ardanlendeelitkufaruessvtr

لاموني اللي غاروا مني

بقلم الحبيب الأسود أيلول/سبتمبر 18, 2020 112

 

لاموني اللي غاروا مني
الحبيب الأسود
مهما يكن من أمر، فإن الأغنية ستبقى خالدة، ومعبرة عن مرحلة من تاريخ الفن التونسي، وكذلك عن تجربة كل من مؤلفها البشير فهمي وملحنها ومؤديها الهادي الجويني.
الجويني.. أسطورة الأغنية التونسية
ربما لم تعرف أغنية تونسية انتشارا واسعا على الصعيد العربي بعد "جاري يا حمودة"، كما عرفته أغنية "لاموني اللي غاروا مني/قالولي إيش عجبك فيها/جاوبت اللي جهلوا فنّي/خوذوا عيني شوفي بيها" التي تم تسجيلها لأول مرة في العام 1955 بصوت ملحنها الفنان الكبير الهادي الجويني، وانتشرت محليا عبر الإذاعات مع بقية أغانيه وخاصة تلك التي تأثر فيها بالموسيقى والمقامات الإسبانية، حيث أنها كانت في مقام الكرد على نمط الفلامنكو، لكن انتشارها على الصعيد العربي كان في تسعينات القرن الماضي عندما أعادت الفنانة مليحة التونسية تسجيلها وصورتها في سوريا وتم بثها على عدد من الفضائيات، ومع رواجها اختطفها فنانون آخرون وقدموها في حفلاتهم ونسبوها في أحيان كثيرة إلى التراث غير معلوم الصاحب.
وهذه الأغنية من كلمات فنان ليبي شامل من سوق الجمعة بطرابلس وهو البشير فهمي (ولقبه الأصلي فحيمة) الذي كان يؤلف ويلحن ويغني ويعزف على عدد من الآلات الموسيقية وخاصة العود، كما كان يرسم ويكتب للصحافة والمسرح وينتج الأسطوانات عبر شركته "فهمي فون"، ويجيد عددا من الحرف اليدوية التي عادة ما يلجأ إليها كلما كسدت سوق الفن.
والبشير فهمي من مواليد العام 1907 وقد دفع به عمل والده كقاض إلى التنقل وهو صغير في أغلب مناطق ليبيا ما جعله يطلع على تراث القبائل والأنماط الموسيقية والغنائية المنتشرة في البلاد، غير أنه عرف أوج نشاطه في تونس التي هاجر إليها في أواخر العشرينات فارّا من الملاحقة القضائية بسبب قصيدة هجا فيها موقف مفتي طرابلس آنذاك الداعم للاحتلال الإيطالي وخاصة من ملف التجنيس، ولم يعد إلى وطنه إلا بعد الحرب العالمية الثانية حيث واصل أعماله وترأس قسم الموسيقى بالإذاعة وتوفي في العام 1972.
وكان له عامود شهير في الصحف تحت عنوان "الطير اللي يغني".
وقد كان للبشير فهمي دور مهم في تكريس لون فني جديد بتونس في الوقت الذي كان فيه هذا المجال يكاد يكون حكرا على اليهود وأغلبهم كذلك من الجالية الطرابلسية، وقدم عددا من الأغاني من بينها "لاموني" التي تتحدث عن تعلق الشاعر بسيدة زنجية، فعندما نتأمل كلماتها نكتشف أنها لا تخلو من منحى عنصري كان سائدا زمن كتابتها، حيث يصفها بـ"الخادم"، وهو الاسم الذي كان يطلق على المرأة ذات البشرة السوداء بمعنى الأمَة، ويتهم لائميه بأنهم يغارون منه، لأنهم لا يفهمون طبيعة العلاقة القائمة بينهما، بل ويتجاوز الغزل العفيف إلى الشهوة الجسدية المفضوحة عندما يصرح بنص الكلمات «مسحور وعاشق في بدنها" والبدن في قواميس اللغة ما سوى الرأس والأطراف من الجسم لكنه هنا بمعنى الجسد، وفي بيت آخر يقول "سمراء غنى عليها العالم والعالم كلو شاهيها» بمعنى الشهوة الحسية المعلنة.
الحقيقة أن أغلب من يرددون الأغنية إنما يفعلون ذلك من باب الإعجاب باللحن والإيقاع وبالجملة المفتاح في طالعها "لاموني اللي غاروا مني" ثم "خوذوا عيني شوفوا بيها"، ولكن لا أحد من الأشقاء العرب وخاصة في المشرق والخليج يفهم ما معنى الدوة (كثرة الجدل) أو يزّي (بمعنى يكفي وأصلها يجزي ولكن سقط منها حرف الجيم) فتم تحوير الكلمات حيث وجدتُ من يقول "وأنا كل عمري فداها" بدل "وأنا كالحوتة في ماها" والحوت عند أهل المغرب العربي هو السمك، و«قلت لهم محروم من جوا» بدل "قلت لهم يزيو من الدوة" وهي تحويرات أطاحت بالمعنى الحقيقي وأفسدت تجانس المفردات المعبرة عن خصوصية اللهجة الأصلية.
ومهما يكن من أمر، فإن الأغنية ستبقى خالدة، ومعبرة عن مرحلة من تاريخ الفن التونسي، وكذلك عن تجربة كل من مؤلفها البشير فهمي وملحنها ومؤديها الهادي الجويني.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)