ardanlendeelitkufaruessvtr

الإعلام بين التحليل والتحلية

بقلم عبد الرضا سلمان حساني أيار 21, 2020 258

الإعلام بين التحليل والتحلية
عبد الرضا سلمان حساني
بذرائع متشابكة ووعرة، إحتلّت أميركا العراق في نيسان من العام 2003 بعد غزو عسكري مخرِّب شامل وساعدتها في الغزو بنسب مئوية ضئيلة (2 بالمائة) كلّ من القوّات البريطانيّة والأسترالية بأمر من حكومتيهما . السببان الرئيسيّان لإحتلال العراق كما إدّعى الرئيس جورج بوش الأبن هما نزع (أسلحة الدمار الشامل) المزعومة وعلاقة العراق بتنظيم القاعدة. وعلى مدى سنين الإحتلال وما بعدها، لم يجدوا الأسلحة المزعومة لكنّ احتلالهم سبّب الدمار الشامل للعراق بفرية من صنع جورج بوش وإدارته مرتبكة الإدّعاءات والنوايا وعشوائيّة التصويب بها.
وبعد أيّام من دخول قوّات الإحتلال، يتحدّث بوش مدّعياً عمّا أسماه بالديمقراطيّة في العراق مستنداً الى ماقاله في حينه:
1- صدور المئات من الصحف المحليّة بعد الإحتلال
2- بدء العشرات من القنوات الفضائيّة (العراقيّة) ببث برامجها.
هذان العاملان ، كما قال جورج بوش، هما الإدّعاء كمقياس ترسيخ قواعد ديمقراطيّة الإحتلال في العراق بعد العام 2003.
وبعد دخول قوّات الإحتلال، انتشرت مع الديمقراطيّة الحواجز الكونكريتية والأســـــــــلاك الشائكة ونقاط السيطرة والدوريّات العسكريّة في طـــــــرقات المحافظات العراقيّة للحفاظ على (الديمــقراطيّة).
وحدث ماحدث في مؤسسات الدولة كافة، والإعلام هو واحد من جوانب الحياة. لقد تحوّل هذا الحقل من إعلام الإحتلال خارج العراق قبل الغزو الى إحتلال الإعلام ومؤسساته بكلّ مستلزماتها وتفكيك تشكيلات وزارة الثقافة والإعلام بكيانها الفاعل . ولاحظ مجتمعنا انتشار برامج القنوات الفضائيّة العديدة والصحف وتكاثر منظّمات مجتمع مدني وعناوين أخرى في أروقة المجتمع العراقي وصارت هيكلة الوزارات تخضع في عملها الروتيني اليومي الى اشراف هيئات استشارية أو مستشارين وأستحدثت مناصب بتسميات لإشغالها ومنها الإعلاميّة الرسميّة بأسماء ووظائف متنوّعة.
لكنّ المجتمع العراقي شهد حالة أخرى وهو مطّلع الآن على ما آلت اليه دورات الحياة للعديد من تلك الأسماء والعناوين وما جناه المجتمع ممّا حقّقته وهو المألوف في وسائط الإعلام والتواصل بضمنها القنوات الفضائية التابعة لجهات مختلفة.
مقاربة طعم القهوة في الإعلام:
تتنوّع فناجين القهوة بألوانها ومذاقها ومحتوياتها كي تطابق الأذواق والرغبات وهناك تفاصيل كثيرة ومألوفة لدى عشّاق القهوة تصل الى قراءة فنجان مقلوب لدى من يهوى ويتوق الى استقراء ما يداعب المشاعر. وتقرّباً الى صورة محدودة لمذاق القهوة، فهناك قهوة بدون سكر(قهوة ساده) وقهوة بسكّر قليل (كما يسمّيها إهلنا في مصر عالريحة) ثم سكّر أكثر(مضبوط) وبسكّر زيادة وبأكثر من الزيادة تسمىى (قهوة كعب عالي) كما يشتهي الزبون وهكذا.
ومهما تنوّعت القهوة في ألوان فناجينها ووصفة محتوياتها، فإنّها تشترك بخاصيّة فيزيائيّة وهي امتلاكها طاقة داخلية متباينة تخضع للقانون الأول للثرموداينمكس المتضمّن مصونيّة الطاقة.
