ardanlendeelitkufaruessvtr

أزمة الإسلام أم أزمة المسلمين؟

بقلم الحبيب الأسود تشرين1/أكتوير 06, 2020 98

 

أزمة الإسلام أم أزمة المسلمين؟
الحبيب الأسود
فرنسا هي اليوم الأكثر استهدافا في الغرب وذلك من خلال مشروع تركي إخواني بمحرك قومي عنصري طوراني يجد عمقه في الإسلام السياسي وأجنحته الجهادية الإرهابية التي لا تخفي عداءها لباريس.
فشل في تحديد أسباب الفشل
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الإسلام بمر بأزمة في كل بقاع العالم، الحقيقة أن المسلمين هم الذين يمرون بأزمة، والمجتمعات الإسلامية هي التي تواجه واقعا متأزما، فهناك اصطدام عنيف بمنجزات العقل والعلم والحضارة ورد فعل متشنج نتيجة العجز عن مواكبة التطور المذهل الذي تشهده المجتمعات المتقدمة، وهناك فشل ذريع في تحديد أسباب الفشل والعجز والانهيار، وتتم محاولات التغطية على كل ذلك بهوس ديني يزعم امتلاك الحقيقة وأبواب الآخرة والعلاقة مع الله والعقاب والثواب ومفاتيح الغيب والشرعية السماوية وحق الخلافة على الأرض وشروط البقاء فيها.
هناك حالة من التمرد الإسلاموي على قيم الدين باسم الدفاع عنه، ودعوات للتصعيد نحو المزيد من العنف وسفك الدماء، وهناك انقسامات داخل المجتمعات المسلمة زادتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حدة، بعد أن كشفت حجم ومستوى موروثنا من الكراهية والحقد ورفض الآخر والرغبة في إبداء التشفي من المختلف معنا سواء من داخل ثقافتنا أو من خارجها.
لا يستطيع المسلمون نفي تاريخهم الدموي والذي لا يزال يلقي بظلاله على واقع اليوم من خلال هذا الانقسام الطائفي والمذهبي الحاد الذي تلبس بمشاريع قومية وعنصرية وبات جزءا من الصراع الجيوسياسي والإستراتيجي في المنطقة والعالم، كما أدى إلى صراعات داخلية والدفع بدول كانت ذات سيادة ومشاريع وطنية إلى دول فاشلة تقع على هامش التاريخ، وأبدى الإسلام السياسي شراسة في محاولاته الفتك بالدول وأنظمتها ورموزها وخصوصياتها الثقافية والحضارية والاجتماعية، مستفيدا من التناقضات الإستراتيجية بين الدول الكبرى.
لقد تم الاشتغال منذ سبعينات القرن الماضي، في ظل الحرب الباردة، على نشر ما سمي بالصحوة الإسلامية تنفيذا لمخطط أميركي وغربي بهدف ضرب التيارات القومية واليسارية وخاصة المتحالفة منها مع الاتحاد السوفييتي، وقامت أغلب الأنظمة العربية باحتضان قوى الإسلام السياسي ممثلة في جماعة الإخوان، وتدخل الملك فيصل بن عبدالعزيز لدى الرئيس المصري أنور السادات من أجل الإفراج عن القيادات الإخوانية المحكوم عليها في الحقبة الناصرية، وتم عقد أول مؤتمر أممي للجماعة أثناء موسم الحج في العام 1973، ويقول الإخواني الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي في كتابه “الفكر الحركي للتيارات الإسلامية” إن المرشد الثالث لجماعة الإخوان حسن الهضيبي “انتهز فرصة الحج في ذلك العام فعقد أول اجتماع موسع للإخوان في مكة المكرمة وكان هذا الاجتماع هو الأول من نوعه منذ محنة 1954، ونظرا لأن معظم الإخوان في الخارج قد هاجروا إلى منطقة الخليج والجزيرة العربية أو البلاد الأوروبية والأميركية فقد تركز عمل لجنة العضوية في تلك المناطق، فتشكلت لجنة الكويت، ولجنة قطر، ولجنة الإمارات، وثلاث لجان للسعودية في الرياض، وفي الدمام، وفي جدة.
