ardanlendeelitkufaruessvtr

اعتقالات السلطة في الضفة خروج عن المسار القويم

بقلم عدلي صادق أيلول/سبتمبر 29, 2020 117

 

اعتقالات السلطة في الضفة خروج عن المسار القويم
عدلي صادق
الناس يعرفون تاريخ وأخلاق ومستوى كل واحد من المناضلين المعتقلين، إذ في تجربة كل منهم، ما يكفي لتكريس جدارته قائدا طليعيا.
مأزق متفاقم
في ظروف بالغة الصعوبة موضوعيا، أطلقت السلطة الفلسطينية حملة اعتقالات مفاجئة طالت عددا من الكوادر الوطنية المنتمية إلى حركة فتح، بدعوى أن هذه الكوادر موالية لتيار الإصلاح الديمقراطي في فتح، الذي يتزعمه النائب محمد دحلان. وبدا واضحا أن هذا الاستهداف، الذي يتجاوز عن ملفات مهمة وتحديات تواجهها السلطة، وينشئ قضية خلافية فلسطينية جديدة، يرتبط بمسارات المحور القطري “الإخواني” التركي، علما بأن تيار الإصلاح في حركة فتح، أعلن مبكرا عن تأييده جهود إنهاء الانقسام، في أي وقت ومن أي جهة جاء، وبصرف النظر عن الأطراف التي تساعد في التوصل إليه.
وكانت الانطباعات الأولى عن هذه الحملة، التي تتغاضى عن شروط ومتطلبات تنقية المناخ الفلسطيني، أن سلطة محمود عباس، قد استجارت بجماعة “الإخوان” لإحباط تفاهمات تيار الإصلاح في حركة فتح مع قيادة حماس في غزة، علما بأن تلك التفاهمات قد ساعدت أهالي قطاع غزة على استعادة الأنفاس وتسوية قضايا الدم بالمصالحة المجتمعية، وتحقيق قاعدة للتفاهم بين حماس والحكومة المصرية، لكي لا تنخرط الأولى في المشكلة الأمنية التي تواجهها الحكومة المصرية في سيناء، فينعكس ذلك سلبا على قطاع غزة.
ورأى الفتحاويون أن رئيس السلطة وجد نفسه مندفعا إلى محاولة الاستفادة من أجندة المحور القطري ـ التركي ـ الإخواني، لمحاصرة التيار الإصلاحي الذي يمثل كتلة قوية في غزة، لكي لا يتسبب في مفاقمة مأزق عباس في السباق الانتخابي المزمع أو المفترض، الذي يناور عباس بشأنه، لاكتساب الوقت والتهرب من الضغوط عليه لإنهاء الانقسام. فلا يختلف فلسطينيان اثنان على أن الاعتقالات، جاءت لخلط الأوراق وليست منفصلة عن مسار الخيارات الأخيرة لرئيس السلطة في الضفة، إذ هو الآمر بتنفيذها، استشعارا لخطر تفشي فكرة إصلاح النظام السياسي، مع تحسسه خطر التعاطف مع تيار فتحاوي يؤيد هذه الوجهة!
لا يزال الرجل يخادع نفسه ويحاول الهرب من الحقيقة، وهي أن صخور الأرض قبل قلوب البشر في الضفة، ومن جملتها قلوب المنتسبين لحركة فتح، باتت في انتظار يوم الخلاص من مرحلة عباس وحاشيته. ولولا أن الرجل يزحف إلى سن التسعين، وأن ظروف الاحتلال في الضفة تقيد حركة الناس، لما أفلت في بقية عمره، من انتفاضة مخصصة له حصرا. فقد ظن الرجل أن الخطر الذي استشعره، يقتصر على الكادر الشجاع المتبرم مما آلت إليه أوضاع حركة “فتح” وآل إليه الكيان السياسي الفلسطيني، وانتهت إليه السياقات التي اختارها هو نفسه في السياسات الداخلية والخارجية.
الحديث من الجانب الفتحاوي، عن انتخابات تخوضها حركتا فتح وحماس بقائمة واحدة، يفتح المجال لردود أفعال من نوع الكوميديا، إذ إن الاعتقالات تعكس مشاعر التحسب والحساسية الشديدة لدى عباس، على اعتبار أن الشباب الذين جرى اعتقالهم، يحملون وجهات نظر قابلة لأن تسري داخل المجتمع كالنار في الهشيم.
