ardanlendeelitkufaruessvtr

الكاظمي يقود انقلابا ناعما في العراق

بقلم د. ماجد السامرائي حزيران/يونيو 15, 2020 279

 

الكاظمي يقود انقلابا ناعما في العراق
د. ماجد السامرائي
لا يلام اليوم العراقيون المحبطون من رموز العملية السياسية، الذين أذاقوا شعب العراق الويلات، وما زالوا يلقون خطب الوطنية، رغم أنها بضاعة أصبحت فاسدة. لكن البقاء في دائرة النقد لن يقدم حلولا حقيقية للخروج من الكارثة.
فرصة للتغيير المنشود في العراق
ليس أمرا سيئا أو محبطا، أن يزور رئيس الوزراء العراقي الجديد، مصطفى الكاظمي، مدينة الموصل في الذكرى السادسة لاحتلالها من “داعش”، ويلتقي بعض الأسر المنكوبة بأرواح أبنائها وفقدان ممتلكاتها، حتى لو لم يكن بين يديه ما يزيل الآلام ويعيد به لـ”أم الربيعين” بهجتها التي كانت تباهي بها العالم.
رغم أن الزيارة ذات بعدين؛ تعبوي ومعنوي، كان ممكناً أن تكون أيضا فرصة للاطلاع الميداني على أكثر الأحياء الموصلية دماراً، لتشكل دافعاً سريعاً لإزاحة الستار عن المسؤول الأول وراء اجتياح الموصل ومحاكمته.
العزاء الوحيد أن الزائر وإن لم يجمع حوله العراقيين، هو عراقي، وليس الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي يذكر العراقيون كيف كان يتجول في المدن العربية السنية خلال العمليات الحربية ضد “داعش” متباهياً كإمبراطور فاتح، أشاع أن إيران هي محررة العراق، وليس جيش العراق وشعبه العظيم، بسنته وشيعته وكرده وتركمانه ومسيحييه.
ليس منتظرا من العراقيين، أهل الكارثة، أن يرفعوا رايات الترحيب والاحتفاء بالكاظمي، وهو يتخطى شهره الأول. وهو أيضا لا ينتظر ذلك، فهو يعيش وسط “كواسج” متوحشة تحيط به من كل جانب، وتتربص بخطواته وتقلبّها وتقرأ غدها، فيما تدس بمكر وخبث عملاء مدربين داخل أجهزته المختصة.
أبرز الوقائع السياسية المباشرة التي حققتها انتفاضة الشباب، هي إزاحة عادل عبدالمهدي عن رئاسة الوزارة، ومجيء مصطفى الكاظمي، بثمن ليس رخيصاً، هو الآلاف من الشهداء والجرحى والمختطفين
أطراف تترصد وتتجسس على لقاءاته واتصالاته، وترسلها يومياً إلى مركز غرفة العمليات السياسية واللوجستية في طهران، ثم تتلقى الأوامر بالتصرف الميداني والإعلامي، لا يعوقها في ذلك فنياً إنه أشرف على جهاز المخابرات وما زال ماسكاً بفعالياته.
إلى جانب أن قيادات هذه الأحزاب سبق أن ملأت خلال السنوات الماضية أجهزة الحكومة بالآلاف من الجهلة والأميين الذين تمرسوا على أساليب السرقة والمكائد ونهب حقوق الناس.
ليس منطقي إعطاء الكاظمي مواصفات المنقذ، أو العبقري داهية زمانه، أو المارد الخارج من رحم الوطنية العراقية ومقاومتها للاحتلال والطائفية، فهو ببساطة من الجيل الثاني متعاطي السياسة العراقية، لكنه بعيد عن لعبة الأحزاب الفاسدة وهذه نقطة تحسب له.
وهو نتاج أقسى مرحلة تعيشها العملية السياسية وأحزابها، بسبب ما خلفه نهبها وفسادها من كوارث على أبناء العراق.
من يصغي إلى حديثه في مؤتمره الصحافي قبل أيام، بعقل هادئ بعيداً عن المواقف المسبقة المتشنجة، يجد أن الكاظمي يحمل مشروعاً فردياً للتغيير، وقد يقود إذا ما استثمر بذكاء الإمكانيات اللوجستية المتاحة لإحداث “انقلاب ناعم” يمكن أن يطيح بمشروع الإسلام السياسي الشيعي وقادته الفاسدين، الذين وصلوا بفعل انتفاضة أكتوبر إلى مأزق الهزيمة.
أبرز الوقائع السياسية المباشرة التي حققتها انتفاضة الشباب، هي إزاحة عادل عبدالمهدي عن رئاسة الوزارة، ومجيء مصطفى الكاظمي، بثمن ليس رخيصاً، هو الآلاف من الشهداء والجرحى والمختطفين، ولولا هذه التضحيات لكان من يتربع على كرسي الحكومة اليوم أحد الإسلاميين الشيعة المتطرفين التابعين لطهران، لتصفية آخر ما تبقى من آمال لعودة العراق حراً سيّد نفسه.
أداتان مهمتان بين يدي الكاظمي يستطيع من خلالهما، إذا ما أراد وعَزَمَ، إحداث الانقلاب الناعم، هما مؤسسة القوات المسلحة التي يدين اليوم أبرز قادتها بالولاء له، والحراك الشعبي ككتلة ثورية هائلة للتغيير، إذا ما تم توحيد شعاراتها وبرامجها وحمايتها من الاختراقات.
