ardanlendeelitkufaruessvtr

علي السوداني

اولى

اكتملَ مشهدُ الطاولة وأمر الطبيب بإعادة تشريح الجثة للتأكد من علّة الموت.

الاحتمالات ما زالت متشعبة، لكنَّ القلبَ كان سالماً، ومثله الكبد والدماغ والرئة والكلية.

ثمة جرح صغير بائن تحت الحنجرة لم يشر أبداً الى عملية خنقٍ محتملة.

بدا الميت خمسينياً بعينين طامستين ووجهٍ لم تظهر عليه حتى اللحظة صفرة الموت.

لم يدم الفحص هذه المرة طويلاً، إذ سحب الحكيمُ ورقةً من دفتر هويات وعلامات الموتى، وبخطٍّ واثقٍ مقروء، كتب في ذيلها الخامد:

ماتَ الرجلُ متأثراً بجرحِ الحنين.

ثانية

أغلقَ النحّاتُ بابَ الدكّان قبل أن يُكملَ الجزءَ المتأخرَ من ساقَي الشاعر المعروف.

ظلَّ المنحتُ على هذه الحال عشرةَ أيامٍ تامّات، كان الجيران خلالها على موعدٍ إكراهيٍّ مع جلبةٍ ليليةٍ مزعجة.

في كلِّ أمسيةٍ متأخرةٍ كانوا يأتون بصاحب الشرطة كي يتفقّد الضوضاء، لكنَّ الشرطيَّ المحترف ظلَّ يطمئنهم بأنَّ الأشياء على ما يُرام، وربما ما تنصتون إليه الآن هو بعض رقصة يؤديها النحات عند عتبة تمثال حورية البحر المدهشة.

عند أذيال اليوم العاشر، كان بمستطاع أهل الحارة رؤية تمثالٍ برونزيٍّ عملاق مدقوقٍ بباب المنحت، يقرأ جريدةً عتيقةً منفرجةً على باب الوفيات.

ثالثة

وفي سنة الرمادة والجائحة والشحّة، كان الدرويش يخرج مانحاً وجهَهُ صوب عراءٍ منسيٍّ مشمورٍ بظهر المدينة، فيتّخذ له مقعداً من طينٍ وقشٍّ كأنهُ مصطبة عريضة كانت الناس قد صنعتها طمعاً بساعةِ راحةٍ وشايِ عافيةٍ وكلامٍ جميلٍ مثل صبرٍ بديع.

بعد سويعةٍ أو بعضها قعوداً وقياماً تحت شمس الظهيرة، سيكون الزاهدُ الصابرُ قد سبحَ في نزيز العَرَقِ، فيركز عصاه في الأرض وينهضُ على طولهِ ويعود الى الدار حيث الزوج والعيال وما تبقى من حطب البارحة.

سيخلع لباسَهُ وعمامتهُ الخضراء ويشرع في قشط الملح الأبيض الذي نحتَ جسمهُ ويرشَّهُ على قدْر الماء ويجلس قدامهُ حتى نضوج الحصى اللذيذ.

رابعة

كان الرسام متيقناً من أنه قد ضرب رؤوس الإطار الخشبيّ القويِّ بمسامير طويلة، ستجعل من " البرواز " الضخم سجناً لن يكون بمقدور الدرويش الحبيس الهروب منه أبداً.

سأل الشرطيَّ ودكاكين السوق إنْ كانوا رأوا كهلاً طويلاً يتوِّجُ رأسهُ ببقايا قميص، ويتوكأ على عصا رأسها مثل حيَّةٍ تسعى، فأنكروا الأمر برفع الأكتاف وببرطمة الشفاه.

في ليلةٍ يائسةٍ يابسةٍ أخيرةٍ، عاد الرسام الى مثواه الرطب، وشرع برسم صورة درويشٍ نابتٍ فوق كرسيٍّ تسورّهُ الأصفاد من جهاته الكبرى. 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
علي السوداني

كاتب عراقي