ardanlendeelitkufaruessvtr

الموقف الأميركي الحذر إزاء الصراع الليبي

بقلم د. خطار أبودياب حزيران/يونيو 27, 2020 223

 

الموقف الأميركي الحذر إزاء الصراع الليبي
د. خطار أبودياب
واشنطن التي لا ترى بالضرورة إيجابيات في تكرار السيناريو السوري في ليبيا، سلمت اضطرارا أو منحت الضوء البرتقالي لرجب طيب أردوغان من أجل صد النفوذ الروسي.
قلق من تنامي الدور الإقليمي التركي
انتقل خط التماس الأساسي في الصراع الليبي إلى سرت – الجفرة، وزاد من حدة المواجهة الإقليمية – الدولية التي تنذر بالأسوأ في حال الإصرار التركي على المضي في الحسم العسكري وإمكانية التدخل المصري. وفي خضم التخبط بين معسكري النزاع، تكتفي واشنطن بدعوة “الجهات الخارجية إلى التوقف عن تأجيج الصراع في الأراضي الليبية” مع إرفاق ذلك بتحذير من احتمال عودة تنظيمي داعش والقاعدة، لكن هذا التموضع الأميركي الحذر والملتبس لا يمنع جعل ليبيا ساحة لتصفية الحسابات وتقاسم المصالح، ويدفع للتساؤل عن خلفية المقاربة الأميركية للمسألة الليبية في سياق إقليمي متوسطي وأفريقي.
شكلت ليبيا، في مرحلة ما بعد الإطاحة بالقذافي، بؤرة جديدة للتجاذب في مرحلة “الفوضى الإستراتيجية” وهاجسا أمنيا كبيرا لكل جيرانها مع خطورة تمركز الإرهاب بالإضافة إلى تفلت الهجرة غير الشرعية عبر الشواطئ الليبية على البحر المتوسط والممتدة لـ1850 كم. وفي حقبة باراك أوباما دعمت الإدارة الاندفاعة الفرنسية – البريطانية ضد الجماهيرية ومارست واشنطن القيادة من خلف لعملية الناتو في 2011، ولكن المفاجأة الصاعقة حصلت في سبتمبر 2012 عند اغتيال السفير الأميركي لدى ليبيا كريستوفر ستيفنز في القنصلية الأميركية في بنغازي. مما دفع واشنطن طويلا إلى “الحياد السلبي” حيال الحروب الليبية من خريف 2012 إلى ربيع 2019.
بينما كان الوضع يلتهب في فبراير 2011 كانت واشنطن تستقبل المعتصم أحد أبناء القذافي ضمن محاولة ترتيب دائرة الحكم العليا، لكن التسونامي المنطلق من تونس غيّر الحسابات والأولويات. وبالنسبة للدوائر الأميركية كان التفضيل للبدائل المدنية (حتى لو انتمت لتيار الإسلام السياسي) وليس للبديل العسكري. وينطبق ذلك على الحالة الليبية وكان يفسر الموقف السلبي غالبا حيال المشير خليفة حفتر بالرغم من إقامة سابقة له في واشنطن بعد انشقاقه.
ومن هنا لم يكن الرهان الأميركي على طرف بعينه، بل على ما تفرزه العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة من أجل إنهاء الصراع العسكري، لكن الأمور تعقدت إثر هجوم الجيش الوطني بقيادة حفتر ضد طرابلس في إبريل 2019 تحت حجة “رفض حكومة السراج طرح موضوع نزع سلاح الميليشيات التي تعتمد عليها ضمن خطط الحل السياسي”.
ومع ذلك، فإن واشنطن استبعدت دعم حفتر تحت ذريعة تعارض ذلك مع الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق في طرابلس وفقا لاتفاق الصخيرات، لكن الدور المصري والدعم الإماراتي للمشير حفتر أثرا على تبدل في موقف الرئيس دونالد ترامب وتفهمه لمعركة حفتر ضد الإرهاب.
