ardanlendeelitkufaruessvtr

التعليم في العراق وحتمية التغيير

بقلم الدكتورة الآء طارق المصطاف آب/أغسطس 28, 2020 158

 

التعليم في العراق وحتمية التغيير
الدكتورة الآء طارق المصطاف
عضو لجنة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
المقدمة: “من يخاف التنين الاسود لن يستطيع النهوض” يونغ تشاو
لقد فطر الانسان منذ اول الخليقة على التعلم، فبدأً كان يتعلم المهارات ممن هم اكبر منه سناً فتعلم كيف يجني قوت يومه عن طريق الصيد وكيف يحمي نفسه من اعداءه ثم بعد ذلك تعلم الزراعة. وكثيرا ما كان يعتمد اسلوب التجربة في تعلمه وكلنا يذكر قصة الانسان القديم واكتشافه للنار. تطورت اساليب التعليم وازدهرت مهنة المعلم اذ اصبحت المهنة المرموقة التي تتعامل مع ابناء الطبقة المترفة في المجتمع من ابناء الاسر الحاكمة والوزراء وكبار التجار من الاثرياء القادرين على دفع نفقات التعليم واصبح هواة العلم والباحثين عن الحقائق يجوبون اطراف الارض طلباً للمعرفة، ومع مرور الزمن تطورت فكرة التعلم وازداد الوعي والادراك لأهميتها فتطورت طرق تلقي المعارف الى ان وصلنا الى المدارس بصيغتها الحالية. في هذا المقال سوف نتطرق الى تطور استراتيجيات التعلم واسباب افول بعضها على الرغم من نجاحها في فترة زمنية معينة، وما اسباب فشل الاستراتيجيات التي كانت سائدة على مدى العقود المنصرمة في انتاج جيل يتناسب مع المرحلة الحالية على الرغم من انها انتجت اجيالا مميزة، الامر الذي ادى الى قرع ناقوس الخطر فيما اذا استمر نظام ما في اتباعها. اذن نحن امام حتمية التغيير مهما كان مستوى الرعب الذي يولده التنين داخل المؤسسات التربوية الكلاسيكية والتي بدورها عكست خوفاً داخل المجتمعات التي تتسم بنوع من التراجع وعدم مواكبة تطورات من منزلقٍ ربما يجرف ابناءهم الى الضياع.
يعتبر المفكر التربوي يانغ تشاو اول من حذر من ان المناهج والمعايير الوطنية والتي تفرض امتحانات صارمة لا تقدم للتلميذ بأحسن الحالات سوى معلومات تشبه الى حدٍ كبير الوصفات الطبية التي لا يمكن تغيير مكوناتها وعلى المختصين ان يستذكروا تفاصيلها الدقيقة لكي تكلل الوصفة بالنجاح. ان طرائق التدريس لهذا النوع من المناهج لا يمكنها تمييز المواهب بل حتى الموهوبون انفسهم لا يستطيعون اكتشاف مواهبهم وبالنتيجة سيظهر جيل متشابه من حيث المهارات مع مستوى ضيق من المواهب. ان التطور الذي شهدته مختلف ميادين الحياة، يضعنا اليوم كاكاديميين وتربويين امام مسؤولية اخلاقية للنهوض بواقع مؤسساتنا التعليمية وبذل الكثير من الجهود لأحداث نقلة نوعية في انتاجية هذه المؤسسات ليتمكن خريجوها من مواكبة المراحل القادمة التي تتطلب الكثير من الابتكار والابداع. للأسف الشديد لايزال تلاميذنا في العراق ولغاية يومنا هذا يتعلمون بنفس الطريقة التقليدية من حيث المناهج الكونكريتية الجامدة حيث يكلف التلاميذ بحفظها عن ظهر قلب ثم يؤدون امتحاناتٍ فردية، بأسئلة اعتاد التلاميذ على ان تكون من داخل المنهج حصراً اذ لا قدرة لأغلبهم بتطبيق نظريات المنهج على مسائل حقيقية يمكن ان يواجهها في حياته اليومية، وهذا يشير الى ان هذا النمط عبارة عن قالب يناسب الجميع. ان الاستمرار بهذا النمط من التعليم كان سبباً في تسرب الكثير من التلاميذ من المدارس لانعدام وجود الحافز الذي يشدهم الى المدرسة، والحقيقة هنا يتبادر الى ذهني سؤال لماذا يذهبون الى المدرسة اذا كان بإمكانهم ان يتلقوا نفس المعلومات من خلال متابعة YouTube مثلا؟ لماذا يحفظ التلميذ الحقائق لأجل تسميعها واستذكارها بالامتحان اذا كانت مليء راحة يديه؟ ان اهمية الحقائق والمعلومات في كيفية استخدامها وليس بمعرفتها وحفظها، يمكنني ان اقول ان مدارسنا النمطية فشلت في تعليم التلاميذ كيفية الاستجابة السريعة للتغيرات التي تطرأ بشكل مفاجئ وكيفية التعامل مع ما لدية من معلومات للتكيف مع هذا التغيير وما حصل مع ازمة كورونا شاهد ودليل على ضياع المؤسسات الحكومية التنفيذية والرقابية في الخروج الامن من الازمة والذي أثر بشكل سلبي على شريحة التلاميذ بشكل عام وتلاميذ المرحلة المنتهية بشكل خاص.
