ardanlendeelitkufaruessvtr

اختبار تركيا للحضارة

بقلم تانير أكشم تموز/يوليو 17, 2020 139

 

اختبار تركيا للحضارة
تانير أكشم
“في أي وقت يرى التركي شجرة، يقطعها”؛ “لقد طمس الأتراك الثقافات في كل منعطف ولم يحفظوا تلك الأشياء التي يمتلكونها.
غزو ثان لآيا صوفيا
يمكن تلخيص قضية آيا صوفيا بأكملها بعبارات مثل “غير لائق” أو “عار”. لكني أعتقد أن الجمهور الذي أخاطبه لا يمتلك الحساسية الثقافية ليجد هذه الكلمات ذات معنى. ولكن من الأفضل صياغة القضية بطريقة صريحة يمكنه فهمها بسهولة أكبر: الفعل الذي يتم القيام به فيما يتعلق بآيا صوفيا هو عرض واضح للهمجية.
إنه إعلان عن “افتقار تركيا إلى الثقافة وتبنيها لسياسة تدمير” العالم بأسره. كما أن اتحاد الرئيس وزعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، هو التحالف السياسي الذي ظهر من خلاله هذا النقص في الثقافة والتدمير.
لكن “لماذا؟”، لأنه مع هذه الخطوة يقال للعالم إنه “على الرغم من أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، لا تزال عقليتنا عقلية 1453. حتى الآن، في القرن الحادي والعشرين، نحن لا نهتم تمامًا بالحفاظ على التراث الثقافي للبشرية. بيننا، لا يوجد إحساس بوراثة ثقافية أكبر من تلك التي تركت لنا؛ ليس لدينا ما نساهم به في كنوز الإنسانية الثقافية. نحن غير قادرين على خلق أي قيمة ثقافية جديدة بأنفسنا. نحن نستحوذ على الكنوز الثقافية للبشرية، نكسرها وندمرها”.
وهذا ما يتم فعله. هنا، الآن، في القرن الحادي والعشرين، سيتم “غزو” آيا صوفيا، أحد أهم المعالم الثقافية البشرية مرة أخرى، وسيتم تحويلها إلى مسجد، تمامًا مثل عام 1453.
ما يجري هنا هو عمل تخريب ثقافي.
ومن هنا سنتساءل: هل ستفهم شراكة أردوغان وبهجلي الأسباب التي يرى من خلالها الرأي العالمي صورة سلبية تمامًا لتركيا والأتراك؟
قام المفكر الروسي الشهير، نيكولاي دانيليفسكي، في القرن التاسع عشر بتقسيم المجتمعات البشرية إلى “مبدعي الحضارة” و “مدمري الحضارة”. وقد أدرج أعظم عشر حضارات فريدة من حيث الترتيب الزمني: المصرية، الصينية، السامية القديمة (الآشورية، بابل، الفونسية، الكلدية)، الهندية، الفارسية، اليونانية، الرومانية، السامية الجديدة (العربية)، والأوروبية، وقال عنها الآتي “بجانب هذه الحضارات الإيجابية، ظهرت بشكل دوري في عصور البشرية بعض الجهات الفاعلة العابرة مثل الهون والمغول والأتراك، الذين شنوا الحروب فجأة ثم اختفوا بسرعة من التاريخ. وبعد الانتهاء من مهمتهم في التدمير، والمساعدة في اندثار الحضارات المحتضرة، يعودون إلى عدم أهميتهم السابقة ثم يختفون. قد نسميهم الجهات الفاعلة السلبية في التاريخ”.
ليس فقط بين المثقفين، ولكن في جميع أنحاء الغرب لم تكن هناك نهاية للقصص التي قيلت عن التخريب الثقافي للأتراك.
