على أجهزة القارئ الإلكتروني، ومنذ أن جمعت آبل بهاتفها الذكي حزمة كبيرة من صحف العالم. فيما كيفت الصحف خدمتها ومحتواها لقارئ إلكتروني من دون أن تخذل قراءها الأوفياء المولعين بتصفح الجريدة. لكن واقع الحال أن فكرة كل شيء رقمي بدت حقيقية في زمن التباعد الاجتماعي وكأن المستقبل اقترب عشرين عاما.
لقد سبق وأن عرض منظّر الإنترنت كيفين كيلي تأمله بشأن المستقبل الرقمي، وما توقعه قبل سنوات قليلة صار واقعيا بشكل مبكر تحت وطأة انتشار كورونا.
كتب كيلي قبل أن يسمع أحد أو يتوقع أن أوصال العالم الطبيعية ستقطع ليكتفي بتواصله الرقمي، المستقبل سيشهد نشأة صيغة جديدة من صيغ أدب، ليس رقميا كليا فحسب، بل ويجري تداوله أيضا في الزمن الحقيقي ويسفر عن اختفاء الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية المختلفة، ومناحي الحياة المتعددة، والهويات المتباينة.
وهذا ما يسميه كيلي بالأدب البديل، ومن حيث المحتوى الرقمي هو في حقيقة الأمر جهد صحافي ابتداء من التغريدات والتعليقات على تويتر وفيسبوك والمحادثة والمراسلة الإلكترونيتين، وصار جمعها في كتاب شامل أدبا رقميا جديدا.
يكفي أن نتخيل أن الكاتب الأميركي بريت إيستون إيليس مثلا أنفق في السنوات الأخيرة في سياق أحاديثه مع نصف مليون من متابعيه في تويتر، وقتا فاق بكثير الوقت الذي خصصه لروايته القادمة. ولنا أن نتخيل كم تضاعف هذا الوقت في الشهرين الماضيين تحت وطأة الحجر المنزلي. إيليس نموذج رقمي معروف، لكن على المستوى الآخر توجد أمثلة مثيرة لمستخدمين يقدمون المحتوى الإعلامي الرقمي ويستقطبون الجمهور أكثر مما تفعله وسائل الإعلام التقليدية.
العصر الرقمي ينتج أدبا أسماه المحلل المتخصص بالويب كينيث غولدسميث جرأة “الكتابة غير الإبداعية” ولم يكن يعني الصحافة بمفهومها التاريخي، أو ما أسمته جودي دين المهتمة بشؤون محتوى الإنترنت “حلفا مع الشيطان”، لكن كل ذلك لا يمنح غولدسميث ودين أي سبب لأن يخشيا وسائل التواصل الاجتماعي، حسب المنظر المختص بشؤون الإنترنت يوهانيس تومفارت في دراسة نشرت ترجمتها مجلة “فكر وفن” الألمانية، فهناك سلسلة تتشكل في الشبكة العنكبوتية، قادرة على إزاحة نموذج التمثيل البرلماني البالي السائد في العالم الغربي، النموذج القائم على أسس الديمقراطية البرلمانية.
لكن ليست كل الآراء على غرار ما يجزم به تومفارت، لأن ثمة من يرى أن العصر ما بعد الرقمي، لن يجعل من شبكة الإنترنت مقصدا في حد ذاتها ولكنها ستكون خارطة طريق إليه.
فكلما ازدهرت فرص التعامل الجماعي خف الشعور بالوحدة، وهذا ما لا يقدمه الجلوس الدائم أمام شاشة الكمبيوتر، فالرسائل النصية الهاتفية تمثل نافذة على العالم وليست بابا. بعكس ما يقدمه تصفح الجريدة في المقهى على سبيل المثال.
من الخطأ – حسب تعليق ريتشارد ووترز – استخدام التكنولوجيا على كل مقياس تقريبا، مع أنه اتضح بالنسبة لأتباع الرقمنة، أنه لا شيء يضاهي جائحة عالمية لفرض التغيير.
فالانتقال القسري إلى الإنترنت في مجالات العمل والتعليم والتسوق والطب والترفيه لا يعني نهاية الوسيلة الملموسة المقابلة، لأن هناك علاقة حسية بين أصابع الإنسان وقلبه مع ما يمسكه ويطالعه، والصحيفة مثال جيد وباق، مع أن تأثير الرقمي سريع وواضح في عملية الانتقال.
صحيح أن فايروس كورونا حرك جميع العوامل الرئيسة التي تؤثر في وتيرة تبني الحياة الرقمية من سلوك المستهلك والعمليات التجارية، حتى التنظيم الحكومي. لكن تبقى الحاجة ماسة إلى ما يحقق الجانب الإنساني الطبيعي الذي لا يقدر الرقمي على توفيره.
لذلك هناك فئة كبيرة من مراقبي التكنولوجيا تتوقع عودة طرق العيش والعمل القديمة تدريجيا بما فيها المطالعة التقليدية للصحف والكتب الورقية، مع أن التغيير السلوكي القسري عبر مجتمع بأكمله شيء لم يكن بإمكان شركات التكنولوجيا الكبرى أن تحلم به، كما حصل أثناء انتشار الوباء.
في النهاية، كثير من المقارنات الفضفاضة وغير الصحيحة تمت بين كورونا والحرب، لكن المقارنة تحمل معنى واحدا على الأقل حسب ريتشارد ووترز “كلاهما يمكن أن يعجل بتغيير مجتمعي واسع. العودة إلى أي شيء يقارب الحياة الطبيعية ما قبل انتشار الوباء ستؤدي إلى انخفاض في النشاط الرقمي، سيعيد البشر اكتشاف متعة التواصل الشخصي” وسيشعر القراء بحنين جارف إلى كائن مطبوع له ملمس وصوت ومحتوى يصل بيسر إلى الذهن أسمه جريدة، عجزت إلى حد الآن أن تقدمه لنا أجهزتنا الذكية على أهميتها.
ومهما يكن من أمر فإن عالم وسائل الإعلام الذي ستخلفه الجائحة سيكون مختلفا تماما عن العالم الذي سبق الأزمة.
كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)