ardanlendeelitkufaruessvtr

حصان طروادة الصيني

 

حصان طروادة الصيني
بهاء العوام
لم تكن بكين خصما يخشى منه فتغلق الأبواب في وجهه بل كانت شريكا يتسابق الجميع إلى التعاون معها تقنيا وتجاريا وبقي الأمر على هذا الحال حتى جاء ترامب وأعلنها عدوا.
على الضفة الآسيوية الأمر أخطر بكثير
تحمل حرب الرئيس دونالد ترامب على شركات التكنولوجيا الصينية بعض المنطق. فهذه الشركات مقلقة للولايات المتحدة بقدر ما هي فعالة في عالم الإنترنت. أولا لأنها تمثل الحكومة والحزب الشيوعي الحاكم في بكين. وثانيا لأنها تنافس عمالقة التكنولوجيا الأميركية في عقر دارهم.
القلق الأميركي يحمل شقين؛ اقتصادي يعبر عن مخاوف تراجع عائدات هذا القطاع الحيوي، وأمني يتعلق بالكم الهائل من المعلومات التي تستطيع بكين أن تجمعها وتستخدمها داخل الولايات المتحدة. فثمة عشرات الملايين يوميا من المستخدمين النشطين للتكنولوجيا الصينية هناك.
تعرف أميركا أكثر من غيرها معنى أن تمتلك المعلومة. لطالما استمتعت بهذه القوة ومارستها على العديد من دول العالم. فالتكنولوجيا تفوق أعتى الجيوش في قدرتها على احتلال الشعوب والسيطرة عليها. ولا تحتاج إلى أسلحة إن كنت قادرا على التحكم بسلوكيات البشر واهتماماتهم.الصينيون يذيقون الولايات المتحدة اليوم من ذات الكأس. فشركاتهم التكنولوجية تسللت إلى داخلها كحصان طروادة. وعندما استتب الأمر لهم، أفرغوا ما في بطونها من أفكار وتوجهات تريدها بكين أن تتحول إلى أنماط حياة لدى الأميركيين، أو على الأقل تثير اهتمامهم بالقطب الآسيوي.
العداء الأميركي للصين يفرض التزامات على دول الغرب طبعا، ولكن الأمر لا يقتصر على مسايرة واشنطن ومحاباة ترامب في هذه الخصومة. بات الجميع يدرك تخلخل ميزان العلاقة مع بكين لصالحها
لم تسيطر الصين على الولايات المتحدة تكنولوجيا، ولكن حضورها هناك بات مقلقا إلى حدود دفعت بترامب إلى تجاهل قواعد المنافسة والاقتصاد الحر، وحظر شركات بكين الواحدة تلو الأخرى. ثمة شق دعائي حتما في قرارات الرئيس الطامح لولاية رئاسية ثانية، ولكن المخاوف كبيرة.
في الحقيقة، أصبحت بكين تمثل خطرا على جميع الدول المنتجة تكنولوجيا. والخطر واحد في تعريفه وأهدافه بالنسبة للجميع. أما الفارق الوحيد فيكمن بالقدرة على تجنب استخدام التكنولوجيا الصينية. وتوفير البدائل المحلية أو الخارجية عبر تحالفات تقلم أظافر النمر الآسيوي عالميا.
بالنسبة للدول المستهلكة فالخطر الصيني ينحصر في الشق الأمني. وهو الخطر ذاته الذي قد يأتي عبر مزود أميركي أو بريطاني أو ياباني أو أي دولة تقدم تلك التكنولوجيا التي لا مفر من استخدامها. والحقيقة المرة هي أن مواجهة هذا الخطر لن تكون عبر حظر تطبيق من هنا، وحجب موقع من
هناك.
حتى قوانين حماية البيانات التي ظهرت خلال الأعوام الأخيرة، جاءت عبر مطالبات المنتجين للتكنولوجيا وليس المستهلكين لها. فلولا فضائح مثل محاولة فيسبوك وشركة كامبردج أناليتيكا التأثير على انتخابات الرئاسة الأميركية الماضية، لبقي الملايين من البشر عرضة لسرقة بياناتهم واستغلالها يوميا.
لم تنظم سوق البيانات عالميا بالقدر الذي تعرفه أسواق الصناعة والتجارة والطاقة. والتوتر الذي يتزايد بين الدول الكبرى بسبب هذه السوق منذ سنوات قليلة، يشي بقلق كبير حيال المخاطر الاقتصادية والأمنية للفوضى المعلوماتية إن جاز التعبير، وخاصة بعد دخول الصين وروسيا ميدان المنافسة. إلى حد ما، يجد الأميركيون والأوروبيون الخطر الروسي محدودا مقارنة بالصيني. فالقرصنة هي أكثر ما تبرع به موسكو. وهو تهديد يمكن التعامل معه عبر مضاعفة أدوات وبرامج حماية المعلومات. ليس الأمر بهذه البساطة طبعا، ولكنه في نهاية المطاف قابل للمواجهة ومتاح للسيطرة.
على الضفة الآسيوية يبدو الأمر أخطر بكثير. فحصان طروادة الصيني تغلغل في دول العالم الكبرى إلى حدود بعيدة جدا. لم تكن بكين خصما يخشى منه فتغلق الأبواب في وجهه، بل كانت شريكا يتسابق الجميع إلى التعاون معها تقنيا وتجاريا. وبقي الأمر على هذا الحال حتى جاء ترامب وأعلنها عدوا.
لم تسيطر الصين على الولايات المتحدة تكنولوجيا، ولكن حضورها هناك بات مقلقا إلى حدود دفعت بترامب إلى تجاهل قواعد المنافسة والاقتصاد الحر، وحظر شركات بكين الواحدة تلو الأخرى
العداء الأميركي للصين يفرض التزامات على دول الغرب طبعا، ولكن الأمر لا يقتصر على مسايرة واشنطن ومحاباة ترامب في هذه الخصومة. بات الجميع يدرك تخلخل ميزان العلاقة مع بكين لصالحها. كما تنبهوا إلى حجم الانكشاف الذي تورطوا به في بياناتهم ومعلوماتهم أمام التكنولوجيا الصينية.
ولأنه يصعب على بعض الدول اتخاذ مواقف حاسمة إزاء الصين، تحاول الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي ضدها. لا يعني هذا أن واشنطن يمكن أن تهدأ حربها ضد بكين إلى حين تبلور هذا التحالف، وإنما يعني أن الخصومة مرشحة للتصعيد، حتى انتهاء الانتخابات الأميركية على الأقل.
في هذه الأثناء تحاول بكين أن تلعب دور الضحية في كل ما يجري حولها. وتروج لفكرة أنها تمارس رد الفعل ولا تبادر في العداء لأحد. هذه النظرية لا تبدو مقنعة بالنسبة لأجهزة المخابرات الغربية على الأقل. فحصان طروادة الصيني برأيهم، مازال يعبث باقتصاد وتقنية وسياسة دولهم، وما خفي من هذا العبث كان أعظم.
صحافي سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)