ardanlendeelitkufaruessvtr

أحمد راضي.. قضية وطن

بقلم ياس خضير البياتي تموز/يوليو 05, 2020 251

أحمد راضي.. قضية وطن
ياس خضير البياتي
ذهب أحمد راضي إلى دار حقه، وذهبت معه كرتُه الذهبية، وقميصه الأخضر، وذكريات كروية صنعت مجده، مثلما صنع مجداً لها في المحافل الدولية، فقد صنع لجمهوره فرحاً أثناء الأزمات والحصار والجوع، ووحّدهم عراقيّاً، وقلع طائفيتهم وقوميّاتهم وأديانَهم من خرائط الوطن ليجمعهم عراقيّاً، كان هدافاً للفرح، وأسطورة للتضامن المجتمعي، ودولة للإبداع الكروي، وسفيراً وطنيّاً لرفع العلم العراقي خفاقاً في ساحات العالم، ومسوّقاً بارعاً للنشيد الوطني العراقي الذي أطرب جمهور العالم بكلمات الرافدين والنغم العراقي، كأنه دولة تحكم بالكرة، وكرة تحكم بالدولة في وطن كاد أن يخرج من خرائط الوجود، لولا أهداف راضي الأسطورية، وتوقيتها الذهبي في زمن عطش العراقي للزهو والفرح والأمل! ذهب راضي مرضيّاً بأخلاقه وإبداعاته وطموحاته المشروعة وهدوئه العجيب، فقد صنع محبة لشخصيته بين زملائه، وأسطورة من الحب لجمهوره، فقد كان هدافاً بارعاً في ملاعب الكرة، مثلما كان هدّافاً للمحبة ونكران الذات والتسامح، قلبُه يتسع عشقاً للجميع بقدر مساحات ملاعب العالم، وعذوبته التلقائية تنساب بلطف بين الناس، كان روحاً تحلق وليس لاعباً فقط، كان بلسم الصبح العليل عذوبة، كان حاضراً معنا بهدوء وغادرنا بهدوء غريب! لست رياضيّاً حتى أحلل براعته الكروية في الملاعب، وطريقة لعبه وتكتيكه الفني، لكنني هنا أحاول أن أتحدت عن (قضية) و(موقف) بعيداً عن الشخصنة والصنمية، فقد غادرَنا رمزٌ رياضيٌّ عراقيٌّ، بالجار والمجرور، والعلة والمعلول، مثلما غادرتنا رموز علمية وثقافية وسياسية وفنية ورياضية في كل حقب تاريخ العراق، بعضُهم دفنوا تحت تراب العراق، لكنهم ذهبوا وكأنهم ليسوا من أبناء هذا الوطن، فقط نتذكرهم بالأسماء أوقاتَ ضجيج الاحتفالات، وأزمنة النفاق، وآخرون دفنوا بعيداً عن الوطن ظلماً وقسوة وحقداً، ومعهم غصة العراق، وذكريات مكان الولادة والأهل والأصدقاء. ومرضُنا أننا كنا نظلم من كان يصنع مجد الوطن في حياته ومماته. فلم نرحمهم أحياءً بكلمة طيبة، ولم نعِدْ الاعتبار لهم بعد موتهم، فقد صنعنا لهم تماثيل خيانة، وكشفنا عيبوهم زوراً، وأحلناهم إلى الطب العدلي لتشريح حياتهم، كأنها ساديّة للانتقام من المبدعين! آخر عنقود الرموز الوطنية نورس العراق، القضية قبل الاسم، لم يسلم من هذ التشريح الساديّ، فقد أثيرت زوابع الحقد حوله أثناء العلاج، وبعد الموت بالعلن والسر ، حيث حروب التشهير والتنكيل ولغة الطائفية المريضة التي صنعت لنا أجواءً مشحونة بلغط صبياني منافق، وبروائح عفنة أفرزها البعض نفاقاً وتعصباً وحقداً ومرضاً، فما الذي فعله الرجل سوى أنه أدخل الفرح في نفوس العراقيين، وشغل الدنيا بالعراق، وعطر أرض الرافدين برياحين الإبداع، وأسس لنا إمبراطوريه للحب والهدوء، فما شأنُنا بحياته وطائفته ورغباته وحقوقه الشخصية! وما شأننا إذا اختار طائفة معينة يعتنقها، وهو العراقي الذي يلعب باسم العراق وليس باسم طائفته وقوميته، ويرفع علم العراق المزخرف بكلمة (الله أكبر) وألوانه الجميلة في الملاعب، وليس أعلام إيران وتركيا، ولا أعلام الطوائف والأحزاب الخضر والصفر والزرق والأرجواني؟! أنا أفهم الشخصية العراقية في ثورتها وتطرفها وطيبتها، لكنني لم أجد تطرفاً طائفيّاً فيما كتب وقيل