ardanlendeelitkufaruessvtr

الفستان تونسي والروبة عراقية

 

الفستان تونسي والروبة عراقية
يمينة حمدي
الاختلاف في اللهجات ليس عائقا أمام عملية التواصل مع الآخرين، وعلى المرء أن يسعى إلى تقديره والتعامل معه بشكل سليم.
تعلم اللهجات في نهاية الأمر كالزواج
قد يكون التشابه في العادات والتقاليد بين المجتمعات العربية كبيرا، إلا عندما يتعلق الأمر باللهجات، فالعديد من المفردات تحمل في طياتها دلالات مختلفة، لا توجد لها مرادفات في اللغة العربية أو قاعدة لفظية محددة، وقد توقعنا أحيانا في مطبات ومواقف مخجلة وهزلية، خصوصا إذا لم نكن نعرف المعنى المرادف لها في اللهجات العربية الأخرى. وهذا لا يقتصر على العربية بل في الإنجليزية والفرنسية أيضا.
ميزة اللهجات أنها ليست كيانات جامدة، وإنما ديناميكية ومُفعمة بالحيوية؛ تتطور باستمرار لتلائم السياقات التي تسود كل عصر ومجتمع مثل أي كائن حي، وهو ما يفسر حدوث تبدلات وتحولات اجتماعية تعكس نفسها في التفاعلات اللغوية الملائمة لظروف الزمان والمكان والناس.
على أيّ حال، تُعرف اللهجات العربية بأنها حمالة أوجه، فالعديد من المفردات تشير إلى أكثر من معنى، وقد تحمل في طياتها دلالات ذات طابع فكاهي، أو تحيل على معان تبدو في بعض المجتمعات تفتقر للكياسة.
ومن حسن حظي أنني وقعت في موقف مضحك خلال شهر رمضان الماضي عندما دخل عليّ زوجي يحمل بيده كيسا وأنا في المطبخ، وأخبرني أنه اشترى “روبة”، اعتقدت يومها أنه اشترى لي فستانا لأن “الروبة” تعني فستانا في اللهجة العامية التونسية، وهي مشتقة من كلمة “robe”، الفرنسية، لكن ما استرعى انتباهي وأثار استغرابي شكل الكيس الذي بدا لي غير أنيق، ومن غير المعقول أن يكون بداخله فستان.
لم أصبر إلى أن أفتح الكيس وأعرف ما بداخله بنفسي، ولأنني كنت منهمكة في إعداد وجبة الإفطار دفعني فضولى إلى سؤال زوجي عن المناسبة التي جعلته يقتني لي “روبة”، غير أن ملامح التعجب التي بدت على وجه زوجي جعلتني أدرك حينها أننا لا نقصد بنفس الكلمة المعنى ذاته، فهممت بفتح الكيس، لكن زوجي كان الأسبق وأخرج علبة “الروبة” التي لم تكن بالنسبة لي سوى حليب مخمّر لا وجه شبه بينه وبين الفستان، فضحكت إلى أن اغرورقت عيناي بالدموع، في المقابل طغت نظرات الذهول على وجه زوجي، وهنا كان عليّ أن أشرح لزوجي ما تعنيه كلمة “روبة” في تونس.
حاولت بمعية زوجي وعبر سنوات زواجنا الست إيجاد لهجة جديدة هجينة، عن طريق مزج اللهجة العراقية بالتونسية، حتى نتجاوز مآزق المفردات ورسائلها اللغوية المحرجة، وننتقي مصطلحاتنا بدقة عندما نكون بصحبة الأهل والأصدقاء، لكنني لا أنكر أنني ما زلت أخشى الحوادث اللغوية المحرجة التي قد أتعرض لها أمام أهل زوجي إذا ما حاولت التحدث بلهجتي التونسية القحة، ولذلك أحاول التحدث معهم بما يفهمون، لكن أحيانا تخونني اللهجة العراقية فتسعفني التونسية.
لا أنكر أن ذخيرتي في معرفة اللهجات العربية جيدة جدا، لكنني لم أصل بعد إلى درجة الفهم المطلق لكل شاردة وواردة في قاموس المعاني الشعبية العربية، وأحيانا توقعني مطبات اللهجات في مواقف طريفة أو محرجة.
تعلم اللهجات في نهاية الأمر كالزواج، قد نظن أننا نعرف شريك حياتنا تمام المعرفة عندما يضع الخاتم في إصبعنا، لكننا في الحقيقة لا نزال في البداية وسنظل نتعرف عليه شيئا فشيئا، وربما لن نستطيع الإلمام بجميع جوانب شخصيته مدى الحياة.
لكنني ما زلت على يقين من أن الاختلاف في اللهجات ليس عائقا أمام عملية التواصل مع الآخرين، وعلى المرء أن يسعى إلى تقديره والتعامل معه بشكل سليم بدلا من السعي المضني إلى أن يكون بخلاف ما هو عليه، وبخلاف ما يراه غيره.
صحافية تونسية مقيمة في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)