ardanlendeelitkufaruessvtr

القول والشاهد في نهاية نفق مظلم

بقلم علي الصراف حزيران/يونيو 19, 2020 250

 

القول والشاهد في نهاية نفق مظلم
علي الصراف
ماذا يمكن لهذا النظام أن يفعل في مواجهة حصار أشد وفشل أوسع وانهيارات لن تتوقف؟ بل ماذا يمكن لذوي القول المماثل أن يفعلوا سوى أن يروا فيه نهايتهم نفسها؟
صور “قيصر” من صنع نظامٍ تلك هي حقيقته
صور “قيصر” التي حفّزت قانون العقوبات الأميركي ضد النظام السوري، لم تكن من صنع “الإمبريالية”، ولكنها من صنع نظامٍ تلك هي حقيقته.
الوحشية ليست جزءا من طبيعته فحسب، إنها هو، دون زيادة أو نقصان. عصابة تولت السلطة منذ نصف قرن وظلت تمارس من أعمال القتل والتعذيب والمظالم ما هو أكثر بمئات المرات مما جمعه “قيصر”.
ولقد قيّض لتلك الأعمال، أن تتجسد في مشهد خرافي، غير قابل للتفسير، ولا للتبرير، وتعجز الطبيعة البشرية عن فهمه. إلا أنه قال ما فيه الكفاية عن طبيعة “القول” الآخر وعن وجهته.
النظام الذي استملك سوريا ابتداء من العام 1971، قدم خطابا معروفا في طبيعته، وفي تفسيراته لمفردات من قبيل “المواجهة” و”الصمود” و”التصدي”، لتجسد سياسات انحصرت في مجملها على توفير مبررات لبقائه في السلطة، ومن خلفها لأعماله “العصبجية” الأخرى.
شيء من المرض النفسي، هو ما ظل يمنح تلك السلطة القدرة على أن تعيش أيامها وكأنها “نظام” و“دولة” و“مؤسسات”، بينما هي غير ذلك تماما.
الخطاب لم يكن مزورا فقط. ولكنه خطاب إيماني أيضا. بمعنى أن الذين يمارسونه ويدلون بقوله، يفعلون وهم مؤمنون تماما بكل ما يعني، من قبل أن يمتد الإيمان ليقدم “راحة” ضمير حيال كل الأعمال الوحشية والجرائم التي ظلت ترتكب ضد كل من يجرؤ على أن يصدر عن قول آخر، أو تفسير آخر، أو حتى مجرد الرغبة في التعبير عن تصور آخر للحياة.
فكل ذلك كان يندرج في خانة الوصف التقليدي للمؤامرة “الإمبريالية”.
هل كان يمكن للخطاب “العصبجي” أن يفعل شيئا آخر؟ هل كان بوسع القائمين عليه أن يقدموا برهانا غير البرهان الذي تدلي به المعتقلات والسجون بكل ما ظلت تنطوي عليه من أعمال تعذيب وجرائم؟ وهل كان يمكن للأيام أن تمضي، في المواجهة مع “الإمبريالية”، من دون أن تستجمع الوحشية نفسها في صور “قيصر”؟
الآن جاءت الإمبريالية، ربما لكي تُجمّل نفسها، ولكنها بكل تأكيد من ظلم الظالم على الظالم. يُسلط الواحد على الآخر، حتى لتنخسف الأرض بما قال وما فعل.
لا تقل شيئا. فقط ضع الصور أمام أركان هذا النظام لكي يقولوا فيها ما يشاؤون. دعهم يقدموا تفسيرا لكل ذلك الجمع الهائل، المنهجي، والعميم للطبيعة الوحشية التي انطوت عليها أعمالهم. دعهم يعترفوا أنها “أخطاء”، وأنها من أعمال “فردية”، وأنهم ما كانوا ليعلموا بها. دعهم يكذبوا حتى صباح اليوم التالي. ولكنهم لن يجرؤوا على القول إنها من أعمال “الإمبريالية”. لأنها بالدليل اليومي المشهود من أعمالهم. ولأنها من صنع مواليهم وأتباعهم، ومن صنع ثقافة “القول” الذي ما كان بوسعه أن يقدم نفسه إلا على ذلك النحو.
ضع كل التفسيرات جانبا، وسترى أنها جزء من “طبيعة” لا علاقة لها بأي طبيعة إنسانية. ليس في هذا العصر على أي حال. وليس بهذا الحجم، ولا بهذه الكثرة، ولا بهذا المدى الطويل من الوقت.
