ardanlendeelitkufaruessvtr

"من ذاكرة الصور" صبا مطر بين حربين

بقلم الناقد هاشم مطر أيلول/سبتمبر 26, 2020 100

الناقد هاشم مطر

 

عندما يكون هاجسنا الفعل الإنساني المشترك تتجاوز روآنا نبض العروق القريبة وتتعداها الى منابع أكثر وفرة. وهي كذلك في حقل المشتركات المفرحة والصارخة بألمها على حد سواء. فمهما اختلفت دوافعنا بسبب نوع الثقافة، وإحساسنا بأنها تشكل مداخل مختلفة لفهم المشكلة، إلا أن مصداقيتها تحيلنا الى نوع من المقاربة بل الى العام الجوهري الذي يربط البشر بنسيجه الحسي إضافة الى مصدر الألم ذاته أو حتى المفرح. 

وطالما نحن بصدد مطبوع أدبي للكاتبة صبا مطر (من ذاكرة الصور) وهي رواية صادرة عن دار فضاءات 2020، فأن خزين المشتركات، بين شعوب استسلمت الى ذات التجربة وهي الحروب وأهوالها، ومن ثم نتائجها، خصوصا النفسية منها، يقدح بأكثر من لهب ليس ليضيء عتمة بل ليشعل ما تبقى من روح ذليلة لم يتركها حتى تصبح رمادا. 

والسؤال هل أن الأهوال التي صنعتها الحروب تكون آثارها النفسية تفعل فعلها حتى بتغيير الأمكنة وسيادة ثقافة كثر الحديث عنها بأن أصحابها يعيشون رخاء مجتمعات تجاوزت عقديتها وامتثلت الى رفاهيتها؟ وهل أن في بدائع طرائق الحياة الجديدة ما يلهي البشر عن التفكير بمصائر بأثر رجعي، حتى من قبل أجيال أخرى لم تحضرها؟، أو أنها على أقل تقدير تعيش حاضرا مختلفا تماما عن سواد الحروب وذلها وخرابها؟ فماذا فعلت الحروب بالإنساني المهيب والعقل البارع المنتج؟

هذه الأسئلة سنستخدمها كمدخل لسبر عالم الروائية صبا مطر، وضمنياً ستأتي أسئلة مواربة أخرى تقع على ذات الدرجة من الأهمية لنرى كيفية اشتغال الكاتبة على موضوع أصفه بالمغامرة، ليس لأثارته لكنه يتصدى الى حقل معرفي ضيق جدا وخاص حتى يقترب الى حد بعيد من البحث السيولوجي وحتى النفسي وحجم الارتدادات وردود الأفعال واشتغالها اللاواعي وغير المنضبط أحيانا. 

 

اختارت صبا تقنية مناسبة للحالة/الحالات التي هي بصددها، وهي تعدد الأصوات مع غياب أو تغييب الراوي، وبذلك هي تفعل سلطة الرقابة الذاتية للأبطال وأهمها ياسمين التي هي عمليا تروي روايتها وتحاول رمي أثقالها لتتخلص من عبئها، سيما وأنها تعيش واقعا مهجريا أو بلدا/ بلدانا بديلة لوطنها الأم الذي سبب لها بحروبه العشوائية معاناتها فشكّل لها صدمتها الأولى منذ طفولتها. حتى وضعتها الصدف في لقاء مع أناس حفرت فيهم آثار الحرب، بطريقة أو بأخرى، فجعلتهم ينزفون حياتهم ويتقيؤون الآلام حتى النهاية. والسؤال الأول هو كيف تتقارب الثقافات المختلفة من إيجاد نسيج تعبيري مشترك بينها، سيما أن البطلة ياسمين هي من منشأ آخر ولها محمولاتها العقدية المعاصرة على نقيض الذين التقتهم، وأصبحوا أصدقاءها، حتى منهم من لم يعاصر الحرب ولم يشهدها واقعا، كما ويبدو الأمر نوع من الموروث التاريخ-الجغرافي. ثم عن الطاقة التعبيرية الكلامية لتسدي كل هذا القرب بين ثقافتين مختلفتين أو أكثر؟

هذه الإحالات وجدت لها الكاتبة  مخرجاً من أولى الصفحات بعد لقائها بأول شخصية عقدية وهو ديفد يورنسن أستاذ الفن ومادة اللغة الألمانية في مدينتها كولنك الدنماركية قبل انتقالها الى كوبنهاكن. تقول: «اعترف بأنني لم افهم شيئا من كلام ديفيد، رغم أني أومأت له بإشارة من رأسي علامة على الموافقة..»، وهو يحدثها عن كيفية تلقي الإنسان للأشياء باختلاف العمر والزمن. هذا الأمر قاد ياسمين الى التعرف على شيء استدلالي مثير يتعلق برائحة الأشياء. يحضرني هنا ان صانع العطور لا يشمها بل يتخيلها، كذلك الإنسان العصابي من جهة أخرى، يشم الروائح ما إنْ يرى شكلها فحسب! ترى أي منهم كانت ياسمين التي شمت رائحة ديفيد فوصفتها برائحة الدمى البلاستيكية، كذلك روائح الأمكنة «.. أقول هذا لأعبر عن سعادتي بعودة إحساسي بالروائح، وتحديدا فوق هذا الجسر العظيم الذي اسميه من الآن فصاعداً بجسر الحياة». وهي تعبره الى مسكنها الجديد قادمة من جزيرة يولاند التي سكنتها في مدينة كولنج لمدة تزيد على العشر سنوات، والآن الى جزيرة شيلاند في مدينة كوبنهاكن. أما عامل الزمن فعلى ما يبدو أن الكاتبة وضعت شخصيتها الرئيسة ياسمين على مسافة منه منذ البداية فهي لا تعنى به، حيث المسافة التي حررت طاقتها وذكرياتها لم تتجاوز الساعتين والنصف بين الجزيرتين. ترى بماذا اختلف الأمر زمنيا! أقول هنا إنَّ ياسمين كانت بحاجة الى متغير طفيف يوخز ذاكرتها، وليس بالضرورة الى حدث كبير لتدلق بصورها أو بقاياها على بحر كبير يفصل الجزيرتين، وهو جواز رمزي واستبدال ذكرياتي لما ستتذكر. 

 

تعرفنا الكاتبة بصفة بطلتها ياسمين منذ البداية، بأنها سكنت المانيا وانتقلت منها الى الدنمارك لأسباب تتعلق بطبيعة عمل زوجها المتنقل. وبذلك هي تعلمت اللغة الألمانية على يد معلمتها فراو تسيمرمان، وهي الشخصية الثانية التي ستقف على ذات الأهمية كما ديفيد أستاذ اللغة والرسم في الدنمارك. وعلى ما يبدو فأن لبساطة شخصية تسيمرمان وقع جعلها بهذا القرب من ياسمين، أو على نحو متبادل، بدءًا من أحاطتها ياسمين بأسرار تعلم اللغة وفتح أقفالها ككرة مبهجة الألوان وصناديق ملونة تفتحها. 

وعلى نحو خاص تواصل الكاتبة مطر تقنيتها الكتابية، بعد إشارات عن الجو العام الذي سيكتنف الرواية وأحداثها، بتقديمات جاءت على نحو فصول، وفروع فصول منفصلة، فتكون كتعريفات أساسية للشخصيتين ديفيد، وفراو وكلاهما مدرسا لغة المانية ومن أصول المانية باختلاف المكان والثقافة بين المانيا والدنمارك. 

يظهر ديفيد كشخصية متعصبة لمفاهيمه الإنسانية وميله الى رؤية نقدية مجتمعية وثقافية رافضة بعض الشيء، ومتوارية خلف شخصية ستينية هادئة لا تعنى بالحركة، ولكن يمكن تفجيرها بأول اشتباك حتى مع طالب لغة شاب من طلبته. وربما في هذا ما يفسر نزوحه للانطواء والاعتكاف، وردود فعله كأن «يهم بجمع أوراق درسه بطريقة انفعالية ليغادر». هذا ما أفادتنا به الكاتبة منذ البدء وهي تتناول سيرته بإشارة استباقية، كما بدايتها على مفرق طريق في محطة قطار مع صديقتها اليزابيث التي ستأتي لاحقا. بمعنى إن الكشف الروائي اتخذ لدى صبا مطر منحىً تأمليا وليس في بنية كلاسيكية محضة. وهي تعنى بتحرر نصها وتقدم مادته ليس على نحو إثارة وانتظار بقدر ما هو فرصة أو فسحة تأملية كما ذكرنا. سنعود نقديا الى تناول هذا المبحث في موقع آخر، كهضبة نصية، وهي تقنية نصية للأسف لا يجيد التعامل معها الكثير من الكتاب، فوجدتها في جهد صبا فرصة للوقوف على بعض مفاصلها.

