ardanlendeelitkufaruessvtr

أنغام جزائرية

 

أنغام جزائرية
سعد القرش
دقائق من همس شجي تتعانق فيه الحروف والنغمات الدافئة، فتلخص شعبا بعاداته وطقوسه وعلاقاته الاجتماعية.
الراحل إيدير كان سفير الأغنية الأمازيغية
من أمنياتي القديمة الاحتيال على قانون الطبيعة، فأضرب يومي في ثلاثة، ويصير 72 ساعة. ومن حسنات الحجر المنزلي أن اليوم، أخيرا، أصبح 24 ساعة، وهذا أضعف الإيمان. بركة تتيح مراجعات وقراءات ومشاهدات مؤجلة، والإنصات إلى الحنين باستعادة أشواق تراكم عليها الغبار وتستحق الاعتذار. وانزياح هذا الغبار ينتظر لمسة يد، ومصافحة عشر أسطوانات حملتها من الجزائر في يونيو 2011، وشغلني عنها شيطان لا يقوى عليه إلا وباء كوني عنوانه فايروس كورونا.
عام 2011، حين انتشينا بخلع حسني مبارك ونسينا أن إزاحته بداية لجهاد أكبر، دعيت إلى «المهرجان الثقافي الدولي الرابع للأدب وكتاب الشباب» بالجزائر. كانت مناوشات التأهل لنهائيات كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا ماثلة، بقايا آلام نفسية لم تبرأ رغم صعود الجزائر، بعد فوز فريقها على الفريق المصري في مباراة بالسودان في نوفمبر 2009. لحقت بالشعب الجزائري إهانات جارحة، اتهامات بالبلطجة شاركت فيها جوقة يستحيل تناغمها إلا في مصيبة، فماذا يمكن أن يجمع علاء مبارك وإبراهيم حجازي ويوسف زيدان وأحمد شوبير؟ رأيت واجهة مكتب شركة مصر للطيران محطمة، تحتفظ ببصمات جماهير تنفّس عن غضبها بالاعتداء على مؤسسة مصرية. ومن كرامات نجاح الجهاد الثوري الأصغر أن أسمع هذه الكلمات «ثورة 25 يناير صالحتنا»، فآمنت بأن الثورات يذهبن السيئات.
نبهتني الزيارة إلى حفرة عميقة تمنع المعرفة بالجزائر، شعبا وثقافة وفنونا. هوّة أوسع من أن تحتمل تشييد جسر، أو أن تسدّها مفردات مدرسية محفوظة تنتمي إلى الستينات. ومن العيب اختصار الصورة الذهنية لشعب في بضع أيقونات: الأمير عبدالقادر، جميلة بوحيرد، بن بلة، بومدين، بضع روايات صدرت أو أعيد نشرها في القاهرة لمالك حداد والطاهر وطار، إنتاج مشترك لأفلام قليلة أبرزها «عودة الابن الضال» ليتيح دورا تمثيليا لسيد علي كويرات، وردة فتوكي التي لازمها نسبها إلى بلادها، على غير ما جرت العادة لفنانين عرب احتضنتهم مصر.
أستعيد الطرب الجزائري فتتبدد تلك الصورة، يُستبدل بها ثراء بلا ضفاف، نسغ أمازيغي صوفي أندلسي يحمله صوت الشيخ غفور «يا مسلمين قلبي». وأحمد خليفي «يا خوتي قرن الكشايف»، وبهجة رحال «ألا فاسقيني». الحاج محمد العنقة باسطا صوته «يوم الجمعة»، من أقاصي الجواب إلى حدود القرار. أما إيدير فكنت أعرف رائعته «آفافا ينوفا»، وبعدها حلا لي أن أتتبع حنان الأغنية بأصوات آخرين منهم سنا العلاوي والأسكتلندية كارين ماثيسون بالاشتراك مع إيدير، دقائق من همس شجي تتعانق فيه الحروف والنغمات الدافئة، فتلخص شعبا بعاداته وطقوسه وعلاقاته الاجتماعية.
يفوتنا الكثير مما يسهل تداركه. وبعشر أسطوانات اغتنيت.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)