ardanlendeelitkufaruessvtr

الدولة والقبيلة والعشيرة وتحولاتها في المجتمع العراقي ومحيطه العربي

بقلم عبدالاله كاظم حزيران/يونيو 05, 2020 259

عبدالاله كاظم

مصطلح القبيلة والعشيرة يكون اقصى حدود الانتماء في مفهوم الانسان العراقي القبلي ومنبع فخره يصل ظله الى حيث تصل قبيلته بمعنى اخر تحل القبيلة محل بطاقات الهوية يعرف نفسه بها.

تميزت بداية القرن العشرين بسقوط الإمبراطوريات لا سيما الإمبراطورية العثمانية وظهور النموذج الغربي للدولة-الأمة. هناك نموذجين للدولة-الأمة أريد لها أن ترى النور في مناطق الشرق الأوسط الأول هو نموذج الدولة الاثنية الذي كان قد طبق في ألمانيا والذي حاولوا تطبيقه في منطقة الشرق الاوسط ايضا والثاني يسمى بدولة الأراضي حيث يعتمد عامل الأرض في بناء الأمة أكثر من عامل الاثنية كان قد طبق في فرنسا.

مثالنا في العراق أصدرت الدولة العثمانية القرارات والقوانين فيما يتعلق بملكية الأرض خلق نزاعات ما بين القبائل. أما في بداية القرن العشرين فقد عمد الانكليز في العراق الى إعادة تكوين القبيلة بإعطاء صلاحيات واسعة إلى كبار شيوخ القبائل من خلال تمليك الأراضي وإصدار قانون دعاوى العشائر لعام 1918 هذا القانون الذي كان قد طبقه الإنكليز في بالو شستان ونقلت هذه التجربة الى العراق حيث يراعى في هذا القانون العرف العشائري كما ويتميز بخلوه من عقوبة الإعدام والمؤبد ويطبق من قبل وزارة الداخلية وليس من قبل وزارة العدل. لكن ما هو هدف الانكليز من إعطاء هذه القوة الاقتصادية والإدارية إلى شيوخ القبائل؟ هل كان الهدف أيجاد قوة موازية للدولة كما يقول حنا بطاطو؟ الذي يهمنا هنا أنهم نجحوا إلى حد كبير في اعادة بناء القبيلة حيث تحولت علاقة شيخ القبيلة بأبناء قبيلته من العلاقة الأبوية القرابية إلى علاقة رب عمل إقطاعي لا يهمه الا الربح على حساب الفلاحين وبالتالي أدى هذا التحول إلى هجرة عشوائية كثيفة من الريف إلى المدينة لا نزال نعاني من تداعياتها إلى اليوم.

اما الانعطافة الكبيرة في اعادة تكوين القبيلة من قبل الدولة فجاءت هذه المرة على يد عبد الكريم قاسم وبداية العهد الجمهوري. فعلى العكس مما عمله الانكليز، قام قاسم بإقرار قانون الإصلاح الزراعي وإلغاء قانون دعاوى العشائر وبذا أطلق رصاصة الرحمة على السلطة القبلية كوحدة سياسية واقتصادية قوية منهيا بذلك حقبة بلغ فيها شيوخ القبائل من القوة بحيث توازي قوة الدولة. ان بوادر ظهور الدولة الريعية دفع عبد الكريم قاسم من الاستغناء عن القوة الاقتصادية المتدفقة من الزراعة. الا ان القبيلة لم تنتهي لكن اضمحل تأثيرها في المجتمع العراقي في تلك الفترة.

الباحث الكويتي خلدون النقيب في كتابه "في البدء كان الصراع “، يقول تنبع قوة العشيرة والقبيلة، من كونها "بسيطة بدائية، منغرسة في أعماق الوجدان الإنساني، انغراساً لا يمكن معه اختزالها أو تفكيكها إلى علاقات أبسط". وتتصدر قوة العشيرة المشهد حين تتعرض الأفراد، مجتمعة أو منفردة، إلى خطر داهم، فتحاول الوصول لانتماء تجد فيها الأمان والطمأنينة. والانتماء إلى القبيلة يقوم على عدة عوامل، مثل النسب والدين واللهجة والطائفة والمهنة والإقليم الجغرافي. ودائماً ما تحاول القبيلة الواحدة تقوية الروابط بين المنتمين لها عن طريق حصر التزاوج بينهم، مما يقوّيها ويجعل التحكم بها أسهل.

أدّت كثرة القبائل واقترابها من بعضها، مع النزعة الإنسانية تجاه الحصول على القوة والسلطة، لخلق صراعات لا تنتهي بينها، لأسباب عدة، أهمها التفاخر والثأر ومحاولة بسط السلطة والحصول على الثروة، فتقوم الحروب لأتفه الأسباب. وأي اعتداء من قبيلة أخرى، سواء كان هذا عملاً فردياً أم جماعياً، يُعد بمثابة إهانة لكل الأفراد المنتمين لها، وهكذا تستمر المعارك والصراعات في دائرة لا يمكن الهروب منها عدة أسباب صعّبت بناء الهوية الوطنية بحدودها الجغرافية المرسومة، والحصول على ولاء المواطنين فيها، أولها الوضع الاجتماعي المزرى والمتمثل في انتشار الفقر والمرض والجهل، والانقسامات العرقية والطائفية والمذهبية التي اهتم الاستعمار بإشعالها ثم بالإبقاء عليها مشتعلة، بالإضافة إلى تواجد الأيديولوجيات الإسلامية المناهضة للاستعمار الغربي، وهجومها الشرس على مفهوم "الدولة الوطنية" المحدد من قبَل المستعمر، مع محاولات تقديم بديل منافس لها، يتمثل في محاولات إحياء الخلافة، والتي شكلت خطراً كبيراً على تواجد الدولة القومية.

في ظل كل تلك التناقضات، فشلت كل التجارب العربية، بشكل عام، في إيجاد جو من الطمأنينة لدى أفرادها، يقوم على رعاية المواطنين وتوفير الأمن والحقوق والعدالة الاجتماعية وتحقيق سبل المشاركة الشعبية. كما أن انفراد النخب الحاكمة بالسلطة، وتغليب مصالح فئات بعينها على المصالح العامة، والفساد في التعامل مع الموارد والطاقات، وتقييد الحريات، كل هذا جعل تحقيق مبادئ المواطنة شبه مستحيل.

كانت نشأة الدول القومية مصحوبة بقصور سياسي مؤسسي حال دون تخطي العصبيات، وكانت نتيجته دساتير هجينة ما بين طائفية ومدنية ودينية وملكية وجمهورية .فحتى وإن بدأت الدول العربية قوية ومستقرة، إلا أنها لم تصمد كثيراً واجتاحتها الفوضى، وتمزقت أكثر مما كانت، وعادت الولاءات الأولية، الدينية والمذهبية والقبلية، لتطغى على قيم المواطنة، بمساعدة من السلطات المحلية الحاكمة نفسها، سواء كانت معادية للاستعمار أو ممالئة له، والتي سعت لشَرْذَمة القوى المختلفة في تحالفات صغيرة، إلى أن بدأت الدولة في التنازل عن وظيفتها الحصرية في حفظ الأمن، لصالح بعض القبائل والطوائف التي تملك القدرة على فرض الأمن في منطقتها، مقابل حصول الدولة على بعض المكاسب الاقتصادية والسياسية.

قيم الموضوع
(2 أصوات)