“في شبه جزيرة البلقان، ومع كل خطوة، داس الأتراك تحت أقدامهم منتجات ثقافة آلاف السنين”.
“في أي وقت يرى التركي شجرة، يقطعها”؛ “لقد طمس الأتراك الثقافات في كل منعطف ولم يحفظوا تلك الأشياء التي يمتلكونها. لم يكونوا شعبا مؤهلا ثقافيًّا، وفشلوا في بناء ثقافة على الأسس الثقافية التي امتلكوها”.
لقد نال التراث الثقافي الموجود على هذه الأرض التخريب؛ الأشياء التي تم القيام بها وتلك التي لا تزال قيد التنفيذ هي نتاج ممارسة السلطة غير المقيدة، فلها شهية مفتوحة للتدمير
“الأماكن التي وضع فيها العثماني قدمه لم تزدهر”، “الأماكن التي صعد فيها الأتراك ذبلت وماتت”. “إن الحكام العثمانيين لم يفعلوا شيئًا مع الأماكن التي احتلوها سوى تدميرها”.
حتى أن بعض المصادر ذكرت أن قسوة ووحشية الأتراك لم تكن تجاه الأجانب فقط؛ ذلك أن الحكام الأتراك كانوا “يخنقون أفراد شعبهم بوحشية ويقتلونهم إذا شعروا حتى بأقل قدر من الشك”.
إذا أردنا تكرار هذه العبارات اليوم، فهل سيتمكن أردوغان وبهجلي من الاعتراض عليها؟
دعونا نُلقِ نظرة على الحالة التي أوصلوا إليها البلاد. تقريبا كل من حاول التحدث علنا ضد السلطات تم تخويفه وقمعه وسجنه، ولم يظهر أي من هذه الأنظمة أي علامة على التخلي عن هذه الأفعال.
لم يبق مقاوم لم يسحقه الثقل القمعي للدولة. لقد نال التراث الثقافي الموجود على هذه الأراضي، وما وراء ذلك، مثل الطبيعة، نصيبهما من هذا الدمار.
لقد نال التراث الثقافي الموجود على هذه الأرض التخريب؛ الأشياء التي تم القيام بها وتلك التي لا تزال قيد التنفيذ هي نتاج ممارسة السلطة غير المقيدة، فلها شهية مفتوحة للتدمير.
وبالفعل، فإن شراكة أردوغان وبهجلي ليست سوى أحدث مظهر للهمجية وتقاليد الدمار التي تمتد جذورها عميقًا في هذه الأراضي.
جغرافية الأناضول اليوم هي عبارة عن دمار وخراب. تمتلئ تركيا بالآلاف من الكنائس والأماكن المقدسة الأخرى التي استخدمت كإسطبلات أو مستودعات.
تمثل شراكة أردوغان وبهجلي (ويمكننا بسهولة إضافة رئيس الحزب الوطني دوغو بيرينشيك) تقليد الدمار هذا الذي دمر الأناضول، والذي لم يقم فقط بترحيل وتصفية شعوب بأكملها، ولكن أيضًا دمر تراثها الثقافي وحاول محو كل أثر لها.
واليوم، يسيطر التخريب والتدمير التركي على السلطة مثلما يسيطر عليها تحالف أردوغان – بهجلي – بيرينشيك.
لذلك يجب على كل تركي أن يفهم أن معارضة هذا المحور هي في جوهرها شن حرب من أجل الحضارة.
ربما يكون سجن النظام لرجل الأعمال الخيري عثمان كافالا، الذي يرغب كمؤسس لمؤسسة “فاونديشن أوف أناتوليان كلتشر” في الحفاظ على التراث الثقافي والحضاري لهذه الأراضي، هو أكثر الأمثلة المؤثرة الشاهدة على هذا الصراع.
تقف تركيا الآن على المحك من حيث مدى قدرة صمودها أمام اختبار الحضارة.
وفي النهاية، ستنتصر الحضارة. ولكن أولئك الذين يعارضونها قد لا ينتصرون.
باحث تركي

قيم الموضوع
(0 أصوات)