التعليم في القرن الحادي والعشرين
ان يولد الانسان في عصر التكنولوجيا امراً ليس باليسير، جيل ولد وبين يديه كم هائل من المعلومات. لقد اصبحت الاجابة على اصعب الاسئلة التي تتبادر الى اذهانهم لا تستغرق سوى بضع دقائق، يستطيعون تعليم انفسهم شتى الامور دون ان يبرحوا منازلهم، لذا فقد اصبح لزاماً ان يتغير نمط التعليم بصورة تكسب التلاميذ الخبرة اللازمة والثقة الكاملة للتعامل مع هذه المعلومات واستخدامها بذكاء لصالح المجتمع. لقد شخص خبراء التربية اربعة عناصر اساسية يجب ان يرتكز عليها نمط التعليم في القرن الحادي والعشرين وهي:
الابداع
التفكير النقدي
القدرة على التواصل
العمل التعاوني
وقد أكد الخبراء في مجال التربية والتعليم على اهمية ان تصهر هذه المفاهيم كلها ببودقة واحدة مع اي مادة علمية اساسية يدرسها التلاميذ كالرياضيات والادب والاجتماعيات وغيرها من العلوم لان ان تدرج كمواد دراسية منفصلة بل تعتمد كأساس في بناء اي منهج دراسي يعتمد انيا وضمن الخطط المستقبلية لتحديث المناهج الدوري. ان يتسم الانسان بصفة الابداع يعني ان يرى ما لا يستطيع ان يراه الاخرون. ان تنمية القدرة على الابداع تأتي من ان يتعلم الانسان كيفية ايجاد طرق جديدة لربط المعلومات المتوفرة بشأن مشكلة ما وايجاد حلول ابتكارية لها. التفكير النقدي يتعلق بالقدرة على تحليل تلك المعلومات للوصول الى جذورها ونقدها بطريقة منطقية. اما ما يخص القدرة على التواصل فمحوره الفهم الموضوعي للحلول بحيث يتمكن الانسان من مشاركتها مع الاخرين بوضوح. كما واكد الخبراء التربويون على اهمية العمل الفرقي الجماعي بإشارة واضحةٍ الى ان العبقرية تكمن في الجماعة وليس في تجميع العمل الفردي.
ان التغيير الحتمي لنمطية التعليم لا تقتصر على المناهج والبنى التحتية للمؤسسة التعليمية بل علينا ان نتذكر دائما ان تغيير ذهنية المعلم من ابرز العوامل التي تتحكم بنجاح عملية التغيير. ان نمطية التعليم في القرن الحادي والعشرين قد ساهمت بشكلٍ كبير في رفع العبء الاكبر عن المعلم وذلك بتحويل دوره الى ميسر، فلم يعد المصدر الوحيد للمعرفة بل العكس ربما نرى في بعض الاحيان ان التلاميذ يملكون معلومات ومعارف اكثر بكثير من معلميهم في بعض المجالات التي لا تقع ضمن اختصاص المعلم مما تجعله في حرجٍ كبير امام صفه. في ذات الوقت اقتضت تقنيات التعليم في القرن الحادي والعشرين ان يتسم المعلم بعدد من الصفات سنوجز بعضها في الاسطر التالية واهمها امتلاكه لبعد النظر الفكري وان يكون فضولياً تواقاً للمعرفة ويتمتع بمرونة في التعامل مع الطرق المختلفة لاكتساب المعرفة بدل من التمسك بقالب المنهج الحديدي. والاهم هو ان يكون محباً شغوفاً للتعلم يبحث ويتعلم طرق جديدة لتدريس مادةٍ ما فليس جميع التلاميذ يستقبلون المعرفة بنفس الطريقة وبنفس الاستيعاب، على سبيل المثال وجدنا ان اغلب التلاميذ ينفرون من مادة التاريخ ويعتبرونها مادة جافة وغير مرنة واغلب المعلمين هم من خريجو اختصاص التاريخ ويعرفون ادق التفاصيل بمادته العلمية ولكنهم لم يتعلموا كيف يدرسون التاريخ!