لن تتوفر فرصة أكبر من المتاحة الآن لإحداث تغيير جذري في مناخ يتعذّر فيه قيام القوات المسلحة العراقية بإزاحة الأحزاب الفاسدة العميلة عبر انقلاب عسكري، وهو العلاج الذي مهما قيل عن ابتعاده عن الديمقراطية، التي لم يبق منها غير الاسم، لن يصل إلى بشاعة الاحتلال العسكري الكامل للبلد وتغيير نظامه السياسي من قبل جيش أجنبي.
أما إذا غاب مشروع التغيير الجذري عن عقل الكاظمي، وهذا ما لا يتمناه العراقيون، فلن تتجاوز فعالية عبارات خطاباته ملامسة عواطف الناس، أو إثارتها لأجواء الجدل السياسي والإعلامي، وخدمة للأحزاب الفاسدة، فيما سيعجز عن حل المشاكل الاقتصادية الكبيرة نتيجة نهب المليارات، في ظل انتشار وباء كورونا وانخفاض أسعار النفط.
ولعل مثال رواتب المتقاعدين يكشف عن إشارات مبكرة لاستعداد القوى السياسية المتضررة بعدم السماح باللعب بمصالحها، فهي ستقاتل من أجل عدم حصول تغييّر جدّي في مسار البرنامج الذي أعلنته الانتفاضة الشعبية، وعزّزه برنامج الكاظمي في إنجاز قوانين الانتخابات والمفوضية والتحضير للانتخابات المبكرة المقبلة.
في ظل هذه البيئة السياسية المعقدة والإحباط الشعبي العام من السهل إطلاق الشعارات المشككة بقدرة الكاظمي على إحداث التغيير، وتعميم ما قيل عمن سبقه من رؤساء الوزراء السابقين، حيث تتداخل الدوافع والمصالح، لكن الدوافع الوطنية النزيهة من وراء النقد العمومي لا تكفي لتقديم حلول سياسية ومعالجات وطنية عملية مرحلية لصالح شعب العراق.
هناك دلائل على أن أغلب وقائع حملة التشكيك تقف خلفها قوى تسعى إلى إبقاء العراق ذليلا محطماً تابعاً للهيمنة الإيرانية. هذه الحملة المبكرة والمفتعلة قد تدفعه كما سابقيه إلى احتمال تحوله إلى أداة أكثر خطورة بيد تلك الأحزاب، رغم تعهده العلني بأنه لن يكون كذلك، ضد شعب العراق، وقبوله التحدي بعدم تجاهل مصالح الفقراء والكادحين والمحرومين من أبسط مقومات الحياة.
على هامش الوضع الحرج الذي يمّر به الكاظمي، وبداية انفتاح فوهات النار عليه من بعض الأحزاب وفصائلها الميليشياوية، يثير الانتباه والاستغراب ما حصل من مناكفات إعلامية وكيل اتهامات متبادلة بينه وبين زعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، حيث بدا عليها الطابع الشخصي أكثر من السياسي، على هامش قصة ترشيح علاوي لمنصب وزير الدفاع ورغبته تعيين ابنته مستشارا لرئيس الوزراء، وطلب رعايتها أمنياً من قبل الكاظمي.
ليس منتظرا من العراقيين، أهل الكارثة، أن يرفعوا رايات الترحيب والاحتفاء بالكاظمي، وهو يتخطى شهره الأول. وهو أيضا لا ينتظر ذلك، فهو يعيش وسط "كواسج" متوحشة تحيط به من كل جانب
يبدو أنّ اختلاف الأجيال ما بين علاوي والكاظمي واحد من دوافع هذه الحملة. فابنة إياد علاوي ليست بحاجة إلى جاه المال والسياسة التي يغرقها به والدها، وعينها “مليانة ” مثلما يقول المثل الشعبي.
وهي شابة عراقية من حقها أن يكون لديها طموح سياسي كمسؤولة عن فعاليات الشباب في ائتلاف والدها، وداعمة للحراك الشعبي، وكانت قد شاركت مؤخرا ببعض فعاليات نشر الرأي السياسي خارج العراق، مع زملاء لها في معهد بروكينغز الأميركي. مع ملاحظة أن فرص النشاط لأصحاب المواقف الوطنية الجريئة داخل العراق ضيقة.
المظلة الحقيقية لأي نشاط داخلي حالياً هي الحراك وانتفاضة الشباب، وهؤلاء صدورهم عارية ليسوا بحاجة إلى حماية سوى خيم القماش الملونة بألوان الطيف العراقي. وينبغي على زميل، إياد علاوي، رئيس الجمهورية، برهم صالح، التدخل للمصالحة وحل الخلاف المفتعل من أجل المصلحة العامة.
لا يلام اليوم العراقيون المحبطون من رموز العملية السياسية، الذين أذاقوا شعب العراق الويلات، وما زالوا يلقون خطب الوطنية، رغم أنها بضاعة أصبحت فاسدة. لكن البقاء في دائرة النقد لن يقدم حلولاً حقيقية للخروج من الكارثة، ومن يعتقد أنّ هناك خياراً أفضل من الكاظمي في المرحلة الحالية فهو واهم. ودعم برنامجه الإصلاحي قد يكون فرصة للتغيير المنشود وعلاجاً مؤقتاً لما يعانيه العراق المبتلى بالجهلة والعملاء.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(1 تصويت)