الناس يعرفون تاريخ وأخلاق ومستوى كل واحد من المناضلين المعتقلين، إذ في تجربة كل منهم، ما يكفي لتكريس جدارته قائدا طليعيا. ففي كل المواقع التي شغلها المعتقلون، لم يتطفل أي منهم على الدور الذي يؤديه، وإنما كان منتخبا وجديرا بثقة الوطنيين. لذا كان مستهجنا أن يُصار إلى تناول أمر هؤلاء المعتقلين باعتبارهم بلا موضوع وبلا قضية وبلا عمق اجتماعي وبلا أنصار ورفاق.
لا يزال عباس يحاول الهرب من الحقيقة وهي أن صخور الأرض قبل قلوب البشر في الضفة ومن جملتها قلوب المنتسبين لحركة فتح باتت في انتظار يوم الخلاص من مرحلته وحاشيته
آراء المعتقلين ليست نشازا وإنما هي آراء سائر المنضوين في الأطر التي يسيطر عليها عباس، تحت طائلة قطع الأرزاق. فهؤلاء وطنيون لهم عيون ترى وعقول ترصد، ويعانون من شلل النظام السياسي وتجويفه وتعليق مؤسساته، بالإضافة إلى كون عباس نفسه، هو الذي خلق مئات القضايا والموضوعات لكل المعنيين بمصير القضية الفلسطينية ومصير الحركة الوطنية، وهو الذي أعجز الناس عن إحصاء عدد الجوانب التي أخربها وأسكنها فسادا وانحرافات وفتن، على كل صعيد في الحياة، وفي كل جانب من العمل الوطني العام، وفي المجتمع نفسه.
لقد نظر الفلسطينيون بسخرية إلى فكرة دخول الانتخابات ـ في حال إجرائها ـ بقائمة واحدة مع حماس. ولم يجد الفلسطينيون تعليلا لهذه الفكرة، سوى إدراك عباس بأنه خاسر سواء كان معطوفا على حماس، أو كانت حماس معطوفة عليه. ذلك علما بأن حماس، على الأغلب، لن تذهب إلى هذه أو تلك، بل إنها خفضّت وصف ما جاء في بيان اجتماع إسطنبول إلى “تفاهمات تجري دراستها” حسب التصريح الأخير لرئيس الحركة إسماعيل هنية.
الجانب الطريف من فرضية القائمة الواحدة، وهي لا تزال محض أمنية بالنسبة لعباس، هو كونها تعكس خوفه مع حاشيته، من مواجهة المجتمع في مناسبة انتخابية. وبالمنطق، يمكن القول إن جميع الذين أمسكوا بمقاليد سلطات الأمر الواقع في الضفة وغزة، قد خسروا الكثير، وأصبحت مواقف الرابحين في انتخابات يناير 2006، أضعف بكثير منها قبل أكثر من أربعة عشر عاما، فما بالنا بالخاسرين.
ولا ننفي في هذا السياق، احتمال أن تكون فكرة القائمة المشتركة، نابعة من حرص الخاسرين السابقين، على تأليب حماس في غزة على الفتحاويين الذين يطالبون بالإصلاح، وهذا مطلب “إخواني” عباسي مشترك، مهما كانت التباينات، ولأسباب معلومة وموصولة بموقف القطريين والأتراك من تيار فتحاوي يتلقى الدعم من دولة الإمارات.
وإن كانت التدابير التنظيمية العباسية، ستمنح الخاسرين في انتخابات 2006 فرص الترشح عن فتح من جديد، عبر قائمة مشتركة مع حماس، فمن ذا الذي سيمنح القائمة نفسها فرص النجاح؟ إن الخوف على القوائم المفترضة، ينشأ من أسمائها. وقوائم التجديد للوجوه المجربة، تحتاج إلى دعم ولو من أضدادها. فالمهم، كما في عمليات القسطرة، هو الدعامات. لكن السؤال: من يستند إلى من في هذه اللُجة إن انفجرت لواعج المجتمع وخرج أخياره وأبناؤه المشهود لهم، في الاختبارات الاجتماعية، بالكفاءة والنزاهة، وشكلوا عشرات القوائم؟
الجواب عن هذا السؤال، يبرر التشكيك أصلا في إمكانية إجراء انتخابات قريبة، كما يجدد الافتراض باحتمالات الخوض خلال سنة أو أكثر في صيغة للمحاصصة، بين حركتي فتح وحماس، بتدبير قطري تركي.
إن منظار المؤرخ وقلمه، يختلفان عن قلم المنافق ومنظاره. الأول يقيس على أحوال الناس، وعلى صحة المجتمع، ويقيس على عذابات الناس، وعلى قبح السلوك السلطوي، ويتفحص نبض الكيان السياسي، ويفتش عن المفاخر وليس عن القبائح، ولا تطربه الرزايا!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)