ardanlendeelitkufaruessvtr

استقرار الأمن قبل تفاهمات السياسة في ليبيا

بقلم محمد أبوالفضل أيلول/سبتمبر 14, 2020 95

 

استقرار الأمن قبل تفاهمات السياسة في ليبيا
محمد أبوالفضل
التوصل إلى حل حقيقي يقتضي منح الشق الأمني أهمية، فالتئام لقاءات هنا أو هناك تفتقر إلى مساندة كبيرة لن يؤدي إلى النجاح في التوصل إلى تسوية حار فيها المجتمع الدولي.
الأمن معيار الوصول إلى الاستقرار
سلكت البعثة الأممية في ليبيا مسار التفاهمات السياسية بين القوى المتصارعة، ونجحت في جمع فرقاء في المغرب وسويسرا، ولم تعترض على اجتماعات تعقد في القاهرة تصب في الهدف نفسه، وحققت جميعها نجاحا دبلوماسيا ظاهرا بدرجات متفاوتة، ونأت عن مناقشة التفاصيل الأمنية المركزية.
توجد ثلاث مدارس رئيسية لحل الأزمات المستعصية، الأولى ترى أن المدخل السياسي مناسب لتحقيق تقدم ملموس، والثانية تعتقد أن البعد الأمني يجب أن تكون له أولوية مطلقة، والثالثة تؤيد الجمع بين مسارات متوازية، سياسية وأمنية واقتصادية.
تغليب منهج لا يعني إلغاء الطريقين الآخرين تماما، أو تجاهل المحاور المهمة، ففي لحظة معينة تحدث تقاطعات حتمية، لكل منها مزايا وعيوب، يتوقف الاختيار على طبيعة الأزمة وأطرها المختلفة، والقوى الفاعلة فيها، وحسابات الداخل والخارج، وانعكاسات الإقليمي والدولي، وما إلى ذلك من عوامل تلعب دورا في لُب الأزمة.
حظيت هذه القضية بجدل كبير في ليبيا، وتراوحت تقديرات البعثة الأممية بين المدارس الثلاث، وخاض المبعوث السابق غسان سلامة معركة مع جهات تعلم حقيقة ما يجري في البلاد على الأرض، وحاول تبني المدخل السياسي كطريق يقوده للحل، وهي رؤية يتبناها التيار الإسلامي ومؤيدوه والمتعاطفون معه في ليبيا وخارجها.
تعديل دفة الحوار، ووضع الحصان أمام العربة، يفرضان البحث في ملف الأمن أولا، فهو رمانة الميزان في ليبيا، إذا اختل جزء فيه اختلت معه مجالات عديدة
توقف النقاش حول هذه الإشكالية مع إطلاق مؤتمر برلين الدولي الخاص بالأزمة الليبية، في يناير الماضي، الذي أقر ثلاثة مسارات متوازية، عسكرية وسياسية واقتصادية، وتم تدشينها فعلا ولم يسفر أي منها عن نتيجة ملموسة في الجولات التي عقدت حتى الآن، وكشفت جميعها عمق الفجوة وحاجتها لتنازلات كبيرة لجسرها.
وعدت ستيفاني وليامز رئيسة البعثة الأممية بالإنابة بضخ الدماء في المسارات الثلاثة، والعودة إلى مخرجات برلين، لكن الضجيج الذي أحدثه المسار السياسي وتعدد الجهات المشاركة فيه وجد أصداء طيبة لديها، شجعها على توفير المزيد من الدفع المعنوي، لتوحي بأن الأمور تحرز تقدما، ويمكن أن تحقق اختراقا على هذا المستوى.
بافتراض نجاح أحد الاجتماعات في إنجاز تفاهمات بين من جلسوا على الطاولة من قوى متنافرة، بشأن توزيع السلطة وإنهاء العُقد التي كبلتها طويلا، ما هي الجهة التي تضمن التنفيذ على الأرض، وهل أن من تحاوروا في أي من المحطات المعلنة يمثلون قوى وازنة في البلاد، وما هي الآليات التي تقود إلى التخلص من المنغصات الأمنية؟
تزخر ليبيا بعديد من القوى العسكرية، والميليشياوية، وأصحاب المصالح الاقتصادية، وكل منهم يريد الحفاظ على مكاسبه وتعظيمها، ولا تستطيع الأمم المتحدة، التي ترعى حوارات سياسية عدة أن تضمن تطبيق ما يترتب عنها في ظل التشابكات الراهنة.
هذا المقال ليس مهمته التفتيش في النوايا، لكن نظرة سريعة على ردود الفعل، خاصة بالنسبة لمفاوضات المغرب التي قطعت شوطا إيجابيا تشي بصعوبة الوثوق في ما احتوت عليه من تفاهمات بشأن التسوية النهائية، لأن هناك قوى أعلنت رفضها مسبقا.
