ardanlendeelitkufaruessvtr

العراق و الأوبئة

بقلم ابراهيم الدهش تشرين1/أكتوير 20, 2020 106

ابراهيم الدهش

.. كما يعلم الجميع بأن وباء كورونا لم يكن اول الأوبئة التي ظهرت وانتشرت في العراق والعالم بل تعرض بلدنا الى انتشار الأوبئة وأمراض مختلفة  قاتلة ولم يجد لها علاجاُ أو طريقة للقضاء عليها ، ومن بين تلك الأمراض (( الهيضة ، الكوليرا ، التدرن الرئوي (السل) ، الحصبة وغيرها من الأمراض. واذا اردنا ان نتحدث عن الهيضة أو ماتسمى  (الكوليرا) فان اول ظهورها وتفشيها في العراق ابتدأ من بغداد ومن ثم انتشر في مدن ومناطق عدة اي من شماله الى جنوبه للفترة من (1236هـ -1820م) وحتى (1336 هـ – 1917م). فقد تفشى هذا المرض بشكل كبير في عام (1307 هـ – 1889م) . وعندما نتحدث عن العراق ليس المقصود أنه وحده كان يحمل هذا الوباء الخطير بل العالم بأسره ، ولكن تطرقنا عن العراق كنموذج للحديث . إن ظهور الكوليرا كان في قضاء الشطرة والذي خلف خسائر بشرية كبيرة وبعدها اندفع الى الناصرية والى سوق الشيوخ والعرجة والسماوة ، وانتشر بعد ذلك بين العشائر الشامية ، ومنها انتشر في الحلة وكربلاء ، ثم الى مركز الولاية بغداد، بعد أن ترك وراءه كثيرا من الضحايا ثم امتد تأثيره الى الشمال ، كما تفشى هذا المرض في كركوك وقضى على ألف نسمة من سكانها وانتقل من هناك الى السليمانية وحسب التقارير والمصادر الرسمية التي ذكرت في تلك الفترة فان (7000) توفى منهم (3516) مصاب من مجموع نصف مليون نفوس بغداد ، كم تفشى وباء الهيضة (الكوليرا) سنة (1328 هـ – 1910 م) في بغداد وباقي مدن العراق ، مما أرهق الزوار الأجانب بسبب تشدد السلطات العثمانية في عملية الحجر الصحي ومدته . ولم يقتصر تفشي وباء الكوليرا على العاصمة بغداد بل انتشر أيضا في البصرة خلال فترة الاحتلال البريطاني شتاء ( 1916م وربيع 1917م ) مما أثقل كاهل المدينة وراح ضحيته الكثير من الأرواح ، وفي نفس السنة تفشت الهيضة في بغداد ، وكان احد المصابين القائد العسكري البريطاني (ستانلي مود) وادت الى وفاته ، على الرغم من قيام السلطات البريطانية على اجراء تطعيم عام في الدوائر العسكرية دون المواطنين ، كما اصيب عدد من الشخصيات رفيعة المستوى بهذا الوباء اللعين وقد  بلغت أعداد الضحايا في عام 1917 ممن اصيبوا بمرض الهيضة (الكوليرا) بحدود (10000) عشرة آلاف نسمة . ان وباء الهيضة (الكوليرا) لم يكن متوطنا في العراق بل جاء اليه من الموانئ الموجودة في البصرة مع التجار والزوار والسياح القادمين من الهند وايران والخليج العربي . ولم ينتهي هذا الوباء بل جاء بعده مرض الجدري والحصبة اللذان تفشيا في الموصل سنة (1209 هـ -1794م) كما وامتدت عدواهما الى مدينة بغداد وضواحيها في سنة (1210 هـ -1795م). أما بخصوص وباء الملاريا ، فكان ينتشر في أعقاب الفيضانات التي كانت تحدث بين سنة واخرى ، اذ كانت تترك برك الماء والمستنقعات في الأراضي المحيطة بالمدن والأهوار ، ومع ان مرض الملاريا متوطنا في البصرة الا انه انتشر بشكل وبائي في سنة (1293 هـ -1876م). وفي السنة ذاتها ظهر مرض باسم ((حبة بغداد )) وهي كثيرة الوقوع ، اذ تظهر في جميع أهالي بغداد وبعض المقيمين وتترك في محلها ندبة . كما عانت الموصل في سنة 1327 هـ -1909م) من مرض (السل الرئوي) الى جانب أمراض العيون التي تفشت بين الأهالي حيث أصبحت ظاهرة مألوفة أن يشاهد المرء في الشوارع أشخاص مصابين بالعمى الكلي أو الجزئي ، وبعدها بسنة اجتاح المدينة مرض (الحمى التيفوئيدية) اذ بلغ عدد المصابين في الستة أشهر الاولى (164) مصابا توفي منهم (23) . أما في البصرة فقد حل مرض (النزول) سنة (1332 هـ -1913م) الذي هو عبارة عن نقطة سوداء وبقع تشبه الدمامل يصاب صاحبها سريعاً ، ثم تشخص عيناه وتنقطع عنه حاسة السمع ثم تستك أسنانه ويموت ويصاحب المريض سيلان الدم من الفم . ويبدو من الأعراض المذكورة أنه قصد بمرض النزول الجمرة الخبيثة . ومن خلال الحرب العالمية الاولى أي في سنة (1334 هـ -1915م) نقل النازحون من الأناضول جنوباً مرض التيفوس الى العراق نتيجة سوء الحال الذي كانوا فيه ، مع سيل من الجرحى القادمين من معركة سلمان باك . كان المرض قد بدأ انتشاره نتيجة تفشي القمل في الجيش ، لذا فقد ظهر في بغداد في تلك السنة فأمرت الحكومة موظفيها بأن يلقحوا ضد المرض . كما ظهرت في البصرة سبعة عشر اصابة بمرض التهاب السحايا في سنة (1336 هـ -1917م)، علما ان مرض السحايا لم يكن معروفا في البصرة قبل الحرب العالمية الاولى ، وقد جاء اليها مع سفن الامدادات والتجهيزات البريطانية من مصر وأفريقيا و أوربا . إضافة إلى ذلك فقد تعرضت ايضاً الموصل الى أكبر مجاعة في خريف (1336 هـ -1917م) مما تسبب الى تفشي مرضين لم تعرفهما الموصل من قبل وهما التيفوس ، والانفلونزا، الى جانب الهيضة (الكوليرا) والذي ذهب ضحيتها عشرة آلاف نسمة من السكان والمهاجرين ، واضافة لما ذكرنا فقد كانت هناك أمراض عديدة اخرى متوطنة تظهر بين الحين والآخر كالحب الافرنجي ( السفلس أو الزهري) والبلهارزيا وأنواع الديدان الاخرى.