من جانب آخر شكلت ردود فعل الأستاذ ذو الرائحة البلاستيكية لدى ياسمين نوعا من التعشيق والمقاربة فـ«توطدت منذ تلك الحادثة صداقتي بديفد. واعترف أيضا بأنني تلمست منذ ذلك اليوم الشبه بين شخصيتي وشخصية الأستاذ...». هذا الانزياح فسر الى حد كبير طبيعة العلاقة الصداقية التي ربطتها بأستاذها، فهنا اختصرت الكاتبة أو بالأحرى ضيقت الفجوة التساؤلية بأن كيف يحدث ذلك ولماذا؟ 

بالمقابل كان لعلاقة ياسمين بمعلمتها في المانيا فراو تسيمرمان، التي أهدتها قلادة بنجمة فيروز زرقاء، جعلت ياسمين تتحسسها في كل مفصل يحتاج لطاقة ما، جذر آخر يختلف عن علاقتها بديفيد. فهي كما أسمتها «ابنة الحروب» التي فقدت ثقتها بالحياة فأصبحت «بأمس الحاجة للإيمان..» بها من جديد، حتى اهتدت الى عالم الأحجار الغريب الذي آمنت بقوته ومنحه تلك الطاقة لتعيد لها توازنها بعد أن أفقدتها الحرب "الحرب العالمية الثانية" وآثارها علاقتها بواقعها وحتى ذاتها. 

نعتبر ذلك ضربا من الإحالة النفسية التي اكتفت الكاتبة بالإشارة الضمنية له ولم تتعمق به، وهذا ما يضاف الى تقييمنا الإيجابي للعمل، ذلك أن مهمة الرواية هي غير مهمة الخوض بعمق تخصصات ربما ستحدث خللا في حال الإيغال بها. وربما سائل يسأل: أن هناك الكثير من الروايات التي دخلت هذا الحيز؟! فأقول إن الناجح منها من استطاع كاتبها من التعامل مع الحدث بصفة الظاهرة والنتيجة وانعكاساته العقدية وليس بفروض مرضية سريرية. وما يهمنا هنا هو نتائج الحرب من هدم ليس للحجارة فحسب وإنما للنفوس أولا، ثم درجة الغلبة في تحويل الهزائم الروحية والنفسية الى نجاحات كما يستفيض عن هذا الأمر د. فرانكلن في كتابه «الإنسان يبحث عن معنى». وهو كتاب ثمين يكشف بقرب وتجربة شخصية عن آثار الحرب المدمرة للذات الإنسانية. 

 

وفي هذا المناخ، أي المناخ التدريسي في احدى مدن المانيا "فورتسهايم"، تُعرفنا الكاتبة من خلال شخصيتها الرئيسية ياسمين على احدى زميلاتها، صديقتها ميلاد، التي هي الأخرى واحدة من ضحايا الحروب فتقرن حروب بلدها المستمرة، الذي هو العراق، بما أنتجته حرب بلاد أستاذتها فراو تسيمرمان قولها «لا أراها تقل ألماً وبشاعة عن التجارب التي مررنا نحن بها منذ عهد قريب.  فيما ستكشف الكاتبة تباعا درجة تعلق ياسمين بصديقتها لاعتبارها مرآة حياتها وتجربتها التي أثقلتها الحروب ذاتها. للحد الذي كان لغيابها واختفائها أثرا كبيرا على ياسمين. سيما أن لميلاد بقايا أسرة في العراق هي أمها التي ترفض مغادرة بلادها واختها مارتا التي ترفض الزواج. وبذلك ستوسع الكاتبة من حقل مشغلها لتقطف منه ما تراه خادما لفكرة الراوية المتعلقة بجانبها بالحرب ونتائجها. وهذا ما سيمكّن الكاتبة من الوقوف على أحداث واقعية حصلت بعد التغيير واشتداد الطائفية والإرهاب وعلى وجه الخصوص، تلك التي استهدفت المسيحيين ودور عبادتهم والتي ستقتل في واحدة منها الأخت وتقعد الأم بتفجير كنيسة النجاة كحادثة واقعية مرعبة. كذلك الحال بالنسبة الى شخصية خادمة أخرى هو جارهم (أبو هاني) في المانيا الذي عاد بعد التغيير بصحبة عائلته بزيارة الى بغداد ففقد عقله بسببها بعد أن فقد عائلته بتفجير إرهابي. 

من الملاحظ أن الكاتبة صبا مطر تجيد الى حد بعيد التقديم التقني للحدث، فهي لا تدفع به الى الواجهة على نحو مقحم، بل تضخ سرديا الرؤيا التوسعية الأفقية، والبنائية العمودية للنص. وبذلك سيكون نصها أكثر إقناعا واشد متانة من حيث السرد الذي سيتنوع بتنوع الحكايا والمفاصل المهمة من الرواية، وحسب أهميتها وعلاقتها بالمادة الأساسية وهي الحرب ونتائجها كما أسلفنا.

 

في جو انتقالها الى سكنها الجديد في كوبنهاكن تضغط على ياسمين حزمة ذكرياتها، وهو الأمر الذي فرضته البومات الصور، فتظهر ميزة أخرى لعلاقة عصابية مشتركة لذهنيتين وبيئتين مختلفتين بينها وبين أستاذها في اللغة ديفيد، الذي أوحى لها بفكرة تنسيقها للصور على نحو جدار كما فعله في بيته وشاهدته بنفسها في وقت سابق. فعلى ما يبدو أن ضحايا الحروب يتمسكون بإرثهم من الذكريات على نحو يخافون هروبه ويهابون نسيان وجوه من عاشروهم وشاركوهم رحلتهم في الحياة، أو أنهم على وشك فقدان أكبر. للحد الذي أودى بياسمين ألا تجعلهم «يتعارفون فيما بينهم»، وفي هذه العبارة نجد مقدار التخوف من طفوح الأذى بنسب تبادلية قد يفيض على التحمل فيستعصي احتواءه!. 

ومن ذات الجدار نفسه تقدم صبا شخصيتها الأخرى صديقتها "اليزابيث" التي صاحبتها قبل انتقالها الى كوبنهاكن، حيث ستنظم الى أبطال روايتها بقصتها الغريبة والتي سيصعب تبرير عقديتها على نحو ظاهري، من غير الإمساك بمفاصل مجتمعية قد لا تكون بمنال القارئ، لكننا سنتناولها من جانبها الإنساني المعتم والضارب الى القسوة في درجة عصاب ينحو الى الجريمة اكثر من أي أمر آخر. وهنا نكشف عن بداية الرواية لصبا مطر بأن بدأتها مع اليزابيث بمفترق طرق للقطارات استقلت كل منهما طريقاً معاكساً بعد فك اسر النص لعقدته وتخليه عن احدى ذرواته.

 

لنعود قليلا الى التقنية التي استخدمتها الكاتبة كقفزات تشبه قفزات أيّل جبلي شمالي إسكندنافي، وسنقوم بذات الفعل تباعا، فقد اختارت حرية نصها على وفق تداخل وتوزيع يضمن أناقة السرد الماتع ودرجة تشبعه بومضات الألم والذكرى والمقارنات بين واقع أبطالها وحياتهم في بلدهم الأم، وخصوصا بطلتها ياسمين، ثم تعود بنا الى بيت هجرتها الأول مع عائلتها في الدنمارك. بحيث تستخدم المؤثرات الصورية للقياس كالأشجار والشمس والدفء بمقارنات تعتبرها خسارات كبيرة لم يتم اكتشافها «إلا بعد فوات الأوان». ومع هذه التقنية ما يزال الضخ لاصطحاب شخصيات جديدة، عقدية المظهر، قائما بحيث تظهر تلقائيته من بنية نسيجها الروائي وليس مقحما أو تحت وقع الإفادة من ظهور شخصية بحد ذاتها. وهذا ما نؤكد عليه كنمط محدث عما بدأته الكاتبة العالمية فرجينا وولف قديما بتخليها عن نظام التسلسل الروائي وتنزيل الأحداث تتابعا كما كان قائما آنذاك. نقول هذا من باب أسميناه حرية النص، ذلك لمقدار سماحته السياحية التأملية وإسدائه فرصة  لكسر الرتابة، ولكن ننبه الى خطورة استخدامه من حيث الإرباك الذي ربما سيحصل ويؤخر متابعة القارئ للنظام الكتابي إن لم يدخله الكاتب في بنية النص أصلا، والمتعة أيضا. 

في هذا الجو تُدخل الكاتبة شخصية مساعدة هو فليمنك جار ياسمين، المعماري البارع في وقت من الأوقات «الذي ينسى اسمه كثيرا»، بل تفاصيل حياته برمتها، والذي حضر للترحيب بجيرانه الجدد. فأوعزت ياسمين سبب زيارته الى «النسيان الذي جعل هذا الرجل غير مكترثٍ بأشكالنا كوننا غرباء عنه...». وفي هذا الماعة الى الهدوء الإسكندنافي والتريث بالقرب من الوافد الجديد لبلدهم، برغم الحفاوة الفطرية.

وهنا تتوجب الإشارة بأن صبا تعرف ماذا تفعل فكل شخصياتها الرئيسية والمساعدة لها سياق مختلف عن الأخريات بتنوعها وردود أفعالها، ولكنها تجتمع بعقديتها وميراثها المؤلم، وبذلك تنخفض نسبة انتمائها الوجودي، بسبب تعلقها بدرجة انقباضها بالعامل الإنساني المشترك المتصف بالتأثر المباشر من منتج العصر بكل صنوفه الكئيبة والمحبطة، والأشد قتامة: الحرب؛ حتى وان أصبحت ذكرى واختفت ملامحها في بعض المجتمعات وتجاوزتها. لكن (منجزها) أسدى تشظيا ملموسا في ذات الإنسان المتحسس لجمال الأشياء وتصوراته بدونها! فليمنك المعتكف في كهف نسيانه ولا يرى من جدوى للحياة برمتها، لكنه يجد في زهور حديقته عالمه الوحيد الذي يفيض وداعة وما عداه هو كذبة «اشعر انني أتلاشى ببطء عن هذا العالم...»، ولم ير حتى في اسمه أهمية تذكر، ويحبذ الموت بين زهور حديقته حسب.