خلت المناقشات من التطرق لأهم عنصر في الأزمة، وهو الوجود التركي وتركته الثقيلة التي جلبها معه، والموقف النهائي من الآلاف من المرتزقة والإرهابيين، لأن الوفد الممثل للمجلس الأعلى للدولة غير مخول أصلا بالبحث في هذه المسألة، التي تاه معها أيضا الحديث عن مصير الميليشيات، مع أنها تعد الجسم الأساسي في الأزمة، وتحطمت على أعتابها الكثير من المقاربات السابقة.
يبدو من يطربون لأولوية الحل السياسي كمن يضعون العربة أمام الحصان، ولا يلتفتون لما يسفر عنها من خلل واضطراب، فكل تفاهم يمكن التوصل إليه سيكون أفقه معدوما طالما بقيت الكتائب المسلحة مهيمنة على السلطة في طرابلس، فقد تغولت بصورة جعلتها تجارة رائجة يصعب التضحية بها بدون الحصول على أثمان باهظة، وترضيات مناسبة، وتطمينات حول المستقبل.
تجاهلت غالبية المناقشات هذه المعضلة – المفارقة، أو قفزت عليها ولم تمنحها الوقت والقدر الكافيين، فمن تحاوروا يعلمون الأهمية الكبيرة التي تمثلها الميليشيات لأصحابها، ومن يقفون خلفها ويواصلون دعمها، وهي مشكلة جوهرية تفوق كل المشكلات الأخرى، ما لم يتم البحث عن مخرج لها لن تبرح الأزمة الليبية مكانها.
يعلم كل من اقترب من الأزمة، أو حاول، ما تمثله العصابات المسلحة من تأثير، زاد مع تدفق حوالي عشرين ألف من المرتزقة السوريين وغيرهم، بمعرفة تركيا وقطر، هناك محاولات لصهرهم في النسيج الأمني لحكومة الوفاق، ومؤسسات رسمية تحت قيادتها، ما يجعل عملية التخلص منهم غاية في الصعوبة، وتحتاج إلى تكاتف جهود داخلية، وممارسة ضغوط خارجية، وقوة عسكرية موحدة تستطيع اقتلاعهم.
يمثل التغافل عن هؤلاء تسكينا وترحيلا مؤقتا للتسوية، ويشير إلى أن من يدفعون نحو الحل يريدون توصيل رسالة تفيد بأن العملية السياسية تمضي كما يرام، وهي حيلة تنطوي على مزيد من استنزاف الوقت واستثماره في تقنين أوضاع المرتزقة والميليشيات ضمن هياكل الحكومة الحالية لترجيح كفتها عندما تستأنف الجولة الجديدة من القتال، ولن تكون بعيدة، لأن الهوة ما زالت شاسعة.
يقتضي التوصل إلى حل حقيقي للأزمة تبديلا في ترتيب الأولويات، ومنح أهمية فائقة للشق الأمني، ويصعب تصور أن التئام لقاءات هنا أو هناك تفتقر إلى مساندة كبيرة وشاملة يؤدي إلى النجاح في التوصل إلى تسوية حار فيها المجتمع الدولي، لأن ما يكتنفها من تعقيدات أكبر من أن تفك شفراته في جلسة أو عدة جلسات جرت على عجل، وأعمق من محاولة كل جهة جذب الأضواء إليها.
تزخر ليبيا بعديد من القوى العسكرية، والميليشياوية، وأصحاب المصالح الاقتصادية، وكل منهم يريد الحفاظ على مكاسبه وتعظيمها، ولا تستطيع الأمم المتحدة، التي ترعى حوارات سياسية عدة أن تضمن تطبيق ما يترتب عنها
تجلت كل العناصر السلبية في الصراعات الإقليمية في أزمة ليبيا، ما جعل الأمن رأس الحربة الذي يجب توفيره لإحراز هدف حاسم، ويتسنى تنفيذ الاستحقاقات السياسية، فلن تتمكن أية حكومة أو مجلس رئاسي جديد من ممارسة العمل في ظل أصوات السلاح وانتفاء الأمن، ومستحيل تنظيم انتخابات على مستوى محلي وبرلماني ورئاسي، وسط الفائض المفرط في القوة غير النظامية.
بالغ من تباحثوا في المستقبل بشكل أنساهم أن الأمن معيار الوصول إلى الاستقرار، وسعوا إلى الالتفاف على هذه الحلقة لتخطي مراحل سوف تطاردهم لعناتها وتحرقهم نيرانها جراء التداعيات الناجمة عنها، فاستمرار وجود تركيا بالطريقة التي رسمتها يعني رهن المستقبل بها وبكل أعوانها، وهو ما ترفضه الغالبية من الليبيين.
تعديل دفة الحوار، ووضع الحصان أمام العربة، يفرضان البحث في ملف الأمن أولا، فهو رمانة الميزان في ليبيا، إذا اختل جزء فيه اختلت معه مجالات عديدة، الأمر الذي يتطلب إعادة الاعتبار إلى توحيد المؤسستين العسكرية والشرطية، وتنقيتهما من المنتسبين إليهما زورا وبهتانا، فهما المفتاح في حالتي النجاح والفشل.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)