وكان من نتيجة تلك الاجتماعات استيعاب المملكة للمزيد من الإخوان المسلمين. وشهدت السعودية في منتصف السبعينات حركة نهضة واسعة بقيادة الملك فيصل كان من نتائجها انفتاح المملكة واستيعابها لمئات الآلاف من الكوادر المؤهلة والمتخصصة في كل المجالات العلمية والصحية والهندسية والإعلامية”، وهو ما تنبّه له الإخوان جيدا فعمدوا إلى إرسال أعداد كبيرة من كوادرهم المؤهلة في تلك المجالات، وعلى رأسها التربوية والتعليمية، وبدأ الإخوان بتشكيل خلاياهم الحركية والتنظيمية في كل مكان وجدوا أنفسهم فيه.
إن ما حدث بعد ذلك، هو انطلاق الترويج لمفهوم الصحوة، وتنفّذ الدعاة داخل مجتمعاتهم، وفتحت خزائن الخليج لدعم الجماعات الإسلامية في المنطقة والعالم، وتحول الصحوة إلى مشروع تجاري ضخم تموله الهبات وما يأتي من الزكاة والصدقات، وظهرت طبقة من رجال الدين الأثرياء، ازدادت ثراء بصفقات القتال المربحة في أفغانستان، والتي صحبتها موجة من فتاوى الجهاد والدعم الإلهي للمجاهدين، والحملات الدعائية الموجهة التي ساهمت فيها عواصم الغرب الليبيرالي، وتحركات الجماعات الدينية في مجتمعاتها تحت شعارات العمل الدعوي لمحاصرة المد الشيوعي ولاستعادة ما أضاعه المشروع القومي الفاشل، والعمل الخيري لسد ثغرات الجهد الحكومي، ما أدى إلى حصول حالة تشوه في بنية الوعي الجمعي لنسبة مهمة من أبناء دول لا تزال في مرحلة التأسيس لثوابتها وقيمها الحضارية بعد الاستقلال.
وساهمت الثورة الإيرانية في العام 1979 في الدفع نحو المزيد من الهوس بفكرة الصحوة بعد أن اعتقد دعاتها من السنة أن وجهها الشيعي قد نجح على يد الخميني، ثم أدى سقوط الاتحاد السوفييتي في العام 1991 إلى اعتقاد الإسلاميين بأنهم قادرون على تغيير العالم بعد انهيار حلف وارسو، ووجدوا دائما الدعم الغربي الذي قدمهم كمناضلين من أجل الحرية، تماما كما حدث بعد 2011 في ليبيا وسوريا، ووجد قادتهم في عواصم الغرب مواطن لهم، وفي مخابراته أجهزة تدربهم على تدمير دولهم ومجتمعاتهم، وفي تقنياته الحديثة أدوات لسلب إرادة البسطاء من أقوامهم وغسل أدمغتهم والدفع بهم إلى ثقافة التكفير والكراهية والتخوين ومنها إلى التفجير والاغتيال والقتل في بؤر التوتر، وتشكيل مجتمعات موازية داخل مجتمعاتهم الأصلية تستثمر في المظلومية وتتظاهر بالفضيلة، وكيانات تخطط للتغلغل في مفاصل الدول التي ينتمون إليها.
وقد نجح الإسلام السياسي، حيثما وجد، في استغلال البنى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية الهشة لأعداد كبيرة من المسلمين بالوراثة، فشكل جيوشا من أدعياء التدين، كانت السعودية وقطر والكويت في مقدمة الممولين سواء من خلال القنوات الرسمية أو من خلال الصمت الحكومي على الجمعيات والمنظمات المتخصصة في جمع المال وتوزيعه تحت يافطة العمل الخيري والإنساني الذي لا هو خيري ولا إنساني وإنما هو مرتبط بمشروع عقائدي وسياسي يعتقد أصحابه أنهم قادرون على اختراق المجتمعات وتقسيمها من الداخل بهدف السيطرة عليها لتعويض الإحساس بالعجز عن ملاحقة إنجازات العقل الإنساني.
فرنسا واحدة من الدول التي تعرضت للاختراق، وهي اليوم الأكثر استهدافا في الغرب، واستهدافها نراه من خلال استهداف مصالحها في شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء والشرق الأوسط وصولا إلى أرمينيا الفرانكفونية ذات العلاقات التاريخية والثقافية العميقة بها، وذلك من خلال مشروع تركي إخواني إسلاموي خلافوي بمحرك قومي عنصري طوراني يجد عمقه في الإسلام السياسي وأجنحته الجهادية الإرهابية التي لا تخفي عداءها لباريس ما دفع بالرئيس الفرنسي إلى الخروج بتلك التصريحات الصادمة الجمعة الماضي.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)