أما اليزابيت التي تبدو متفائلة وقوية ولها فلسفتها التي ترى الحياة من خلالها على نحو تدريجي متراكم يزيدها التقدم بالعمر عنفوانا وأكثر رشدا، فهي تبدو كذلك «منطقية» حسب تعبير ياسمين، لكنها على ما يبدو تخفي عالمها المعتم الذي سنتعرف عليه في فصل لاحق. وما يهمنا هنا هو السياق التكويني الذي نبّهت عليه الكاتبة بقول ياسمين «كيف لها أن تكون بهذا الهدوء وهذه البرودة، وانا مثل بركان يغلي الى جانبها» حتى استنتاجها: «كنت اشعر بأنني وهذه المرأة الغريبة الأطوار نقف على ضفتين متوازيتين لا تقتربان من بعضهما إلا في مواضع قليلة جدا، لكنها مهمة».

وعلى كل حال فأن الكاتبة تضع تلك النقائض كما فرصة للانقضاض على فريسة واحدة، هي كيف يجري التعامل الثقافي المحمول طبيعيا والموروث اجتماعيا مع الظواهر والملابسات، فيكون الحمل لها من قبل الوافد الجديد كأعباء لا يتخلص منها، بل تشكل منظورَ تعرفه على الأشياء الجديدة، في وقت نرى فيه تعامل الأشخاص ممن تبدو الانثيالات الموجعة عليهم يتماهون معها بصورة تبدو باردة لكنها تتفجر في لحظة واحدة فقط.!. 

ولتوضيح هذا الأمر نستعين بتركيبة غريماس "سيمائيات السرد"* حيث يعقد المقارنة التالية: الإرادة—المعرفة—القدرة ثم إنتاج الفعل، حيث يخلص الى «أن هذه المتتالية المركّبية، المحددة خارج الإطار الصوري للملفوظات الناقلة، إي بدون اعتبار العوامل المتضمنة، تسمح، قبلاً، بتدقيق طبيعة العلاقات بين نمطين مختلفين من الإنجازات...» ولكي لا نزيد الأمر تعقيدا فأن جو الانقباض الداخلي هو غيره الخارجي، وعليه فأن الفعل الذي هو نتيجة لنواقل الإرادة والمعرفة والقدرة، لا يمكن الحكم عليه من حيث الشكل بأي حال من الأحول، لذلك سنجد التحولات الحقيقية في شخصية اليزابيت هو غيره ظاهريا. وربما بتساؤل ياسمين نجد ما يفسر ذلك «لماذا لا تحدثني بعفوية كما أحدثها»؟ فتجنح الى استذكار محدد «صديقتي العزيزة على قلبي ميلاد التي لا تغنيني عنها أي صديقة أخرى». 

 

في وقت تبقي الكاتبة مطر على أولوياتها بالإبقاء على التقديم مع ضخ مناسب لأي حدث حاصل وسيُروى على سبيل الإفصاح عنه في وقته، فتأتي محاولاتها استنطاق اليزابيث كعامل مؤجج بأثر رجعي وكأنها توجه أسئلتها لنفسها لتستنطق حكايتها، فيما تكتفي اليزابيث بقولها «ستعرفين يا عزيزتي ياسمين كل شيء في وقته المناسب...» وبإشارة منها لما ستكشف عنه لاحقا عن الأخطاء ذات الأثر القاتل في حياة الإنسان بأنها «على درجة من الضخامة والفظاعة ولها القدرة على تدمير حياة الإنسان اللاحقة بشكل كامل دون أن يكون مدركا لذلك».   

اليزابيث التي تعرفت عليها ياسمين صدفة في بيت للنشاطات في جزيرة يولاند مكان سكنها القديم، تضيف كاشفا جديدا الى شخصيتها بإيمانها بأن كل شي مرتب ومقرر في الحياة، بل «نكرر عيشها بعد أن عشناها في وقت سابق...» ربما كتخفيف للأثر الذي تركته الوحدة بعد ممات زوجها يانس واستقلال أولادها، ثم تعرفها بوقت على اندريه الذي قرر الاختفاء من حياتها «...من دون أن يوضح لي أسباب قراره». وتحت وقع الحاجة لملء فراغ لكل منهما، ياسمين واليزابيث، أصبحتا صديقتين على نحو استثنائي برغم «الفوارق الشاسعة بيننا ورغم الروائح المرة والباردة التي كانت تهب من وجودها كله، إلا أن الوحدة قد تبددت بوجودها» تقول ياسمين وتتابع في موقع آخر «تلمست حاجة إليزابيث الأكيدة إلى دون حاجتها للبوح بذلك»، فتعود للمقارنة التي تكررت على مدار النص بالحميمية والروائح الدافئة لصديقتها ميلاد، التي اختفت فجأة. 

 

من الملفت لدى صبا مطر هو التعشيق الدرامي والانسيابي في البنية النصية السردية فهي لم تأخذ الأحداث بصفتها المجردة، وغالبا ما نراها تكون على نحو أسئلة محرضة تذكّرها بوقت محدد، أو أشخاص عقدت مصائرهم الحرب في بلادها. فمثلما كان للشخصيات الغربية التي التقتهم رائحة مميزة، كان تقابلها روائح من بيئتها، ومقابل الوجود الحركي لمدينة ناهضة بثقافتها الآن كمدينة فورتسهايم الالمانية التي أزيلت من الوجود تقريبا في زمن الحرب، تكون كذلك مدن بلادها تنوء تحت ظرف مشابه. ثم تعقد الكاتبة المقارنات الضمنية الكفيلة برفع النص الى قيم متوازية بين بيئتين، فيما يكون المسار النصي يتصاعد على نحو مارثوني غير باحث عن نهاية محددة، فهو ما زال فتيا. وفي هذا الجانب تحديدا تقفز مشاهد غائبة للوجود على نحو استذكاري مريع في كل من المانيا فورتسهايم وبلدها الأم «كنت لأجل تلك الحقائق المفزعة التي عرفتها، أتخيل نفسي أسير فوق أكداس من الجماجم وهياكل عظمية مطحونة، لبشر أحرقتهم الحرب...»، «وأدركت بأنني والملايين من أبناء شعبي سرنا أيضاً، وما زلنا نفعل فوق تراب صنعته جثث المدفونين...»٧٨

 

وفي فصول روايتها، وحسب ما وعدنا بأننا سنلاحقها ونحاول وصل نسيجها بعضاً ببعض، ذلك لتسهيل الرؤية النقدية، كذلك بالنسبة للقارئ، تقوم الكاتبة، بل تواصل ذات العناية بالشذرات المرفقة أقول عنها مفاصل برقية مختارة عن سيرة أبطالها، مضافا لها انبثاق شخصيات خادمة أخرى. حقيقةً، والإشارة هنا نعقدها لأننا نخشى على المعنى العام أن يتسرب لما بعد هدف الكاتبة بالكشف عن آثار الحرب، لكننا نجد في الشخصية الجديدة فراو فاليرو العجوز الطيبة أثرا آخر بالقطيعة التي أحدثتها الحرب. فما تبقى لها في هذه الحياة كلب صغير تدفعه بعربة طفل لـ«حاجتها إلى من يزيل عنها بعضاً من صدأ الشيخوخة بكلب صغير تقمص دور المفقود أو المفقودين في حياتها»، إضافة لشدة الوحدة الموحشة. ترى هل ستتمكن المدنية الحديثة من إزالة أثار الحرب، ثم اذا ما انقرضت أجيالها فهل ستعاني الأجيال الجديدة من آثار أخرى حتى وان بعدت عن أوطانهم؟ ثم كيف سنتعامل مع امر كهذا فنيا؟.

 

نفهم من السياق المتدفق للكاتبة أن أسئلة من هذا النوع تلك التي ستفجرها الإحالات لابد أن تجد الإجابات عليها، كذلك ضمنيا، بسبب الحصار الذي فرضته الكاتبة بتوجيه نصها نحو هدف واحد. فهنا الكثافة الإيحائية تكون اشد وقعا من التمدد الأفقي، ناهيك عن نهوض النص عموديا مما سيتيح لملكة الكاتب رؤيا تأويلية كتابية وتأملية أكثر تحرراً واقل اشتراطا واكثر وقعا كما رأينا في فكرة الكلب الصغير الذي تقمص دور المفقود بمشهد إيحائي كبير، بل باهر التأثير. فنكتفي بهذا الاستطراد حتى وان رغبنا بالاستزادة السردية واستطالة الحبكة كأحداث. لكن الأمر المدمج بالإحالة في الشخصية العابثة العجوز والتائهة بين اليقظة والحلم، تتكشف في فصل آخر بعد كشف انثيلاتها بل عبثية حياتها، بأنها الوحيدة التي انتشلوها من بين الأنقاض وهي طفلة فيما مات جميع افراد عائلتها وبقي «وجودهم في عقلي عبارة عن حفنة من الدخان»، هكذا تحكم قولها تعبيرا عن الفقدان والوحدة معا. وعلى نحوه نجد عددا من الوحدات النصية المهمة للكاتبة.