لقد أراد القول أن يواجه ظالما، فظلم. حتى انخسفت الأرض من تحته إلى درك من أسفل السافلين، فعاد إليه الظالم ليهزأ به وليستنكر القول وما فعل. وما ذلك إلا درك أدنى.
ولئن استعان القول بقول مماثل قادم من إيران ومن فرعها في لبنان، فقد اجتمع القولان على أخوية في الوحشية أثمرت كل الخراب الراهن، وكل المآسي التي انتهت إلى 12 مليون مشرد، وبلاد محطمة، و25 مليون جائع.
كل ذلك، ليكشف القولان إنهما ليسا من الزيف في شيء. بل إنهما من الطبيعة نفسها، التي لا تملك في مواجهة الظلم إلا ظلما أشد منه، وأكثر وحشية. ولكن ليس ضد “الإمبريالية” أو ما حولها، إنما ضد الذين اتخذوا منهم شعبا، وأرادوا تحويله إلى مطايا.
الآن، ماذا يمكن لهذا النظام أن يفعل، في مواجهة حصار أشد، وفشل أوسع، وانهيارات لن تتوقف؟ بل ماذا يمكن لذوي القول المماثل أن يفعلوا سوى أن يروا فيه نهايتهم نفسها؟
كم “قيصر” سيظهر في إيران الولي الفقيه؟ كم جريمة يمكن لحزب الله أن يغطيها بـ“المقاومة”؟ وكم من جوع وقهر يمكن للخطاب أن يُضمر ضد هذا الشعب أو ذاك؟
وحالهم اليوم أشبه بمتعوس يساند متعوسا مثله. فالفقر والحرمان والفشل هو نفسه في إيران، وهو نفسه في نظام حزب الله في لبنان. ومع كثرة “القول”، يكثر الضحايا، وتكثر الجريمة ويكثر الزيف.
لا تنس، أن إيران التي بدأت بمواجهة “الاستكبار”، استكبر نظامها على شعبه، ليكشف عن طبيعة ذلك “القول” وعن مرض في النفس لا يشفى من الإيمان المطلق بالزيف.
ولا تنس “المظلومات”، القول الآخر الذي ساد في عراق الميليشيات الطائفية، لتكشف عن طبيعة إجرامية ساقت ملايين البشر إلى الحرمان والقهر والتشرد. حتى انخسفت الأرض بالقول وقائليه، خسفة أولى بمن هو مثلهم؛ داعش، أو ربما أرحم.
ذلك قول. والإمبريالية قول. و“قيصر” قول وشاهد.
ولقد جمعوا من الفساد والمظالم ما يكفي لكي يعرف كل الناس، أنهم ليسوا بشرا، بل كائنات تتلبس ثياب البشر لتنطق بقول وتفعل ما يبرهن عليه.
مع ذلك، فقد بلغ نفق الظلم نهايته في سوريا. ولسوف يتعين على أهل النظام أن يلملموا أغراضهم ويمضوا إلى مأوى قد لا ينجيهم من عذاب سيأتي، ولا من ملاحقات لن تتوقف.
ومثلهم، يحسن بالآخرين أن يفعلوا. قائدهم يجمع المال من ابن خالته، ليحشو به الحقيبة. لا هو قادر على قتله، لأن الكثير من الحسابات ما تزال سرية في خزائن النهب، ولا هو قادر على أن يأخذ ما يعتقد أنها “حصته” من النضال ضد “الإمبريالية”.
أتلك هي المخازي؟ لا. تلك هي الحقيقة البسيطة التي ما كان للقول أن يُفضي إلا بها، وما كان له أن ينتهي إلا إليها.
“الإمبريالية” الآن هي التي تقف في آخر ذلك النفق. لكي تجمّل نفسها ربما، ولكن لكي تُعلّم الظالمين درسا قد يُضمر قولا آخر: إذا كنت تتجرأ على الظالم، فلا تفعل ما يفعله.
يحسن بالذين يريدون أن يكسبوا المعركة ضد الظلم، أن يتطهروا من كل أشكاله، لا أن يتحولوا وحوشا كاسرة ضد شعوبهم بالذات.
المواجهة مع “الإمبريالية” لا تكون ظلما إضافيا، إلا وتنخسف الأرض بالقائلين وبقولهم، وكل ما يزعمون.
لقد أقاموا نفقا مظلما، وبلغوا نهايته، بما لم يفعله أحد سواهم. “قيصر” هو القول والشاهد.
Share
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)