ardanlendeelitkufaruessvtr

العراق يَئِنُّ .. عقل البداوة

بقلم د. طالب محمد كريم أيار 10, 2020 280

 

د. طالب محمد كريم*

قد تكون الكتابة عن المدنية والمواطنة هي الشغل الشاغل للكثير من الناشطين المشتغلين بالمفردات الحديثة والمعاصرة في سبيل احراز تقدم من التعايش السلمي من خلال دولة مدنية.
وقد نكون وصلنا حد الإسهاب والترهل في تحميل النصوص ما لا تحتمل ، اذ اعتقد جازماً ان من أسوء مخرجات الفهم الثقافي للإنسان ان يكون التواصل مع المعلومة الأولى التي يعتقد انها الحقيقة من خلال منهجية ( تفسير التفسير ) والذي أرى انها التفاف على الحقيقة وشفافية الخطاب المرسل الذي يؤصل للعلاقة بين المخاطِب والمخاطَب وهذه هي الكارثة والطامة الكبرى التي شظت ببنائية الحقيقة وخطوات العمل مع المستقبل وضيّعت درب الباقين.
الكلام عن المدنية يعني الرجوع إلى أصل نشأة الحياة الاجتماعية التي سبقت تشكيل المدن والتخطيط العمراني والتي يمكن الوقوف عندها وجعلها مرحلة متقدمة عن المدنية وهي حياة البداوة وبيئتها المناخية التي شكلت نمطية العقل وطريقة التعامل مع الأشياء المحيطة بها. الشخصية البدوية بحسب إختيارها للحياة على مسرح الصحراء الكبير أعطته الشعور بالسيادة التي لا تقبل الطاعة او العبودية أو الأستئجار البشري. ذلك انه يسرح في مسافات بعيدة وقاسية، بل ليس لتجواله حدود، ولا يأتمر من اي شخص، ولا يعقد لقاءات مع الثقافات أو الجماعات البشرية الاخرى. حتى لا يجيد لغة المنفعة والمصالح المجتمعية.
خياله محدود الأفق بسبب بيئة العمل القاسية التي تعتمد على الرعي والبحث عن الماء والعشب حتى جعلت منه كائنا أحادياً لا يكشف عن نواياه وافعاله. وكأنه يجسّد مقولة النص الغائم على عكس المواطن المدني الذي يظهر في النص الواضح (بعبارة محمد الرحموني ). يعيش حياته متنقلا لم يَقْبَل أو يُقْبِل على الاندماج في النظام الاجتماعي .
انه عقل رمادي اللون زئبقي الأصل هش الوثوق
وهذا ناتج بسبب عدم الاستقرار والبحث المتواصل عن الكلأ، الذي جعله بلا موطن أو مواطنة، والوطنية عنده مفردة عابرة للجغرافية والحدود. حتى وصفت العلاقات بين اهل البدو وأهل الحضر بأنها شديدة التعقيد بعبارة ابن خلدون.