 

وعلى نحو مدمج بالحالة ذاتها تقوم الكاتبة بصفة بطلتها ياسمين وهي تحيل أسئلتها بعناية الى شخصية الرواية الأخرى ديفيد بأن: «كيف لديفيد أن يكون فاعلاً حتى في ذكرياتي القديمة والتي لم يكن هو منها...» ثم بتساؤل «أيكون ذلك بسبب تعلقه بماضيّ لصنع مواضيع للوحاته؟». من جانبه كمسكون بالأسئلة الفلسفية وأسباب الوجود يجد في ألوانه ولوحاته ما يخفف ازدحامها ووطأتها، ثم الاثنان، هو وياسمين، يبدوان صنوان لهدف هلامي معقد قوامه العزلة حتى وان اتسعت الأرض. وبهذا تفسير لعلاقتهما برغم فارق العمر والجغرافيا، فيبدو كمن يرسم نفسه حينما يهتم بسيرة ياسمين وماضيها، فلم يفارقها حتى بابتعادها الى مدينة أخرى فهما يتبادلان الرسائل الكترونيا. 

وبوقت قياسي تستلم ياسمين منه وسالتين متناقضتين بمحتواهما ببعض الشيء، ومن المفيد أن نذكر باننا نتناولهما ليس حسب ورودهما في الرواية وإنما بهدف إسقاطاتها وتجميع مفاصل الرواية وجعل متابعتها ورصدها نقديا أكثر وضوحا للقارئ. 

تعلقت الأولى بإنجازه للوحة تحمل وصفيات ياسمين عن حياتها في بلدها وشيئا من التاريخ الرافديني الغائر بالعتق، فلا غرابة نجدها في هذا الشطوح في عقلية الفنان الغربي عن الشرق، فقد نهل منه الكثير من الفنانين والكتاب والمستشرقين لبهائه وسطوعه. في هذه الرسالة يدعوها لمشاهدة اللوحة فهي تخصها حصريا. وفي رسالته الثانية الى ياسمين يعلن فيها اعتزاله العالم «لفترة من الوقت» حيث سيخصص كل وقته للاعتناء بأمه التي ساءت صحتها «بشكل ملحوظ مؤخرا». وبذلك سيغلق كل نوافذ الاتصال ويعتذر عن استقبالها، «وإلى أن يحين وقت العودة سأكون مضطراً لغلق الإيميل ولن أجيب على الهاتف ولا على الرسائل إلى أشعار آخر». هنا تبدو علامات الفردية والبرود الإسكندنافي واضحة، والسلوك الجمعي طاغيا مهما كان حجم تأثر الشخصية بحرارة الشرق ومعايشتها لشخوصه. وإذا ما أضفنا عقدية شخصية ديفيد لها نكون قد وصلنا الى العتبة التي أرادت لنا الكاتبة الوقوف على بابها الموارب، تلك التي ستتعلق بعقد نهاية قصتها معه على نحو يحمل الكثير من الغرابة. وهكذا تكون الكاتبة قد صنعت بطلا روائيا فريدا، وتتهيأ كذلك لعقدها مصائر أبطالها تباعا طبقاً لاشمئزازهم ولكل أسبابه.

 

ومن المرتكزات الأساسية في الرواية وعلاقة ياسمين بديفيد ولا بد من الإشارة لها، هو وقوع ياسمين على جدار الصور في بيت ديفيد الذي دعي طلبته له في الريف، وما لفت انتباهها صورة واحدة، من بين صور كثيرة معلقة على الجدار، خالتها للحظة أنها تعرف صاحبتها فـ«الحت عليّ فكرة مفادها بأنني قد التقيت بهذه المرأة من قبل، لكن أين ومتى؟». لكن ياسمين، وهي تحدث نفسها اطمأنت الى رأي صديقتها اليزابيت، بأثر رجعي، ذات مرة في بيتها بقولها بأن «أرواحنا قد خبرت وعاشت هذه الأحداث مع هذه الشخصيات في حيوات أخرى...» فامتثلت لهذا التفسير. غير أن واقع الحال الذي كشف عن نفسه لاحقاً لم يكن كذلك مطلقا، برغم تمويه ديفيد آنذاك بأنها صورة امه حسب، متحاشيا سؤلها: «فهل هناك علاقة قرابة تربط السيدتين ببعضهما» ؟، في وقت كان يخفي عنها حقيقة الأمر حينما أعلمته بأنها تشبه صورة معلمتها فراو تسيمرمان في فورتسهايم «ولكأنهما توأمين متطابقين». 

من الواضح هنا أن الكاتبة التي اعتمدت أسلوبا تقنيا ينفع لازدهار روايتها بدأ يفعل فعله من حيث الإثارة والتشويق وانتظار ما ستؤول له الأحداث، سيما أن ليس هناك ما نتابعه كذروات قائمة بذاتها، بل اعتمدت صبا على تقنية التوزيع الفني والمسح السردي اكثر مما وضعته على سبيل التفضيل كقصص تسعى الى خواتمها ومصائر أبطالها كنمط كلاسيكي. وبرغم نجاح الكاتبة بأسلوبها فأننا لا نخفي درجة انقباض نصوصها كقصص لا ترتبط بنسيج واحد من حيث العلاقة بين الشخوص، ولكن بالإمكان أيضا أن نهجس الرابط العام بينها وليس الخاص على وجه التحديد. هذا الأمر أضعف تراص الحبكة فظهر كل بطل من أبطالها يعوم بما وفرته له الكاتبة من مناخ خاص به، وموآتٍ لتبرير نزعاته وشدة كآبته، ومن ثم ميوله لفردية طاغية. 

أذاً ماذا يحصل لو وجدت الكاتبة نسيجا منضبطا يدعّم الخاص والعام في محور واحد؟ اعتقد أن الحداثة لا تسلب الكلاسيكي دوره، بل تهبه مظهرا جديدا يضع الكاتب اشتغاله وجودة صنعته فيه، بالإضافة الى الابتكار وحتى المغامرة. وباعتقادي كفاحص للنص وناقد له، أخلص الى أن الكاتبة تعمدت هذه التقنية التي أسقطت عنوان روايتها على الأحداث ذاتها تحت مسمى (من ذاكرة الصور) فالتزمت بالمنهج برغم أن النص كان يصرخ عاليا أن يتعدى حدوده ليبني جسوره بين الحكايات. ولو حصل ذلك لأضفنا علامات باهرة أخرى لجهد الكاتبة وروايتها. 

 

وعلى ضوء ما قدمت له عن صديقتها ميلاد تفعّل الكاتبة قصتها على غرار ما فعلته وما ستفعله بخصوص قصص أبطالها الأخرين. وبذلك نجد ازدياد الضخ السردي الحكائي كضرورة لإقناع القارئ بأن لكل خصائص السرد له ما يبرره، ولتبقي على ثيمة نتائج الحرب قائمة على كل المستويات وحتى الأزمان، فزمن الحرب في المانيا هو غير زمن الحرب في العراق، كذلك الشخوص ودرجة تأثرهم به. تُرى الى أي حد ستنجح الكاتبة من خلال ياسمين، الرابط الوحيد للحكايات، بأن نسيج روايتها بما فيها الحبكة كأحداث مجتزئة ستلملم نظام القص لتسند اندفاع النص وتقدمه؟ 

وفي هذا المفصل المهم، نجد الشروحات السردية أعلى من الأخريات، ذلك لأن ميلاد صديقتها هي صنوها الوحيد الذي يمنحها حرية الخوض في التجربة من جميع جوانبه، وهي ابنة للحروب كما ياسمين، بكل معنى، بل لعلهما شخصيتان مدمجتان من حيث التأثر بالحرب والمعاناة. تظهر ميلاد كضحية أوهام للهجرة أولاً فترتضي الزواج من شخص يرى صورتها ليتزوجها وهو مقيم في المانيا، وهذا بحد ذاته سبباً كافيا لخلاصها من جحيم الحرب في بلادها. خصوصا وهي مسيحية والاشتداد الطائفي قد فعل فعله بتضيق الخناق وتفجير الكنائس والاستلاب، «أنا التي أرادت الخلاص من جحيم الوطن بأي وسيلة كانت»، فتكون فكرة الهروب على رأس الأوليات، فيما تعارضها أمها واختها الصغيرة مارتا اللتان بقيتا في البلاد لتواجها مصيرا ذكرناه بأن كانتا من بين ضحايا تفجير كنيسة النجاة في بغداد. ومع سرد قصتها وزواجها من شخص لا تعرفة وسفرها الى المانيا تكون ميلاد الشخصية المنقسمة على ذاتها بين واقع الهجرة وبين الحنين للوطن بعد أن اكتوت بالكثير من مفاجآت الاغتراب.

