ardanlendeelitkufaruessvtr

بغداد وبيروت والخيار الأصعب

بقلم عبدالهادي كاظم الحميري آب/أغسطس 15, 2020 80

 

بغداد وبيروت والخيار الأصعب
عبدالهادي كاظم الحميري
من‭ ‬مزايا‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬الأخبار‭ ‬بكامل‭ ‬هولها‭ ‬تدخل‭ ‬علينا‭ ‬غرف‭ ‬جلوسنا‭ ‬حال‭ ‬حدوثها‭ ‬لنعيش‭ ‬الحسرة‭ ‬والآلام‭ ‬مع‭ ‬البشر‭ ‬الذي‭ ‬يكتوي‭ ‬بنارها‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نستطيع‭ ‬فعل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭.‬
دخل‭ ‬زلزال‭ ‬العراق‭ ‬بيوتنا‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬تشرين‭ /‬أكتوبر‭ ‬عندما‭ ‬خرج‭ ‬فتيان‭ ‬وفتيات‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬حشد‭ ‬عارم‭ ‬يطالبون‭ ‬بحقهم‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭. ‬صالت‭ ‬عليهم‭ ‬قوات‭ ‬مكافحة‭ ‬الشغب‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬عجلات‭ ‬الماء‭ ‬الحار‭ ‬وتسلل‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ومن‭ ‬على‭ ‬السطوح‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬القتلة‭ ‬والقناصين‭ ‬فتهاوت‭ ‬قامات‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬بين‭ ‬جريح‭ ‬وقتيل‭. ‬حركت‭ ‬الغيرة‭ ‬العراقية‭ ‬سواق‭ ‬التكتك‭ ‬المعدمين‭ ‬فخاضوا‭ ‬غمار‭ ‬الدخان‭ ‬وتجاهلوا‭ ‬لعلعة‭ ‬الرصاص‭ ‬ورفعوا‭ ‬الشهداء‭ ‬والجرحى‭ ‬الى‭ ‬المستشفيات‭ ‬ولا‭ ‬ينسى‭ ‬أبداً‭ ‬منظر‭ ‬المرأة‭ ‬العراقية‭ ‬الفقيرة‭ ‬بائعة‭ ‬المناديل‭ ‬الورقية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تركض‭ ‬ولهانة‭ ‬بين‭ ‬الجموع‭ ‬توزع‭ ‬مصدر‭ ‬رزقها‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬ليمسحوا‭ ‬به‭ ‬أجسادهم‭ ‬المبتلة‭ ‬بعرق‭ ‬المنازلة،‭ ‬لتستمر‭ ‬المظاهرات‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ويستشهد‭ ‬فيها‭ ‬المئات‭ ‬ويجرح‭ ‬ويعوق‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الشباب‭.‬
ودخل‭ ‬زلزال‭ ‬بيروت‭ ‬بيوتنا‭ ‬يوم‭ ‬4‭ ‬آب‭ ‬عندما‭ ‬صعدت‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬ارض‭ ‬الميناء‭ ‬فُطرَة‭ ‬بيضاء‭ ‬هائلة‭ ‬اكتسحت‭ ‬في‭ ‬صعودها‭ ‬واتساعها‭ ‬وجه‭ ‬البحر‭ ‬وأميال‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬عديدة‭ ‬اقتلعت‭ ‬البشر‭ ‬والحجر‭ ‬ضمن‭ ‬قبتها‭ ‬ودمرت‭ ‬المباني‭ ‬والممتلكات‭ ‬وتركت‭ ‬الناس‭ ‬قتلى‭ ‬وجرحى‭ ‬وهائمين‭ ‬على‭ ‬وجوهم‭ ‬حيارى‭ ‬في‭ ‬هول‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭. ‬ولترد‭ ‬بعد‭ ‬الحدث‭ ‬أخبار‭ ‬الفواجع‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة‭ ‬مثل‭ ‬فريق‭ ‬الإطفاء‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الذي‭ ‬باشر‭ ‬بإطفاء‭ ‬الحريق‭ ‬الأول‭ ‬لتبتلعه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬فطرة‭ ‬انفجار‭ ‬نترات‭ ‬الامونيوم‭ ‬والأخوة‭ ‬الثلاثة‭ ‬في‭ ‬ريعان‭ ‬الشباب‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الفريق‭ ‬وحال‭ ‬ذويهم‭ ‬وغيرهم‭.‬