في بحث ميداني لطلبة المرحلة المتوسطة بمادة التاريخ الحديث بمشاركة 42 تلميذ تم تقسيمهم الى مجموعتين من 21 تلميذ، المجموعة (أ) درست التاريخ بالطريقة الكلاسيكية المعتمدة حالياً من قبل معلم ذو تأهيل اكاديمي تخصصي وذا خبرة تدريس ممتازة وحريص على اتقان ما موجود بالمنهج بشكل كامل ورصين، والمجموعة (ب) اصبحت تتلقى تعليم مادة التاريخ وفقاً لتقنيات القرن الحادي والعشرين وادى التجربة معلم ذو تأهيل اكاديمي تخصصي وحداثة في طرق التدريس.
النتائج
بما يخص المجموعة (أ)
يتكون الاختبار من ثلاثة اسئلةٍ سردية وسؤالين شبحية
تم انتقاء الاسئلة من محتوى الكتاب حرفياً
عدد التلاميذ الذين نجحوا بالاختبار 17 تلميذ
عدد التلاميذ الذين لم يتمكنوا من اجتياز الاختبار 4 تلاميذ
نسبة النجاح 80%
ارتفعت نسبة النجاح الى 85% بعد احتساب التقييم اليومي
بما يتعلق بالمجموعة (ب)
اشتمل الاختبار على ورقتين الاولى اختيارات والثانية الاسئلة التي تتضمن الشرح.
الورقة الثانية عبارة عن نص من اتفاقية مثلا سايكس بيكو او مقطع لحديث احدى الشخصيات التي ورد الحديث عنها بالمنهج. ثم يطلب من لا تلميذ مناقشة وتقييم المقطع او الحديث في ضوء ما درسه من دور هذه الاتفاقية من وجهة نظر الاطراف التي ابرمت بينهم وما تأثيرها على ما جرى من احداث تلت توقعها. يراعى ان تكون اجابة الطالب بصورة تحليلية لا سردية.
عدد التلاميذ الذين اجتازوا الامتحان 20 تلميذ
عدد التلاميذ الذين لم يتمكنوا من اجتياز الامتحان 1 تلميذ
ارتفعت نسبة النجاح الى 100% بعد دمج التقييمات اليومية.
عند استبدال نموذجي الامتحان بين المجموعتين تمكن تلاميذ المجموعة (ب) من اجتياز الامتحان بالرغم من عدم اجابتهم بشكل نصي كما موجود في الكتاب المنهجي ولكن بشكل عام تراوحت علاماتهم بين (70-84). لم يتمكن سوى خمسة تلاميذ من المجموعة (أ) من اجتباز الامتحان تراوحت علاماتهم الامتحانية (50-59)
تميز تلاميذ المجموعة (ب) بقدرتهم على استخدام كلماتهم في الاجابة دون استخدام طريقة الحفظ عن ظهر القلب والتقيد الحرفي بما كتب بالكتاب المنهجي.
لوحظ تشابهه بالأخطاء الغريبة التي وردت في الاجابات لتلاميذ المجموعة (أ) للدلالة على وجود محاولات لمشاركة المعلومات بالرغم من تنبيه التلاميذ الى ان الامتحان فرديا ولا يجوز مناقشة الاجابات اثناء فترة الامتحان.
تميز تلاميذ المجموعة (ب) بما يأتي :
دفاعهم عن طروحاتهم بالإجابة بثقة كبيرة معززين دفاعهم باستنادهم الى مصادر علمية موثوقة غير الكتاب المنهجي.