من جانبها، سعت الكاتبة الى تقريب مفاصل الرواية او حكاياتها من بعضها بعضاً، وذلك بإيجاد صلة أو رابطة تضيّق الحبكة بمعنى تواصلها كآحداث آنية، وعلى نحو اشد ظهرت بتوافق الوجود الحقيقي لميلاد وياسمين كطالبتين للغة الالمانية مع معلمتهما فراو تسيمرمان في صف واحد. وهنا تظهر لكلٍ ميوله باتجاه ما يغذي فضوله ورغباته بجعل أولويات بلده كأول اعتبار. ففي الوقت التي تسعى فيه المدرسة الى ادخال طلابها الحيّز الحقيقي للحياة في المانيا وتطلب منهم متابعة الأخبار المحلية ونقلها شفاهيا كجزء من الدرس، ينأى طلبتها، وخصوصا ميلاد، عن القبول فتستعيض عنها بقصص من بلدها فتلتقط من حقل الغامه ما فاض بصدرها من مظالم وجرائم حتى بعد (الاحتلال)، أي التغيير بعد 2003. 

وهنا لا نخفي وقوع الكاتبة بفخ السرد العادي، ولا نخفي أهميته بنفس الوقت، فهو يحصل داخل البنية السردية، غير أن فنيته اختلفت وبعدت بهذا القدر او ذاك عما تناولته وتعاملت معه فنيا في القصص الأخرى، وخصوصا الأشخاص الغربيين كـ ديفيد واليزابيث وتسيمرمان. ولكي لا نبرر الموقف، فلا بد لنا من الوقوف عنده. فهنا حكايتان الأولى تعلقت بعائلة ميلاد، وظروف زواجها وما آل إليه مصير أمها واختها مارتا، أشرنا له قبل هذا، كذلك مصير عائلة أبو هاني، جيرانهم في نفس العمارة، التي اتخذت قرارها بزيارة الوطن بعد التغيير. فعاد الأب من دون زوجته وابنه اللذان ذهبا ضحية الإرهاب والطائفية بتفجير قرب أحد المولات التجارية. فغيرت الحادثة حياته بكل معنى فأصبح شبه معتوه، وهو نفس المصير الذي لاقته عائلتها في تفجير كنيسة النجاة. وفي الوقت الذي نشيد به بالقدرة السردية الحكائية للكاتبة إلا أننا نرى في تسجيليته وتشابه المصائر فيه أمرا غير محبب روائيا على نحو حداثي، ثم إشارتنا لتجاوزه البناء السردي العام للرواية، وبذلك كنا نأمل أن تنتبه الكاتبة الى هذا المفصل الفني الذي ربما يعجب القارئ كشكوى مشتركة، إلا أن ضخه العاطفي المباشر جرح النص الى حد ما، وبذلك استوجبت الإشارة. وكتدعيم لرأينا النقدي هنا، وإذا ما نوينا أن نعامل نص الكاتبة من زاوية حداثية «بعد أن بات الروائيون الحداثيون اقل اهتماما بما هو (حقيقي)...وراحوا يدققون في الأفعال التي تتيح تفسير الوساطةMediation التي يمكن من خلالها تحويل عالم التجربة المتلاطم إلى شكل يشحذ اهتمام القارئ».** فأننا لا نعفي الكاتبة من نمطية الكاتبة الذي جاء على مستويين، فتنطبق ملحوظتنا على السردي الذاهب لنقل الأحداث ككاميرا تسجيلية أو فوتوغرافية محضة. 

 

تحاول الكاتبة، بل تثقل على كاهل ياسمين، شد أواصر النص الذي بدأ اعتبارا من منتصفه يأخذ الشكل الكاشف للأحداث تباعا، بحيث تصبح التحولات الدرامية كمفاصل تعشيق، فتنتهي الى الغياب المفاجئ لصديقتها ميلاد وعائلتها حتى يفصح لها جيرانهم أبو ميلاد عن سفرهم للعراق. تناولت الكاتبة قصة صديقتها على نفس الغرار كسيرة غير مكتملة لتعود لها في فصول أخرى. فيما تنتبه الى الزمن القياسي لشخوصها الآخرين. وبهذا التعشيق المثير تدور أحداث أخرى تحاول الكاتبة تفكيكها بالنسبة لصديقة ياسمين، فتبدو اليزابيث التي تكثر من وشم جسدها كما وأنها عقاب ذاتي تُسر به لوخز الإبر والألم، للحد الذي لم يتبق من جسمها ما هو من دونه. فيما تشرع بسرد حكياتها بعد أن قدمتها لنا الكاتبة في فصل سابق، بأنها لا تقول الكثير حتى يخزها سؤال. نعزي هذا التحول المثير بشخصيتها الى حجم الثقل وبعض الأسرار التي لم تشي بها لحد الآن، فتجد بصديقتها المغتربة الوعاء الذي يضمن تلقيه وحفظه، فوقفت ياسمين على تنقلات حياتها وهدوئها بعد تعرفها على مدرب الرقص أندريه فتوقفت عن الوشم واستعاضت به بالرقص وترويض الجسد وإخضاع العضلات لتمارين قاسية، «لا أخفيك سراً بأنني اجد لذّة كبيرة في ممارسة الحركات الإيقاعية الصعبة»، فيكون علاجا روحيا يسلمها الى سلام داخلي. لكننا نرى في الوقت ذاته انه لم يكن كافيا، فعلى ما يبدو ان الجرح الذي تركته تجربتها الأولى ما فتئ ينزف من جديد بغياب صديقها أندريه المفاجئ «فهل سيعود يوماً اليّ؟». في ذات الوقت يندفع يانس الذي تعرفت إليه وسكنت معه وأنجبا معا ثلاثة أولاد، الى حقل آلامها، فتتعثر لقوة ما تمنعها الأحداث المعتمة من المضي بإكمال حكياتها معه. ثم تعود الى صورة وشم صورة التنين على يدها بمقارنة فاقت الإيحاء بأنه يشبهها «انه وديع وجميل... لكنه شرير قاتل عندما يكون على هيئته الحقيقية» ثم تعود لتقول: «لا تأبهي بما قلته للتو». 

وبذلك تضع الكاتبة عقدة حكاية اليزابيث باسترخاء واضح، نشيد به، فيكون الكشف عنه بمثابة الإجابة عن عقدية غامضة حاولت طمسها لحد اللحظة. ولكن من جانبنا سنضيف تساؤلا أخر: هل ستكون السيرة على درجة من الإقناع لتفضي بكل هذا الاكتئاب ليتوزع، بل ليغطي كامل سيرتها؟. تقول اليزابيث عن مهنتها الجديدة كمحترفة بنقش الوشم في أحد الصولانات «...لا يفهمها إلا من يريد الخلاص من وطأة حمل ثقيل...». وبذلك تستشعر ياسمين بأولى مجساتها بأن صديقتها تخفي خلف كل ذلك شيئاً فتقول بتساؤل: «هل يعني هذا بأن عليّ أن أخشاك من اليوم فصاعدا يا اليزابيث؟». هذا مع الكثير من الأسئلة التي حاصرت ياسمين عن صديقتها الملتبسة بشخصيتها قبل أن تصل الى فك عقديتها بعد وقت. 

من الملفت، بعد نضوج نصوص الكاتبة، نجد أن فسحة السرد بدأت تضييق على لسان ياسمين، وكثيرا ما نجد أن هناك ظلا لراوي آخر للأحداث يكون مدمجا بشخصيتها بالرغم من أنها تنسبه الى آخرين بعد استطرادات نصية كأن تقول «حسبما أخبرتني» وغيرها من التعابير التي تشمر القول وتجنسه لصالح ياسمين. لم يحدث ذلك التباسا بالمعنى، إنما نرى بشكل أو بآخر أن الجانب المخفي كان بحاجة الى تقنية إضافية كأن يتم تبني الراوي العارف والاعتراف بأهمية دوره، فلا ضير من ذلك، أو تخفيف الانتماء السردي وتوزيعه.

فما عداه فأن تحميل الشخصية، ونقصد هنا ياسمين، بأعباء أضحت تعيق حركتها المنتجة نصيا سيدخل السرد بإرباك لا يمكن تبريره. ذلك أن خفّية حركة الأبطال واحدة من موجبات السرد كمناورة وابتعاد وتلاصق وغيرها من فنون الكتابة. وبذلك نلفت نظر الكاتبة مستقبلاً الى الانتباه للدمج السردي باختلاف اللغة والرؤيا، مع مراعاة حدود الشخصيات وأدوارها. ومن المهم أن نذكر أن الأصوات المتعددة كأسلوب محدث هو من أصعب الفنون الكتابية بالرواية، ذلك لدخول الكاتب مساحات نفسية وحسية تضفي طبيعة كتابية أسلوبية محددة لكل شخصية. وبهذا لنا إشارة أخرى بأن أبطال صبا مطر، من غير العراقيين، في روايتها يقتربون حسياً من جو مشرقي حميمي، عندما يفصحون، في وقت تبقي الكاتبة على نمطية تصرفهم غربيا صرفا، فلا نجد ضرورة قصوى لتفعيل الحميمية هنا بقدر ما هي موازنه نفسية لشخصية منكسرة ومصابة بذات الوقت، فيتم استخدامها حسب الحاجة.