كان‭ ‬الزلزالان‭ ‬الضربة‭ ‬التي‭ ‬قصمت‭ ‬صبر‭ ‬الشباب‭ ‬والناس‭ ‬في‭ ‬البلدين‭ ‬وأظهرت‭ ‬تقصير‭ ‬الطبقات‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬البلدين‭ ‬وكشفت‭ ‬عُريَها‭ ‬كطبقات‭ ‬فاسدة‭ ‬لا‭ ‬يهمها‭ ‬أمر‭ ‬رعاياها‭ ‬وقطعت‭ ‬حبال‭ ‬ادعاءاتها‭ ‬وزيفها‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭.‬
استوعبت‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬بعض‭ ‬الدرس‭ ‬من‭ ‬زلزالها‭ ‬فأزالت‭ ‬واجهتها‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬وشرّعت‭ ‬بعض‭ ‬القوانين‭ ‬وأتت‭ ‬بعد‭ ‬مخاض‭ ‬عسير‭ ‬بشخص‭ ‬السيد‭ ‬مصطفى‭ ‬الكاظمي‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬استقلالية‭ ‬ورأي‭ ‬لينقذها‭ ‬من‭ ‬مأزقها‭ ‬الذي‭ ‬أضاف‭ ‬له‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬ونزول‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬أحمالاً‭ ‬جديدة‭ ‬ليصبح‭ ‬أمر‭ ‬الإنقاذ‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭. ‬بينما‭ ‬شرعت‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬اللبنانية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬النسخة‭ ‬اللبنانية‭ ‬من‭ ‬السيد‭ ‬مصطفى‭ ‬الكاظمي‭ ‬علها‭ ‬تكسب‭ ‬به‭ ‬متنفسا‭ ‬ومنقذا‭ ‬من‭ ‬مأزقها‭. ‬إن‭ ‬نجاح‭ ‬الطبقات‭ ‬السياسية‭ ‬بالعبور‭ ‬بلبنان‭ ‬والعراق‭ ‬الى‭ ‬بر‭ ‬الأمان‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر‭ ‬وبدون‭ ‬نزاعات‭ ‬مسلحة‭ ‬يحتم‭ ‬عليها‭ ‬ترك‭ ‬الكواظم‭ ‬ليتدبروا‭ ‬أمر‭ ‬البلاد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ويديروا‭ ‬علاقاتها‭ ‬الخارجية‭ ‬بدون‭ ‬إملاءات‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الطبقات‭ ‬السياسية‭ ‬والأهم‭ ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تفك‭ ‬هذه‭ ‬الطبقات‭ ‬ارتهانها‭ ‬وشراكتها‭ ‬مع‭ ‬العناصر‭ ‬المسلحة‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬سيطرة‭ ‬الدولة‭ ‬وأن‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬على‭ ‬اقناع‭ ‬قادة‭ ‬تلك‭ ‬العناصر‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬طروحاتهم‭ ‬وقبول‭ ‬الشكر‭ ‬والعرفان‭ ‬عن‭ ‬تضحياتهم‭ ‬السابقة‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬سلاحهم‭ ‬لصالح‭ ‬القوات‭ ‬الشرعية‭ ‬في‭ ‬البلدين‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬لطرح‭ ‬ما‭ ‬يريدون‭ ‬لأن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬البلد‭ ‬هو‭ ‬واجب‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الرسمية‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬فسلاح‭ ‬الدولة‭ ‬والسلاح‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الدولة‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لهما‭ ‬أن‭ ‬تعايشا‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬دون‭ ‬إضعاف‭ ‬أحدهما‭ ‬للآخر‭ ‬أو‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭. ‬وبدون‭ ‬حصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ولبنان‭ ‬لا‭ ‬أمان‭ ‬ولا‭ ‬استقرار‭ ‬ولا‭ ‬استثمار‭ ‬ومزيداً‭ ‬من‭ ‬البؤس‭ ‬والدمار‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)