ازدياد التنافس فيما بين المجموعات الصفية وتحفيز رغبتهم بالبحث واصرارهم على صقل مواهب الكتابة لأجل ان تتميز مقالاتهم العلمية.
تكريس المفاهيم الاخلاقية التي يجب ان يتحلى بها النشيء كنبذ الغش وعدم استخدام عملية
( النسخ – اللصق) في مقالاتهم. تكريس، فضلا عن تعزيز روح العمل الفرقي التعاوني.
بناء قدرة في ادارة الوقت وتوزيع العمل البحثي فيما بينهم.
بناء اسس مفهوم الملكية الفكرية وعدم التجاوز على حقوق الاخرين.
التلميذ الذي لم يتمكن من اجتياز الامتحان كان بسبب ضعف قدرته على الكتابة حيث لوحظ انه كان يتمتع بقدرة جيدة على النقاش والاستيعاب اثناء الفعاليات الصفية.
التجربة مع المجموعة (ب) قد جسدت العناصر الاربعة الاساسية التي ارتكز عليها التعليم في القرن الحادي والعشرين.
التوصيات
ان التجربة الصعبة التي واجهة المؤسسات التعليمية في العراق منذ بدء العام الدراسي 2019-2020 أبان اندلاع احتجاجات تشرين ومن ثم الجائحة التي اجتاحت العالم ومعه العراق، حيث استطاعت دول العالم تجاوز الازمة باقل الخسائر في الوقت الذي خسر العراق تقنياً سنة دراسية على الرغم من محاولات القائمين على العملية التعليمية تدراك الامور بوضع حلول كلاسيكية تخرج المسؤولين من ازمتهم في مواجهة الشارع دون ان تكترث لمعايير التعليم والشهادة التي لا نرى ان احداً يسعى لإعادة رصانتها العلمية وفق المنظور الحديث. ان هذه الظروف جعلت من عملية التغيير في النظام التعليمي العراقي امراً حتمياً لكي نستطيع ان نلحق بركب التطور العلمي الذي يشهده العالم بشكلٍ متسارع وعليه نوصي بما يأتي :
ان النظام التعليمي كيان متكامل لا يقبل التجزئة فلا يمكن ان نشهد تطوراً اكاديمياً وعلمياً والاهمال يحيط بأحد جوانبه.
الاسراع بتأهيل وبناء المؤسسات التربوية الحديثة وتزويدها بكافة الامكانات التكنولوجية الاساسية للمرحلة الحالية والقادمة.
التغيير المتكرر للمناهج خلال السنوات الماضية لم ينتج عنه اي تقدم ملحوظ على الرغم من حداثة ما تحتويه المناهج.
الاهتمام بالمعلم وتطويره بما يتناسب مع العهد الجديد من حيث بناء قدراته ليتمتع بالمواصفات التي ذكرت انفاً في محتوى البحث.
يجب توخي الحذر في استخدام التكنولوجيا واعتماد التطبيقات التي تساعد على تحفيز ذهن التلميذ و نبذ تلك التي تزيد من الخمول والاتكال والكسل.
تأسيس مراكز تدريب متخصصة لكل مجموعة من المدارس الواقعة ضمن رقعة جغرافية ، مهمتها متابعة التطور الحاصل في طرق التدريس لكل مادة دراسية ومتابعة استمرار المعلمين في التحاق بالدورات التدريبية التي تقيمها تلك المراكز.
استحداث طرق جديدة للتقييم لا تشترط وجود امتحان مركزي تمكن المقيمين من الاستدلال على مدى استيعاب الطالب لمادته العلمية واهليته للنجاح بما يتوافق مع المعايير الدولية التي تعتمدها منظمة الاونيسكو.
من المؤكد ان منظومتنا التربوية قد فشلت في الاستجابة بسرعة لأي تغيير ممكن ان يطرأ على العالم، لذا ومن هذا المنطلق نؤكد على ان تكون الخطط الاستراتيجية المعدة لأحداث تطوير مستمر بالقطاع التعليمي بان تكون مدرجة ضمن البرنامج الحكومي بضمنها خطط للطوارئ في حال حدوث ما لا يمكن توقعه.

 

قيم الموضوع
(3 أصوات)