بالصورة، وأعرف مدلولات الانتهازية والنفاق المريض وازدواج الشخصية، لكن هذا اللاعب الهادئ المسامح فجر لنا أصواتاً منبوذة ونتنة بفكرها، وكشف لنا كم هم الصغار صغارٌ في السلوك والحياة والعقل، وفي قوة المرض الساديّ الذي ينخر في نفوسهم. يا للمفارقة، أن ينبش أحدهم القديم ويكتشف أن راضي كان صديقاً لعُدي صدام! وهو نفسه كان قد كتب قصيدة بعنوان (صدام يا سيد النهرين) !! وكان رفيقاً فتحول إلى مولاي! وآخر يفرز سموماً طائفية، ويفتخر بطائفته أكثر من عراقيته، وينشر رائحته العفنة على الفضائيات يوميّاً، ويدافع عن أوطان أخرى وكأنها مكان ولادته وموطن ذكراه! فأين الانحطاط يا سيد النفاق؟ أن يغير الإنسان طائفته كحق شخصي، أم الذي يستبدل وطنه بوطن آخر ويصبح عميلاً؟! القصة لا تنتهي بالأقوال فقط، وإنما بأفعال التنكيل والتشويه والإهمال، والقيل والقال، فقد كان المرحوم في المستشفى يعاني مزدوجات المواقف، فالخدمة الصحية كما قيل من رجال الطب كانت ملتبسة في طريقة الخدمة والعلاج، والأجهزة ليست على ما يرام، وبرتوكولاته الصحية متناقضة، ولا تأخذ طبيعة حالته الصحية ودرجة الإصابة وقوتها بعين الاعتبار، وطبلة المريض ممزقة ومخجلة مكتوبة بخط مسماري باليد، كما كانت طريقة الدعاية مرعبة ومموجة تتصدرها نرجسية مدير المستشفى المرتفعة بحرارة العظمة، مع أن القانون الطبي المتعارف عليه عالميّاً لا يسمح للمدير وكادره الطبي أن يعقدوا جلسة مناقشات في غرفة المريض، وكأنها مؤتمرات صحفية، وهو يتحدث عن ضلال الإعلام وتشويهه للحقائق، ويبرز بطولاته الخائبة، ويحاصر راضي غير القادر على التنفس لكي يتكلم عنهم بإيجابية، رغم أن ما حدث في الغرفة من أخطاء قاتلة لا يغتفر طبيّاً، فهل يعقل أن يكون معه مرافقاً والغرفة تتعطر بالفيروس القاتل، وأن يترك بدون ممرض يرافقه ويتابع حالته، فكان الهدف القاتل الأخير عندما ذهب أحمد إلى الحمام لوحده ورفع قناع الأوكسجين دون مرافق صحي فحدث ما حدث! هناك الشيء الأخطر، فقد كانت صورة راضي كما رأيته في وضع نفسي سيئ لأسباب كثيرة، بسبب الضغوط التي تعرض لها من قبل إدارة المستشفى وزيارتها الدعائية له، وكاميرات الإعلام المختلفة وهي تتجول بحرية، وعامل الخوف بسبب شخصيته الرقيقة التي تأثرت بصدمة المرض المفاجئ ، وبوفاة زميله الكابتن الراقي علي هادي بالفيروس ، وبعده عن عائلته وشعوره بالوحدة وعدم الأمان بدونهم، وقلقه من الخدمات الصحية الذي جعلته يغادر المستشفى خطأً، وتوجسه من القتل الطبي الخفي بعد الرسائل السرية التي وصلت له من هنا وهناك ، أو مررت له من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بتعمد أو حسن نية. وكلها خفضت مناعته، وانتهت بتراجُع حالته الصحية إلى أدنى منسوب! غادرنا أحمد راضي أيقونة الكرة العراقية، وهو ينصحنا بصلاة الصبح ومساعدة الفقراء، بصوت وطني لا يقبل القسمة، كان هدّافاً ضد الطائفية وعابراً لها، وساحراً كرويّاً عاشقاً للكرة والحياة والناس، مانحاً الفرح والسعادة لعراق الأزمات والمحن، فكانت كرته الذهبية تتألّق بعراقيّتها زهواً من أجل عراق كان يعشقه، وعراق يعشق وطنيته وأسطورته المبدعة. أحمد راضي قضية وطن، قبل أن يكون رياضيّاً ورمزاً عراقيّاً، خدم العراقَ أكثر من الأصوات الناعفة الحاقدة. كان عراقاً بصفاته وعمقه التاريخي وطيبته وتسامحه.
سلاماً أبا فيصل، حبيب الناس والرافدين.. فقدناك قمراً وقضيةً!!

قيم الموضوع
(0 أصوات)