أردتُ أن أضع هذه المقاربة على البرامج الــــتلفزيونية والدراسات والمقالات في وسائل الإعلام ودور بعض القنوات وجهات النـــــــــشر في تأطير أنشطتها بهذه التــــــشكيلة لتتوخّى الإنتشار والتأثير.
وعندما تمرّ سنوات ولا يلاحظ تغيير واسع وعميق لهذه البرامج والمقالات، فهذا يعني أن طعمها قد لاقى إستحساناً من قلّة معدودة وليس شريحة الكثرة الفاعلة ممّا يستوجب إعادة النظر بالبرنامج من ناحية الإعداد والمتحاورين ومادة الحوار وجعلها ملامسة لحاجة الجمهور أو بحد مقبول مشاعره وليس مجرّد مقدّم برنامج وضيف وحوار ات لاتصوّب بالتحديد نحو قلب الهدف كي تسير نحو التغيير المطلوب بمتابعة مضمون الحوارات والمتحدّثين.
ولغرض انتقال طاقة التفاعل الى الجمهور، لابدّ من توافر الإستقراء والإستدلال والإستنتاج وهي العوامل التي تحول دون تآكّل التأثّر الإعلامي.
وربّما ننتظر ما يؤمّن بعضاً من عوامل هذا الإنتقال مثلما تحدّث السيد محمد حسنين هيكل عن انحلال الحلف المقدّس الذي تشكّل بعد الثورة الفرنسية قبل أكثر من 200 سنة
وولادة نمط دولي آخر
(وهي مقاربتي اللفظيّة للتشبيه ليس الاّ).
صورة من الماضي:
لا يمكن بالتأكيد أن نحاكي تفاصيل مسيرة عقود وما تعوّد الجمهور أن يرى ويقرأ ويسمع لأنّه ببساطة يطالب بعيش آمن في بيوت فاضلة. والإعلام هو الصوت والصورة الذي يلامس المشاعر بدون حواجز وتقع عليه مسؤوليّة النمذجة والمحاكاة وتحقيق عامل تأثير متصاعد في التغيير.
وليس في إطار المقارنة ولكن للإطّلاع على حقبة عالميّة مهمة في دور وزير إعلام هتلر أثناء الحرب العالميّة الثانية التي التي وضعت الإطار العالمي الحالي للحكم.
وهنا نقول، يجب أن لايكون الإعلام العالمي تحت وطأة أفكار پول جوزيف گوبلز الذي قال(..أعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطيك شعباً بلا وعي)؟
وكلذك قال(إكذب ثم إكذب ثم إكذب ، حتى يصدّقك الناس).
وأصبحت بعض المكوّنات الإعلامية لاتميّز في التفاصيل بين مربّع الكذب ودائرة الصدق بسبب المعلومات التي تردها أو بعض نواياها بسبق الإصرار بلا تحرّي.
وقال گوبلز رجل التضليل الأول في العالم آنذاك
(. .كلّما كبرت الكذبة، كان تصديقها أسهل).
وقد انتهت حياة گوبلز وزوجته وأطفاله بالإنتحار بعد علمه بإنتحار سيّده هتلر بسبب هزيمته في الحرب.
جولة حواريّة في بعض المشاهدات:
الضوء الأحمر هو ضوء وكذلك الضوء الأخضر ومثلهما باقي الألوان.
لكنّ لكلّ لون منها طاقته ودلالته التي يتفاعل الجمهور معها في ميادين تطبيقها والإستمالة لها أو بها. ويمكن أن نضع مثل هذه المقاربة لإستمالة وترغيب الجمهور في المشاهدة والمتابعة وبعدها إحتثاث التأثر وترصين روابط الثقة وتصاعدها لتجعل الإعلام بحق سلطة يلجأ لها ويتأثر بها كلّ من المواطن والوضع السياسي والأقتصادي والبيئي والإجتماعي لتحقيق ظروف عيش مستقر آمن مستديم للجميع على حدّ سواء.