بيد أن الدخول الروسي على خط الشرق الليبي وزيارات حفتر إلى موسكو أديا لتحول في الموقف الأميركي ولعدم معارضة واشنطن تعاظم الدور التركي منذ أواخر 2019. وهكذا أخذ “الحياد السلبي الأميركي” يخلي المكان لموقف أميركي ملتبس وحذر ونشط في آن معا لمنع تمركز روسي في ليبيا ولمنع تمركز الإرهاب. وأتت التطورات الأخيرة في مايو – يونيو 2020 ونجاحات حكومة الوفاق في الغرب الليبي مدعمة بالخبراء والقوات التركية ومحورها، لتسلط الضوء على موقف واشنطن من التقدم التركي في ليبيا وشرق المتوسط وعلى مدى تنسيقها مع الأطراف الأوروبية وخاصة إيطاليا وفرنسا واليونان.
ومما لا شك فيه أن واشنطن التي لا ترى بالضرورة إيجابيات في تكرار السيناريو السوري في ليبيا، سلمت اضطرارا أو منحت الضوء البرتقالي لرجب طيب أردوغان من أجل صد النفوذ الروسي، لكن التوتر المستجد داخل حلف شمال الأطلسي أو بين مصر وتركيا أي داخل معسكر الأصدقاء أو الحلفاء، زاد من إحراج واشنطن ودفعها لإعادة الاستثمار جزئيا في الملف الليبي بالرغم من رغبات ترامب بالانسحاب من الملفات الساخنة من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا.
تتمثل الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة في ليبيا باستمرار إنتاج النفط، في إطار إستراتيجية أقصى الضغط التي تفرضها واشنطن على إيران. وهذا البعد الاقتصادي مكمل لأهمية موقع ليبيا في التوازن الجيو إستراتيجي. ولذلك من أجل منع الصدام بين حلفائها واستفادة روسيا من ذلك (التفاهم أو الكوندونيوم الروسي – التركي يدخل في هذا السياق) تركز الدبلوماسية الأميركية على توقف الجهات الخارجية عن تأجيج الصراع. وهكذا تلزم المتغيرات في الميدان الليبي وتدويل الصراع واشنطن على اتباع سياسة ليبية “مرنة للتحكم بالوقائع” حسب مصدر دبلوماسي، لكن المحك سيكون في القدرة على منع الانفجار الكبير في سرت وتداعياته المنتظرة.
ويكمن في خلفية موقف صناع القرار في واشنطن قلق من تنامي الدور الإقليمي التركي، خاصة إذا اصطدم بالمصالح الأميركية وأحدث صداعا مع حلفاء واشنطن الآخرين. بالطبع، ترتاح واشنطن إلى إفشال مخطط روسيا في تعزيز نفوذها في ليبيا وإحراج موسكو بعد تدمير عدد من منظومات الدفاع الجوي الروسية المتطورة، لكن التأرجح الذي يميز غالبا الموقف الأميركي يفسر بالخشية من جنوح تركي وانقلاب في التحالفات.
هكذا تحدد موقف واشنطن تدريجيا من خلال ردود الفعل على التطورات على الأرض والتي أهمها الخيار الروسي من جانب حفتر، أو تنامي حضور أنقرة في المشهد، ولذا لا يمكن الحديث عن رؤية أو مقاربة أميركية لحل متكامل للنزاع المتفجر في ليبيا بعيدا عن مقررات مؤتمر برلين، لكن الشيطان يمكن أن يوجد في تفاصيل التنفيذ وآلياته.
ولوحظ أخيرا المزيد من نشاط الجنرال ستيفين تاونسند مسؤول القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) إذ لا يستغرب السعي الأميركي للتمركز في ليبيا خاصة إذا حافظ الروس على تمركزهم. ومن الواضح أن القواعد الليبية الجوية والبحرية يمكن أن تصبح مدار تنازع يذكر بحقبة القواعد الخارجية خلال الحقبة الملكية.
في مطلق الأحوال، أن تكون للضغط الأميركي لوقف الحرب قيمة إذا لم تستثمر الدبلوماسية الأميركية مليا وتبين ثقلها لتنشيط التفاوض وإنجاح المسار السياسي، وهي مهمة عصية تبعا لتجارب مسار تفاوضي عقيم تحت إشراف الأمم المتحدة منذ 2011 المطلوب لعدم توسع الحرب فرض قواعد عمل مختلفة فهل تقدر واشنطن على ذلك؟
أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك - باريس

قيم الموضوع
(0 أصوات)