ardanlendeelitkufaruessvtr

اختبار فرضية الانتخابات الفلسطينية

بقلم عدلي صادق تشرين1/أكتوير 03, 2020 104

 

اختبار فرضية الانتخابات الفلسطينية
عدلي صادق
الطبقة السياسية الفلسطينية الراهنة، ليست جديرة بمباشرة واجباتها البديهية حتى إن كانت تطمح فعلاً إلى انتخابات ولا تسعى إلى إحباطها.
في مهب المهاترات السياسية
لا يُلام الفلسطينيون البسطاء، على جدية تعاطيهم مع وعود إجراء انتخابات عامة قريبة في الأراضي المحتلة والمحاصرة، لتجديد الشرعيات في سلطة الحكم الذاتي المحدود، ومرجعيتها الافتراضية منظمة التحرير الفلسطينية. لكن السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، لا يروي ولا يسقي، وفي وسع من يعرفون الأحوال، القول لو إن الأمر يتعلق بأرض أخرى أو شعب آخر، لكان جائزاً أن ينتظر الناس، غيثاً ممن يحكمون، ولا يستبعدون هطولاً مفاجئاً، تجود به غيمة سوداء عابرة، تجعل السراب ماءً حقيقياً، يلمع من بعيد، في موضع الالتباس.
ويصح القول أيضاً، وبكل أسف، إن الطبقة السياسية الفلسطينية الراهنة، ليست جديرة بمباشرة واجباتها البديهية حتى إن كانت تطمح فعلاً إلى انتخابات ولا تسعى إلى إحباطها. فأقل ما تفعله عندئذٍ، هو التوافر على بناء الهياكل المؤسسية، التي ينبغي أن تسبق أي عملية انتخابية، والتي يمكنها ضبط السياقات الصحيحة لها، ومنح الوقت والفرصة، لعملية نقاش سياسي واسع وواقعي، ثم لعملية اجتماعية ـ سياسية ـ ثقافية، تُنتج مرشحين طبيعيين صحيحين، يعرفون واجبات النائب المنتخب، وفلسفة العمل الوطني العام ووجهته في هذه المرحلة.
وفي الحقيقة، لا يتردد المرء في القول إن الفصيلين الفلسطينيين، اللذين اتفاقاً على الشروع في التحضير للانتخابات، سيجدان نفسيهما ـ في حال صدقت النوايا ـ في حاجة إلى سنة كاملة على الأقل، لتوفير الحد الأدنى من مستلزمات عملية انتخابية طبيعية!
ليس المقصد من هذه الملاحظة، هو الإحباط الذي لا مصلحة لأحد فيه. وإنما هي للحث على أخذ المقتضى النظامي لأي عملية انتخابية في السلطة (ناهيك عن منظمة التحرير، وقد سُمعت آراء تفتح المجال لاصطناع نتائجها بالتوافق). فأي عملية انتخابية تُجرى، تتطلب أولاً استعادة مؤسسة التشريع والرقابة، والعودة إلى العمل بالوثيقة الدستورية، وحل المحكمة الدستورية فوراً لعدم دستورية تشكيلها، ووقف العمل بكل المراسيم بالقرارات التي أصدرها رئيس السلطة، لإحالتها إلى المجلس التشريعي الجديد للنظر في دستوريتها، مع بطلان الأحكام التي أصدرتها المحاكم بتعليمات وخلفيات أفقدتها نزاهتها، وفتح المجال للتقاضي ورد المظلوميات والمطالبة بحقوق الناس التي أهدرت في تجاوزات فظة على القانون، وتكريس كل شروط التعددية في النظام السياسي وعمليته الانتخابية.
الكثير من نُثار الكلام سُمع وفي بعضه تلميحات من أتباع عباس بأنهم يمتلكون حق النقض ويحاولون تمرير ذلك المنطق بمفردات قانونية يستخدمونها بينما هم بالتجربة لا يحترمون القانون
لقد سُمع الكثير من نُثار الكلام، وفي بعضه تلميحات من أتباع عباس، بأنهم يمتلكون حق النقض، ويحاولون تمرير ذلك المنطق بمفردات قانونية يستخدمونها بينما هم ـ بالتجربة ـ لا يحترمون القانون. فلو كان للقانون عند هؤلاء قيمة أو وزن، لكانوا حريصين على الحصول على التفويض الشعبي، وعلى عدم إطاحة المؤسسات، ولكانوا أحرص أكثر من غيرهم على عدم إقصاء الناس، وعدم إيذائهم في حياتهم، وعدم مد سنوات الخصومة والانقسام زمناً أنتج العديد من الكوارث، دون أن يتعرضوا خلال السنين، لحرف واحد من المساءلة.