ومع نضوج النص كما أشرنا، تدخل الكاتبة بصفة ياسمين حيز أحداث روايتها من باب سيساعد على فهم سلوكيات ابطالها لحد بعيد. ومع اليزابيث صديقة ياسمين تقوم صبا مطر بضخ نفسي تسعى من خلاله لتوجيهه، وليس لتبرير ما ستقف عليه ياسمين كحقائق كانت قد شمت رائحتها في فصول سابقة فـ «لم تكن اليزابيث واضحة معي تماما، فهناك الكثير من الأسرار لم أزل أجهلها عن حياتها». 

إضافة الى تحفيز اليزابيث لياسمين أن تكتب رواية عن حياتها، تقوم بها فعلا فيما بعد، فتكون على الأغلب هي الرواية التي بين أيدينا الآن، فيما تدور كل هذه الأحداث في رأس ياسمين على نحو يحفزها لمعرفة صديقتها فتقول: «غالبا ما كنت أسأل نفسي إن كان إكمال روايتي أمراً مرهونا بمعرفة كل اسرار اليزابيث». فيأتي الكشف عنها بتأنٍ من بيئة انثيالات كتعبير نراه على الأغلب، كواعز لتأنيب الضمير أكثر مما هو إرادة مسيطر عليها بالنسبة الى اليزابيث، وهي في حالة من الثمالة بسبب الكحول لتدعو صديقتها الى كشفها المثير للفعل الذي خلا من أي وازع آنذاك لتغلق على يانس زوجها باب القبو، مكان عزلته من وقت لآخر، لعدة أيام فيموت مع أوراقه، حيث ستدعو صديقتها للنزول الى مكان (الجريمة) المظلم «ليحظى بالقليل من الوحدة مع نفسه وأيضا ليمارس اعتكاف العالم بحسب قوله...». وبجو اضطرابها النفسي وكثرت التساؤلات يبقى سؤال ياسمين «من تكون هذه المرأة ذات الوجوه المزدوجة؟» مفتاح فضولها لمعرفة المزيد، فتسد باب تساؤلنا: لماذا لم تتخلص منها مرة واحدة؟ بل وما زالت تنصفها بقولها «إنني لا أتوقع أن يكون حامل كل هذا العبء مصدر سعادة لأي شخص في الحياة»، حتى تنهيه بخاتمة «إذاً انتحر زوجك هانس وحيداً داخل هذا القبو البارد!»، مع إبقائها على حقها بالتساؤل «لكن من يا ترى صاحب الأصابع التي دفعت به إلى الانتحار؟».

 

من المفيد أن نذكر أننا ننظر الى السرد ونظامه بقدر دلالته عما يؤشر له كلوحة بيانية (بارومترية)، في وقت تتحد الصور والشروحات وحتى الحوارات كأسباب ضامنة تتحول تدريجيا الى بناء مستقل تدعم الأول، وهنا لا نستغرب ذهاب الكاتبة الى تلك التفاصيل التي بموجبها سيكون النص ناهضا بداءةً حتى تخفت درجة تألقه تباعا، هضبيا، للحد الذي نكون فيه أمام أي قمة من قمم النص في حالة استرخاء وليس تأهب. وهذا ما يحصل في اكثر الروايات المهمة التي تنتج معنى ناضحا يضخ بيسر ويكتنفه التوتر الهادئ. لذا استوجبت الإشارة الى البنى السردية الحكائية للكاتبة والتي لا يسع موضوعنا الخوض بها، فنلفت عناية القارئ لها عند قراءته الرواية، ومتابعته النصوص التتابعية. وهنا أيضا نواجه عددا من المستويات النصية التي تعنى بكل شخصية على انفراد، فتكون، ربما، مهمة التجميع أمرا صعبا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ترفد النصوص بعضها بعضا فلا نستوحش عزلتها، خصوصا وان درجة انقباضها أصبح قابلاً للانفلات.

وما يعنينا هنا هو نجاح الكاتبة بترجمة رجعية للحالة الهذيانية والملتبسة، فلم يأتي السرد على سبيل حبكة جامدة، بل كان له موجباته التأملية الحسية بالنسبة للكاتبة، وهو الأمر الذي أشرنا إليه قبل قليل بأنها وضعت كل محتواه لتتحمله بطلتها ياسمين على نحو خاص، وهو أمر نراه برغم جودته، عبئاً ثقيلًا لم تخْفه الكاتبة فنوهت عنه في الحوارات الداخلية لياسمين وطريقة تعاطيها الصادمة لما رأت.

واذا نقوم هنا بهذا الكشف فأننا لا نسلب القارئ متعته فنتوقف عن الاسترسال ببقية الظروف ليكتشفها بنفسه، إنما اردنا أن نبين السياق الدرامي الجيد والمتقن بصنع الحدث وتنزيله، فنشيد به برغم بعض ملاحظاتنا الآنفة الذكر. 

 

ومع التمهيد للنهايات التي بدأتها الكاتبة مبكرا فجاءت على نحو استرسالات متداخلة تخترقها ظروف هجرة ياسمين ومعاناتها، ربما لا نكترث لها كثيرا، إلا بقدر تعلقها بالعام كسيسوجيا تكوينية، او بالأحرى متراكمة، فنرى ارتصافاً هادئا لشبيهاتها الآنية، أولها من حيث التكوين كمزاوجة لظروف الحرب واشتقاقاتها، وثانيها درجة توحدها كنتيجة استثنائية لحالة مركبة. فتلتقط الكاتبة من حقل ياسمين كل ما يجعل نصها يتوجه مع الاستذكارات القديمة، فتظهر لنا صورة مركبة أخرى قوامها المزج السردي عن شخوص الرواية كتلاقح ضروري يضيّق الهرم الكتابي اللولبي. فنقرأ في هذه الفصول ما خلفته ذكريات الصور التي وضعتها ياسمين على الجدار، قديمها وحاضرها، ومهازل الوطن المشبع بنتائج الحروب، ومآلات، إما منتهية لشخوصها الغربيين، أو على وشك منها. فتكون الكاتبة كما وان تكون قد فرغت من رمي شباكها لتعود جمعها تباعا بصيدها الثمين. فتظهر في الصورة ما يوحّد العلاقة بين الصور والشخصيات، ولكل له نزيفه ومنهله، وبذلك ينحسر البعد الثقافي الى اقل الحدود الممكنة للإمساك بأطرافه، للحد الذي تتماهي فيه الشخصيات عن أصولها، فجميعهم بدون آمال وحتى انتظار. فتكون الكاتبة قد بدأت ضمنيا، ونقصد بالضمني هنا بالمتبقي مما يثير فضولنا، فجميع الحكايات ما زالت في مشغلها، والآن وضعتها الكاتبة في مشغل واحد. ميلاد التي اختفت فجأة ومع ياسمين هديتها من معهد اللغة وعدت بتسليمها لها، مدرستها فراو تسيمرمان «وهي ترفل تحت خيمة بضع وسبعين من السنين» ديفيد الذي اختفى واقفل على نفسه، وأخيرا اليزابيث التي بدأت روايتها معها وستنهيها معها على اغلب الظن، وما زال الغموض يكتنف عصابها. 

 

لم تبتكر الكاتبة قصصا مضافة تؤهلها لعقد نهايات قصص أبطالها، كما يحصل في الكثير من الروايات التي اصف كاتبيها بقلة التجربة. فهنا على الكاتب أن يوظف الأحداث تباعا على وفق نسق من الأنساق الخادمة التي ستسهل عمله، ومن ثم الا يصيب القارئ بمفاجآت ليست ضرورية خصوصا مع ما نحن بصدده، كمبحث أخير، وهو عقد النهايات. وخلاف ذلك سيصاب النص بالوهن ويصاب السرد بعلة مفاجئة، ومن ثم الحبكة، كأحداث، غير موثوقة تماما بالنسبة للقارئ. فنظام السرد يبني مساراته تباعا كما يقول ماركيز «على نحو آجر...» فيكون بالإمكان استبدال وحدات منها وليس جميعها، فيحدث الخلل الكبير. فيبدو الأمر كما وان الكاتب يتخلص من ورطة ما أو يوجه نصه حسب الحالة الآنية لمزاجه وليس حسب أمزجة أبطاله وإرادتهم. وعليه وعلى غيرها من الملاحظات ستُبنى الرؤية النقدية النقدية للناقد، والرؤية التقييمية العامة للقارئ. 

 

تستلم ياسمين رسالة اليكترونية مفاجئة من صديقتها ميلاد التي اختفت فجأة، انطوت على سر غيابها مع عائلتها، بعد تلقيها اتصالا هاتفياً من جارهم في العراق أخبرها فيه (السيد جمال) عن وضع أمها المحرج فأدخلت المستشفى بسببه. غير أنها وقعت حقيقة على مآل ومصير محزن حيث ذهبت أختها مارتا ضحية تفجير "كنيسة النجاة" في بغداد فيما نجت أمها منه مع إصابات بليغة وساق مبتورة أقعدتها بيتها. وتلتقي اخوها جوزيف العائد من مهجره في أمريكا لنفس السبب. وبهذا الفصل تكثف الكاتبة ضخها الوجداني لكلا البطلتين، ياسمين وميلاد، مما يتيح للكاتبة سردا جديدا عن حالة الطائفية التي سادت البلاد وقتها، وهي النتاج المنطقي لحروب متلاحقة وحصار، ثم التغيير الذي لم يسفر عما تمناه العراقيون كتغيير فعلي لواقع حالهم، بل سقطت البلاد في بركة وحل بوصفة مركبة من الاحتلال والطائفية، وتحديدا ما عالجته الكاتبة هو استهداف المسيحيين وتهديدهم وتحفيزهم لهجرة قد تبدو دائمة.