وفي أدناه بعض من المرئيّات التي تلامس فحوى الموضوع:
– أصبحنا، وللأسف، نرى في وسائط الإعلام تزايد عدد الذين يدّعون على الذين يفقهون حقيقة عمق المهنيّة والتخصصات المختلفة ومنها الإعلام. فكثيراً مانرى توصيف أسماء (كاتب وإعلامي أو محللّ) ونرى ونسمع على مدى سنين ولكنّ دون وقع أو تأثير في إحداث ولو تغيير طفيف في أروقة المؤسسات المجتمعيّة التي تدور في عجل وعجالة.
– في عصر وجود مئات المستشارين، تعرض لنا الوسائط الإعلاميّة المختلفة أشخاصاً وموضوعات وإنجازات مخطّط لها أو متحــــــقّقة ويراد من المواطن البسيط أن يتحسس نسب من تغيّر ايجابي أو تطوّر حاصل لصالحه وبيـــــــئة عيشه.
وهنا تتضح فاعليّة الإعلام في تأطير وتدوين ما حقّقته دوائر المستشارين ووضعها أمام الأنظار وقرب المسامع.
-كثير هو ما يُعرض في الوسائط حول الإرباك والإرتباك والتقصير في تلبية إحتياجات المواطن وتعدّى في ذلك حدّ العتبة، فحوّلت بعض الرفوف المألوفة للملفّات الى مشكاوات تحمل بقايا معلومات بدون قناديل وكأنّ الأبرز في أهداف البرامج هو عرض أنماط الفساد وجهات المفسدين وليس سُبل الولوج الى المعالجة وتيسير الحلول.-خلوّ بعض برامج اللقاءات التلفزيونيّة من التوازن السردي الموضوعي بسبب محاولة المتحدث إرضاء جهة ما وليس فائدة عموم المجتمع والمبادىء التي تخدم أبنائه، بالإضافة الى بذل الجهد لنشر ملامح عن شخصيّة ذاتية بإستثمار اللقاء. وعلى أيّة حال، فإنّ هذه هي مسؤوليّة إدارة اللقاء وتصويبه نحو تحقيق التميّز الإعلامي المهني المطلوب بدلاً من تحويله الى (تخت) وليس منصّة فوريّة فاعلة. وكلمة (تخت) هي صورة مألوفة متداولة في تشكيل أفراد لتقديم العروض الموسيقيّة والأدوار الصوتيّة.
– وأحياناً ترى وتسمع من ينطبق عليه ماورد في المقامة الدمشقيّة من مقامات الحريري في جزئيّة (.. وهو تارة يستبزل الدّنان، وطوْراً يستنطق العيدان، ودفعة يستنشق الرَّيحان، وأخرى يغازل الغزلان..).
– اذا أراد أي شخص في موقع مسؤولية او خارجها أن يتحدّث في برنامج تلفزيوني عن المنجز المتحقق، عليه عرض الوثائق والصور وإنعكاس ذلك على فائدة شرائح المجتمع الأوسع ويا حبّذا أن تكون هذه اللقاءات خارج إضاءة وديكور الإستوديو وأن يكون لقاءاً ميدانيّاً أو حتى على رصيف في شارع عمومي (اذا وجد له مكاناً بسبب زحمة السيّارات على الأرصفة والعوائق المتنوّعة).
– تظهر بعض اللقاءات المهنيّة في البرامج التلـــــــفزيونيّة وحتى العلميّة منها وكأنّهــــــا استضافة لسرد سيرة ذاتية دون تآصرها مع ما يجنيه المجتمع من هذا الموقع أو ذاك والجميع يعرف ما آلت اليه الخدمات ومسيرة جوانب الحياة المتداولة!
مثلما هي المدينة الفاضلة، فالمواطن ربما يتحسس مايريده من القنوات والمواقع الإعلاميّة ووسائل الإتصال الفاضلة
كي يرى وقعها على المحيط الذي يعيشه والتغييرات الواضحة بمعدّل زمني قصير وليس بعد مرور سنين على تصريح الرئيس بوش بعد احتلال العراق.
سطور الختام:
حاجة ماتزال قائمة لكي يجني المواطن ثمار إعلام بذخيرة متكاملة في الهدف والوعي والثقافة والتقبّليّة يحاكي ويحاكم العقل والفعل والأذواق لإستقراء الصورة الفضلى كاملة واقعاً وقولاً وسرجاً ونهجاً، تُظهر بوضوح الجمل والجمّال والسفينة والسفّان.
اعلامي عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)