والمفارقة، أن الجانب الفتحاوي خرج بعد بيان إسطنبول، يتحدث عن خوض الانتخابات بقائمة واحدة مع حماس، ولم تعلن حماس عن موافقتها، وقالت إنها لا تزال تدرس الأمر كله. وهذا مفهوم بحكم أنها ذاهبة إلى انتخابات ولا تزال في مخاض داخلي.
لكن ضحالة الثقافة السياسية وثقافة الدولة، جعلت من السهل على الجانب الفتحاوي أن يتحدث عن قائمة مشتركة، علماً بأن التعددية هي جوهر نظام الانتخابات العامة التي تعتمد القوائم، بينما الذين يريدون تهريب أسمائهم إلى القوائم بفضل النظام التعددي، يتبنون عملية إفراغ هذا النظام من فحواه، والذهاب من طريق التفافي إلى محاصصة سلطوية تطمس الآخرين، وتستفيد من المقدرات المالية والنظام البيروقراطي لكلا الحركتين. وهذا ما يريده عباس ومن معه.
وتكتمل المفارقة، عندما تدرك حماس أن نظام القائمة الواحدة لا يلائمها، لأنها في مألوف مرجعياتها التاريخية، لا تتحالف بنيوياً مع طرف آخر، حتى لو كان يتشكل من حفظة القرآن الكريم. فالتحالفات عندها ظرفية، لأوقات وأسباب محدودة وتكتيكية.
لقد استفاضت مراجع العلوم السياسية في شرح كل أنواع الدول والأنظمة والانتخابات، بمآخذها وتطوراتها التاريخية. بل إن الاستبداد والتفرد، كانا على مر أزمان الأمم، هما سبب تطور صيغ العمليات الانتخابية، بدءا من تخليص الشعوب من أكذوبة التفويض الإلهي المباشر لسدنة الدين، عند الشعوب المسيحية، إلى ما يسمى التفويض الإلهي غير المباشر، بأن يختار الشعب رجلاً أوهمه بأنه خيار الرب، ثم عبور مراحل وأفكار توماس هوبز، وجون لوك، وصولاً إلى “العقد الاجتماعي” لـ”جان جاك روسو”.
وعلى امتداد الزمن، كان العلماء يرصدون كل أنماط الحكم ويشرحونها، ويسلطون الضوء على انتخاباتها الزائفة أو الاستعراضية، الخالية من أي خيار سياسي محدد، أو منهجية عمل تعرف وجهتها، بعد “إنجاز” التظاهر بالمشروعية العامة.
ولعل ما يدعو إلى السخرية، أن ناطقاً من ناطقي فتح، كعزام الأحمد، بكل تواضعه المعرفي وإرثه العظيم في الفشل مع الإعجاب اللافت بالذات؛ لا يكتفي بالتنظير لعملية انتخابية، تجري بطريقة المؤتمر الذي أقامه عباس وسمّاه مؤتمراً عاماً سابعاً لحركة فتح. فكأن الشعب الشاسع في الوطن وفي الشتات، يمكن أن يتقبل حركات بهلوانية، كتلك التي يتقبلها مرغما، لفيف من الحزانى الخائفين على رواتبهم. فقد كانت الطريقة عجيبة وتفتح أبواب التندر: القائد الراسخ يتولى انتخاب أعضاء المؤتمر، فيأتي بهم، لكي يمتلك القدرة على إقصاء وإهانة من يريد، فيرد له أعضاء المؤتمر المنتخبون التحية والجميل، بمبايعته قائداً حتى الموت، وبانتخاب من يريدهم!
إن جرت انتخابات قبل استعادة مقومات النظام الوطني الذي تركه الشهيد ياسر عرفات؛ تكون حركتا فتح وحماس قد وضعتا العربة أمام الحصان، لكي يهبط خليط الفائزين، بلا رؤية، إلى تضاريس اجتماعية وسياسية صعبة، فيتلفتون يميناً ويساراً لكي يعرفوا إلى أين يذهبون، وكيف يصممون هياكل حكمهم، وهم الذين لم يناقشوا تفصيلاً واحداً، ولم يكونوا استعادوا مسبقاً أي مؤسسة، أو عملوا شيئاً بموجب اعتبارات وطنية لا يصح التجاوز عنها.
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)