 

ترسم الكاتبة مشاهدها هنا كما وأنها تكملة لعملها الروائي الأثير (العين الثالثة) الصادرة عن نفس الدار علم 2017 والذي تناول الحرب ومنتجه بعين صبية آنذاك، إنما هذه المرة بعين الراصد الراشد والذاهب بسنينه في المهجر الى اجترار الألم، ويشكل عقدية غير صبورة، بل تنزف المها مع حفنة الذكريات وما يؤهلها لتكون على درجة من عدم حيازتها لفرصة تحولها الى عناد، وما تبقى من حياتها كصور مطلة أو شاهدة لرحلة حياة متسائلة.

نقول هذا لأننا لم نلمس بأبطال صبا مطر حماسة التخلص من عبء الماضي كميراث ظالم. فأنكفأ جيران ميلاد أبو هاني الى الانزواء والعزلة، فيما بقيتا ياسمين وميلاد تراوحان في ذات البركة التي ترفد أحزانهما على نحو تدويري مستدام. 

هنا نتوقف عند حاجز النقلة التي كنا نأملها، كمشاكسة، لشخصيتين شابتين ولهما جيل ثاني من الأبناء الذين لا علاقة لهم بما حصل. وبذلك توريث غير مجدي لمعظم العراقيين المغتربين، وهذا ما شغلت به الكاتبة معظم مساحة أبطالها سرداً كحقيقة صادمة، ذلك أنها أبقت على حس الانتماء الأول اقوى بكثير من أسباب الوجود الفعلي. 

 

ومع هذا التزاوج نتمنى على القارئ قراءة غير متحمسة، بل متأملة، لسبر عوالم النص وإشكالاته التي أرادت صبا مطر أن تضع علاماتها على مفترقات طرق. كان أولها صديقة ياسمين، ميلاد التي عادت، بجرح أكبر، من وطنها الأم فأصبح المهجر ملاذها الناري. تشبه بحكايتها حكاية ياسمين ذاتها التي لم تنتم الى عالمها الجديد مادام الوطن يئن بداخلها ويقض مضجعها، وبهذا اختيار شقي لعلاقتها مع أصدقائها الغربيين فحتى اختيارهم جاء على نحو مشابه يغذي فقدانها ويعمق إحساسها باللاجدوى فتركن للذكريات والصور التي ستضيف لها قصصا معتمة أخرى تشبه جدار ذكرياتها على نحو معايشة جديدة لا تسلّمها إلا الى الدوران الذي يصيبها بالغثيان. 

 

يكون هنا ديفيد قد أضاع بوصلة اتجاهه في الحياة، يجعله التراكم يغيّر حياته الراكدة الى شروع لا يعرفه بنفسه ومتروك لمغامرة قد لا تحتملها سنوات عمره المتقدمة كمغامرة غير محسوبة محكومة بإرادة الانتقال الى مناخ آخر حسب. فيقوم بالاتصال بياسمين ليلتقيها في كوبنهاكن في مكان صاخب يبقيه على توتر دائم إلا يغيّر قراره بالمضي نحو المجهول الذي اختاره. يهدي ياسمين لوحة رسمها لها عن حياتها في العراق بملامح غائرة بالقدم عن الجنائن المعلقة الغائبة سوى في الخيال، مع رسالتين واحدة منه تبدو غير مقنعة لتبرير اشيائه. اهم ما يأتي فيها عن لحظة تساءلت فيها ياسمين عن شدة الشبه بين صورة أمه وبين معلمتها فراو تسيمرمان، فيحاول تبرير تكتمه، آنذاك، على إنها خالته شقيقة أمه، فلم يغير هذا الاعتراف شيئا بانزياحات النص لأنه اوشك على نهايته وليس بمقدوره أن يضخ سردا آخر أو توجيها آخرا لنص الكاتبة، وهذا يتناسب الى حد بعيد مع شخصيته الراكدة. ثم تجعله الكاتبة يغيب في زحام محطة القطار تأخذه حركة المسافرين كتعبير عن ضياعه الأكيد. 

جاء هذا كأول رابط للحبكة التي افتقرت، حسب رأينا، الى هذا النسيج لتكون قصص الكاتبة المتفرقة محكومة بنسيج شبه مشرك على أقل تقدير. فهنا أبطال صبا مطر وحيدو الصلة بياسمين لوحدها كشخصية قلنا عنها حُمّلت الكثير من الأعباء والاشتراطات غير الموزعة على أبطال الرواية من حيث العلاقة، ناهيك عن ضيق هرمية النص الذي يتطلب تضييق الأحداث وجعلها ممسوكة بحدثها الرئيسي. 

فيما لا تقف رسالة معلمتها فراو تسيمرمان في المانيا، على رأس منتج جديد بقدر ما هي رسالة وداع حسية متداعية عن ماضيها وابتكاراتها لمواجهة الحياة وتقدمها بالسن «وصلت الى مفترق طريق لا عودة منه إلى الحياة...». أعلمتها بهذه الرسالة عن سبب الكتابة لها عندما اخبرها ديفيد عنها وعن حادث الصورة وقتذاك «كل ما اعرفه بأنني حالما سمعت اسمك على لسان ديفيد صرخت. أقسم بأنني صرخت بوجع وفرح...». وكاستدراك لابد منه يفسر وجعها، كاعتراف، صمتها قبل زمن في درسها بأنها لم تعلق على حكاية ميلاد وهي تسرد قصة جارهم الذي عاد الى المانيا من دون زوجته وابنه اللذين قضيا بتفجير. فبماذا ستعلق وهي ابنة الحروب ذاتها، وبماذا ستفيض لو قالت؟ وهي التي تنوي أن تشحذ طلبتها بالعزم والإرادة!.

ومن جهة أخرى رضاها عن نفسها كمعلمة للغة الألمانية «بأنني أقدم هدية عظيمة الثمن لمن يحتاجها...». ومن الملفت في هذه الرسالة هو أنها تقوم على ركيزتين، الأولى: هي اشتقاقات الألم والتهدج من بيئة اللغة والأصوات، مما يؤشر الى صدقها مع مهنتها كمدرسة للغة، فتنحو الى مختلف الأصوات الحيوانية كتعبير إنساني صادق للذات البشرية، فتستعير المواء مثلا كتعبير عن خبر موت أختها توأمها بريجيت أم ديفيد التي «اختارت الهرب من ألمانيا والمكوث لبقية حياتها في الدنمارك من أجل أن تنسى الحرب ومآسيها...». أما الثانية: طريقة استعادتها لمآسي الحرب في بلدها ألمانيا، فلم تفلحا «في حذف شيء من ذكرياتهما الطافحة بالحرب والفقدان، فيأتي سرد الكاتبة على لسان معلمتها نوع من الفصح الإنساني خارج التأثر بثقافة محددة، فالحرب هي الحرب، والموت هو الموت، فلا نندهش هنا لقرب الوصف كما وأننا نصف ظروفا حصلت لياسمين أو ميلاد في بلدهما الأم العراق. 

 

ومع هذا التعشيق المثير وهو موت أم ديفيد، وضياعه هو ذاته، فيختار مصيرا غير معلن سوى إرادة الانتقال الى مناخ آخر لا يعرفه بنفسه، وواعز خفي باستمراره نحو مجهول، طالما اصطدم مع آراء تلميذه سيمون بقوله «ما اجمل البدايات في أمكنة جديدة لا تعرفنا ولا تعرف شيئاً عن ماضينا» لحد استغراب ياسمين المتأخر بقولها: «يا إلهي.. إن ديفيد الذي كان يناقض دوماً أفكار الشاب سيمون يخضع الآن فعليا للتجربة...». وبرغم أن الكاتبة وضعت هذا الفعل كنهاية إلا انه يبدو كمحاولة حقيقية لديفيد الذي يعرف حق المعرفة بأن لا قوة له تكفيه للمواجهة ولا حتى من سنين متبقية.

وبعدها انتهاء معلمتها الى احدى دور العجزة، ثم بعد وقت قصير رحيلها النهائي عن الحياة، تكون الكاتبة عقدت نهاية منطقية أن الإنسان سيحمل ألمه معه الى النهاية، ولم تستطع المدنية ومستوى تطور المجتمعات من ردم حطامه، حتى وأن نجحت بترميم صورة المدن لتبدو رائعة وبلا أثر للحرب ومآسيها. 

أما الجانب الأكثر عصابية والمتمثل بسيرة اليزابيث فسيكون الطلاق معه على نحو إرادي كما سنأتي عليه كمفصل أخير، عندما تقوم ياسمين برحلتها بصحبة اليزابيث لزيارة معلمتها في المانيا.

