ardanlendeelitkufaruessvtr

مراكبنا عالمينا

بقلم إبراهيم الجبين آب/أغسطس 07, 2020 113

 

مراكبنا عالمينا
إبراهيم الجبين
أغنية فيروز القديمة ”مراكبنا عالمينا يا رجعة الصواري، قلبي ناطر عالمينا وحبيبي منّو داري“ تعود وتنشط في العقل إذ يرى المرءُ صيادين يتقاذفهم بحرٌ من نوع آخر، بحرُ الفوضى والجهالة والتيه الجديد.
أيّ صوارٍ ستعود إلى الموانئ المدمّرة؟
بدلا من معالجة الأسباب التي أدّت إلى الكارثة، قامت دولٌ عربية بإفراغ موانيها كي لا تتكرّر مأساة ميناء بيروت. وكأن السبب هو الحاويات والبضائع لا العقول المتخمة بالجهل والهمجية التي تحكم تلك الدول وموانئها البرية والبحرية والجوية.
ولو عرف أبناء هذا الجيل كم كان صعباً أن تُنشَأ للعرب منافذُ بحرية جديدة خلال المئة عام الماضية، لأدركوا حجم الخسارة في دمار مرفأ بيروت ومرافئ قبله في العراق وليبيا واليمن ومرفأ كذا وكذا وكذا مما أُهدِرَ في البحر وفي الهواء وكأنه لم يكن.
أغنية فيروز القديمة ”مراكبنا عالمينا يا رجعة الصواري، قلبي ناطر عالمينا وحبيبي منّو داري“ تعود وتنشط في العقل إذ يرى المرءُ صيادين يتقاذفهم بحرٌ من نوع آخر، بحرُ الفوضى والجهالة والتيه الجديد. فحبيبها ما يزال ليس دارياً لا بـ”المينا“ ولا بالمراكب.
من يظنّ أن الخسائر الناجمة عن الجهل والطائفية والعيش خارج التاريخ، ستقتصر على الجانب الأمني، إنما يقرأ في كتاب جهلٍ من نوع آخر. لا يمكنك حكم دولة ومجتمع ومؤسسات بشعارات وبنادق وتهديدات وصواريخ وكلام فارغ لا يسمن ولا يُغني من جوع.
الواقع حقيقة، والحقائق لا تُعالج إلا بالعلم. والخرافات من عالم الوهم، وستتحقق إن تحققت هناك في عالم الوهم والخيال وحده.
أيّ صوارٍ ستعود إلى الموانئ المدمّرة؟ وأيُّ صبايا ستنتظر شباب الصيادين العائدين من سفر طويل؟
حاربت النخب العربية في أواسط القرن الماضي لتأسيس الموانئ في بلدانها، لإدراكها أن التنمية مرتبطة بالاستقلال الجيوسياسي، ولا يمكنك أن تستقل عن هيمنة أحدٍ من الذين حولك إن كنت ستحتاجه في الاستيراد والتصدير لأنك لا تملك موانئ خاصة بك.
وكان ميناء اللاذقية من إنجازات رجالات عاشوا ما بين الثلاثينات والخمسينات من القرن العشرين وعلى رأسهم خالد بك العظم، واليوم يشتهر بالشحنات التي تصل إلى دول العالم قادمة منه وهي تحمل الممنوعات، وكذلك ميناء أمّ قصر في العراق الذي تأسس مبكراً على المياه العميقة، واليوم يوجد فيه رصيف لكل فصيل مسلّح ولكل حزب طائفي. مع أن الخبر يقول منذ سنوات نقلاً عن مسؤول يبقى، طيلة الوقت، يرفض ذكر اسمه، إن الحكومة تحاول “فك أسر الميناء والقضاء على الفساد فيه”.
وذلك المرفأ الذي فنيَ في بيروت هو الذي كتب عنه نزار ذات يوم “في مرفأ عينيك الأزرقْ، أمطارٌ من ضوءٍ مسموعْ، وشموسٌ دائخةٌ وقلوعْ ترسم رحلتها للمطلقْ. في مرفأ عينيك الأزرقْ. شباكٌ بحريٌّ مفتوحْ، وطيورٌ في الأبعاد تلوحْ، تبحث عن جزرٍ لم تُخلقْ“.
لن تصل إلى تلك الموانئ سوى القوارير الفارغة التي تحوي رسائل ملفوفة بعث بها المستغيثون الضائعون في البعيد من بحار العرب وصحاراهم.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)