 ان أغلب الأوبئة والأمراض

كانت تفد من خارج العراق وتحديداً  من الهند وايران عن طريق القوافل التجارية وكذلك الزوار أثناء زياراتهم .ومما تقدم تبين ان أخطر الأوبئة والأمراض التي اجتاحت العراق للمدة من (1794 هـ -1917م) هي اثنا عشر مرضا ووباءا ، هي (( السحايا ، الجدري ، الطاعون ، الملاريا، الكوليرا، النزول (الجمرة الخبيثة) الحصبة، السل الرئوي ، حبة بغداد ، العيون ، الحمى التيفوئيدية ، التيفوس ، الانفلونزا )) .. ان الأمراض التي اجتاحت الولايات وبعض المدن العراقية خلال العهد العثماني والاحتلال البريطاني ، وفدت اليها من دول الجوار من خلال التجار والزوار والسياح الذين كانوا مصابين بتلك الأوبئة والأمراض هذا من جانب ، كذلك تخلف النظام الصحي والاداري الحكومي من جانب آخر ، ولم تكن هذه الاوبئة التي ذكرناها مسك الختام بل ظهر وباء كورونا الذي لا يقل خطورة عن بقية الأوبئة التي اجتاحت العراق والعالم وخلف خسائر جسيمة في الأرواح إضافة إلى الخسائر المادية والاقتصادية في عموم دول العالم .

قيم الموضوع
(0 أصوات)