حيث تصر اليزابيث على مرافقتها بعض الطريق لأقصى حد ممكن فتذهب كل منهما باتجاه هدفها. نرى في هذا الفصل كماً من التساؤلات على لسان ياسمين تحديداً يُظهر عدم اكتفاء النص بحل علله، أو انه يفيض عن حده الى المستوى الذي يكون فيه السرد لا تسعفه الأحداث ليكشف عن نفسه. وهذا ما يؤكد ملاحظتنا السابقة عن ياسمين كونها محمّلة بأعباء فاقت قدرتها في استيعاب وهضم اسئلتها ذاتها، ومن جهة أخرى نقف على لحظة انفجار هائلة لإليزابيث تكشف فيها عن فعلها الشنيع اتجاه يانس زوجها. 

اشتغلت الكاتبة هذا الفصل على نحو مشبع بالتفاصيل واعتمدت على قوة الارتداد العنيفة لعدم الاستجابة الضمنية لطلب اليزابيث من قبل ياسمين التي رفضت الاطلاع على أوراق يانس وهما في القطار نحو هدفيهما. وهي الأوراق التي جمعتها صديقتها، عندما دخلتا القبو المظلم، ورتبتها بعناية لتسهل متابعتها. حتى تأتي اللحظة التي لا بد أن تنفجر فيها اليزابيث فتقوم بنفسها بسرد الحادثة «لا داعي أن تقرأي ما هو مكتوب على هذه الأوراق، لأنني سأحدثك بالنيابة عن الورق يا عزيزتي». وبذلك يكون الكشف باهرا لاستنتاج ياسمين «ربما مات يانس منتحراً، أو هي من ساعدته على إتمام فعل الانتحار». 

هنا يكون تبرير الكاتبة للحالة مركزا جدا، فهي تروي على لسان اليزابيث ظروف علاقتها بيانس، وعنه شخصيا كصبي هربت أمه مع عشيقها الى مكان مجهول وتركته مع أبيه المخمور دائماً حتى مات فتبنته عائلة صديقة. التقته اليزابيث شابا مكتئبا تنتابه نوبات حزن شديد قلّت ببداية علاقتهما وسرعان ما ازدادت مع ولادة ابنهما الأول كرستيان، وتفاقمت مع ولادة ابنيهما التوأم، حتى أصبح أكثر توحشا بضربها مع الأولاد، فهل «...كان يخشى أن أكون نسخة أخرى من أمه؟». 

بالطبع هذه العقدية النفسية ليست في مساحة الكاتبة، فلم تخض بالمسببات وتفسيرها واكتفت بالكشف عنها مع التساؤل. ولكن ماذا عن اليزابيث ذاتها؟ فإذا ما كان سرد الكاتبة يمنحنا فرصة التأمل بحالة يانس، فأنها اخفت مشغل اليزابيث إلا من حيث النتيجة، فيمكن تفسير ذلك وفق «الدوافع اللاشعورية وتأثيرها في سلوك الإنسان...» حسب فرويد. وهذا ينطبق على جميع أبطال صبا مطر في روايتها، من الغربيين على نحو خاص، الذين تكتنفهم دوافع شعورية لتبرير تورطهم في سلوك ما أو نتيجة محضة، او حتى بخطوة دراماتيكية تنهي علاقتهم بالواقع، حتى وان كانت ثأرية الشخص ذاته لذاته. فلم تننفع الأحجار والإكسسوارات فراو تسيمرمان ففاتتها لعبة الحظ حتى كمراضاة لذاتها، كذلك ديفيد الذي لم ينفعه قراره بتغيير واقعه ومكانه شيئا، وسيبقى سائحاً لائباً، ثم اليزابت التي أنبتت على جسدها كل هذا الكم من الوشم كعقاب لما اقترفته بحق زوجها يانس بلحظة يأس حينما تركته مخموراً في قبوه وأحكمت الرتاج على بابه: «حبست خلفه جلادي وضحيتي الى الأبد»، لتعود بعد ايام لتجده جثة هامدة، «كنت اتخذت قراري بأن أضع حداً لمعاناتي معه...».

وبعد هذا الكشف الصادم لكلا منهما اليزابيث وياسمين أشرف نص الكاتبة على ضخ ما لديه وركن أبطالها إلى هدوء نسبي، كل حسب حالته، لكن أسئلتهم بقيت فتية تشتغل خارج النص. بكت اليزابيث «بحرقة شديدة» في وقت كان قلب ياسمين «ينزف حزناً شديد السواد من بعد سماعي لأقسى اعتراف يمكنني أن أتلقاه في حياتي». ومع الخبر المفاجئ الذي تلقته ياسمين عن طريق الهاتف وهي في القطار، أخطرها ديفيد أن معلمتها فارقت الحياة، تغير عند ذاك ما كان محتملاً وبدأت الأشياء تأخذ شكلها كذكريات وصور أمام عيني ياسمين المحتبستين على دمعة واحدة لم تسقط، مع طغيان الروائح التي لازمتها حسب الظروف، حتى بلغ انتماؤها الى ماضيها بحلوه ومره حاضرا بقوته، فيما يحاول المهاجر تجاوزه، لكنه يفعل فعله مع بواطن الحس، ويتغذى على شبيهه. فغيرت وجهتها بالسفر لأكثر من مرة حتى استقرت على زيارة صديقتها ميلاد التي وصفتها «بتوءم روحي» تحمل لها شهادتها في اللغة من معلمتها فرار تسيمرمان. ومن جهة أخرى تكون مسارات القطارات إشارة لافتراقها عن اليزابيت التي اختارت العودة للدنمارك وتخليها عن مواصلة الرحلة لأبنة عمها في احدى مدن المانيا كما خططت لها.

 

وهنا أيضا تنتهي رحلتنا مع نص الكاتبة صبا مطر بروايتها "من ذاكرة الصور" وهو عمل جيد جدا بمستوياته الفنية ومحاولاته السردية التي لا بد وان نشير الى لغتها المتدفقة المحدثة واعتناءها بمفرداتها وصياغة جملها المحمّلة باشتقاقات المعنى المتفكر والقادح، كما يذهب شكلوفسكي في رأيه عن «خلق علاقات غريبة بين عناصر اللغة، علاقات تكسر رتابتها وأساليبها المعتادة المألوفة، وتخلق أوجه بلاغية مدهشة..»*** وهذا يقترب جدا من التوالدية الحديثة التي تخلق ابهارا في التركيب والعطاء الدائم بفك سر الكلمة ذاتها على نحو سيميائي مثير. نقول هذا لأننا لمسنا تجلياته في صياغات الكاتبة. متمنين في ذات الوقت عزوفها مستقبلا عن نقل الحكايا، كذلك، كما هي في الواقع وفصل الحدث «عن علاقاته العادية» . وهذا ما نوهنا عنه في سياق النقد فنؤكده مجددا فالرواية ليس كما يفهما البعض كونها النقل الشديد للواقع، إنما إدخال الأحداث لمشغل الكاتب الذي له أدواته كما في الفيزياء والكيمياء لإنتاج عناصر جديدة. 

ومن الملفت حقا أننا وجدنا بإدارة حوارات الكاتبة أمرا نضعه في مقدمة نجاح الكاتبة، وهو أمر غالبا ما يصيب القارئ بالسأم في روايات كثيرة، كونه ينحى الى خارج السرد، ومكثر بصناعته فيأتي خارج البنية الكتابية للشخصية. او انه مقحم لا يفيد المعنى على وجه دقيق وخادم، إضافة الى تلقائيته التي يستوجبها النص ذاته كصرخة بنائية ضرورية.

ونشيد ايضا بهضبية واسعة احتوت الأسئلة وجميع انفعالات وتفاعلات النص بعد اية ذروة، وهي من المواصفات السردية التي تبدو راكدة لكن مشغلها مشتعل ومتواصل ومُنبئ لما سيحدث. وأفضل مثال على ذلك: عندما نكون بانتظار حافلة في محطة ما، فلا يعني أننا (بحركة جامدة) مطلقاً، بما فيه الجمود بحد ذاته فهو هيولي النزعة، بل هناك مئات الاحتمالات اليقظة التي تشغلنا وتشغل الحافلة وركابها وسائقها أيضا، ثم اتجاهها لهدفها الذي نجهل ظروفه، وسنكون بعد قليل جزءا منه. ونذكّر أيضا بملاحظتنا عن الرابط الخفي الذي يشد الأحداث والشخصيات بعضها لبعض لكي نتخلص من عبء القصة القصيرة الى فضاء الرواية الرحب. وبنفس الوقت لا نبخس الكاتبة حسن انتباهها كحد أدني أو متوسط لذلك. وما عداه نعتبر عمل الكاتبة صبا مطر عملا ناجحا على وفق الاحتراف الكتابي والتقييم النقدي كذلك. وننصح بقراءته كعمل يعطي الكثير للقارئ.

 

 

هذا مع حسن ظننا بقبول ملاحظاتنا التي وضعناها في بيئة نقدية ميسرة تعين الكاتب والقارئ معاً. فلا نشكك بأن صبا مطر ستتحفنا بعمل كبير ننتظره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سيمائيات السرد/ إ. ج. غريماس- ترجمة عبد المجيد نوسي/المركز الثقافي العربي

** تطور الرواية الحديثة/جيسي ماتز، ترجمة الكاتبة لطفية الدليمي

*** عن المناهج النقدية الحديثة، د. محمد سويرتي

قيم الموضوع
(0 أصوات)