من هنا حاول الكاتب ان يعالج مفهوم المواطنة وتطبيقاتها، على التنوعات الاجتماعية من خلال عدة أسئلة مطروحة بالشكل التالي :
هل بالإمكان اضافة صفة المواطن على الانسان البدوي الساعي في الأرض الواسعة؟
هل الإجابة تحدد من خلال رسم جغرافية حدود الدولة ، أم من خلال الامتيازات التي يحصل عليها الفرد من عطاء الدولة؟
هل الاشكالية في توضيح الحقوق والواجبات والالتزام التام بالدستور والقوانين؟
أم ان التطور السياسي لواجبات الدولة يعتمد على حدود الجغرافية الفكرية للفرد وقناعاته في الاندماج الاجتماعي ؟
تعد كل هذه أسئلة مشروعة تعمل على تدقيق وتحديد المفهوم الوظيفي الذي يميز هوية الفرد عن المواطن .
وما يهمني من ذلك هو كيفية العمل على نقل المفهوم من العنوان الوظيفي السياسي إلى العنوان العملي للفكر الاجتماعي والذي يندفع نحو الاندماج الاجتماعي والتعايش السلمي واحترام الدولة والإنسان.
اي نقل العقل الإنساني من البداوة السائحة في الصحراء والقفار والتلول إلى التعايش المدني الذي يقبل على طاعة القوانين واحترامها.
لم يذكر الدستور العراقي مفردة المواطن في ديباجته الا مرة واحدة وبصيغة ( مواطنينا ):
(عِرفاناً منَّا بحقِ اللهِ علينا، وتلبيةً لنداءِ وَطَنِنا وَمُواطِنينا).
وغالبا ما يقصد من المواطنة في الدستاتير العالمية هو المفهوم الوظيفي الذي يؤصل لعلاقة المواطن بمؤسسات الدولة . ربما هي إشارة مباشرة على رفع التمييز القسري بين الجميع واعطائهم الصفة الشرعية في ممارسة حقوقهم الشرعية بانتظار ما تبقى من الحقوق والمكتسبات المذكورة في الدستور .
أين إذن تكمن مشكلة تطبيق مفهوم المواطنة هل في المسألة الاجرائية الأدائية أم في الفكرة الثقافية الاخلاقية .
يجيب ادونيس العكرة عن الشق الاول من طبيعة السؤال في ان الإجابة يمكن ان تحدد من خلال:
احترام المواطن للقوانين
فلا يخالفها
ويتقيّد بموجباتها وضوابطها
ويقوم بواجباته المدنية كاملة من دون مواربة أو غش أو تهرّب.
كما يتجلىّ الحس المدني لدى المواطن في سلوكه اليومي تجاه المجتمع ومؤسسات الدولة
كالتقيّد بقوانين السير
والعناية بالأملاك العامة
والمشاركة في حمايتها
ومراعاة القواعد المتعلقة بالسلامة العامة وراحة المواطنين والنظافة العامة.
ولا يشترط هذا المعنى إلا بشرط وجود المواطنية في الدولة.
وإذا ما حاولنا اجراء استقراء بسيط في مدننا العراقية للكشف عن جدية النقاط المذكورة ومعرفة درجة التطابق قد لا نصل إلى درجة النجاح وإذا ما عملنا على ادراج نسبة المشكلات اليومية ربما قد تزود حدّ اللا معقول.
حيث ان النموذج الإجرائي أعلاه يبين حالة الفشل المستمر والذي يتحملها كلا الطرفين( الدولة والشعب ).
ومن خلال هذا العرض المسنود بشرائط تحقيق المواطنة ينبري لنا مفهومٌ آخر لا يقل أهمية عن غيره، هو المنهجية العقلية للفرد اذ لا يكفي اضافة صفة المواطنة من خلال الانتقال السياسي والديموغرافي أو الجغرافي او السكاني. حيث يسكن المدينة الكثير من اصحاب العقول البدوية الذين يتعاملون مع المؤسسات الحكومية وباقي أفراد الشعب على انها غنائم مؤقتة، اذ لازال التوحش يسكنهم، يغتنمون فرص الضعف التاريخي، ليكشروا عن أنيابهم وتظهر مخالبهم .
حل المشكلة يمكن ان تبدأ في الشق الثاني من طبيعة السؤال المذكور أعلاه، ومن خلال الفكرة الثقافية التي تدفع إلى تهجير العقول من ثقافة البداوة والذاكرة الأليمة والبيئة القاسية التي ساهمت في تشكيل النمطية العقلية المتمردة والتي ترى في نفسها انها سيدة الصحراء والبادية، إلى ثقافة الاندماج الاجتماعي والإيمان بالحياة المشتركة واحترام القانون.

* باحث وأكاديمي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الإثنين, 11 أيار 2020 02:02