ardanlendeelitkufaruessvtr

الحشد الشعبي بين الهوية الوطنية وحتمية تغيير السلوك!

بقلم: الكاتب والباحث السياسي

أنمار نزار الدروبي...

شهد العراق بعد عام 2003، فوضى عارمة في كل شيء، فوضى سياسة واقتصادية، فوضى مجتمعية وثقافية فكرية، وكما ذكرت في إحدى مقالاتي كانت النتيجة أن العراق يعاني حاليا من (حالة تردي ثقافي وغيبوبة فكرية وتحديدا في الجانب التعليمي والصحي). وبعد أكثر من سبعة عشر عاما تنعم فيها الشعب العراقي (بالديمقراطية) الأمريكية الهوليودية، وبعد صراعات سياسية أكثر من دموية بين الكتل والأحزاب السياسية الحاكمة في البلد (الشيعية والسُنية والكردية)، انتجت حكومات عاجزة عن القيام بأي دور فاعل وإيجابي لحل المشاكل بين هذه الكتل السياسية، ويفتقر البرلمان المنتخب للاضطلاع بدور فاعل لحل الأزمات، ما يجعل الخبراء يفكرون بان البلاد ذاهبة للفوضى وعلى شفا الحرب الأهلية والتقسيم

 دواعي التشكيل

يعتبر الحشد الشعبي قوات نظامية وجزء من القوات المسلحة العراقية ؛ وتأتمر بأمرة القائد العام للقوات المسلحة ومؤلفة من حوالي 67 فصيلاً، تشكلت بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الدينية في العراق ، وأقر قانون هيئة الحشد الشعبي بعد تصويت مجلس النواب العراقي  بأغلبية الأصوات لصالح القانون في 26 نوفمبر 2016.

وتعتبر قضية الحشد الشعبي محط اختلاف سياسي ومجتمعي، قد خلفت صراعات سياسية وصراع نفوذ وتأثير داخل الدولة، وباتت تهدد وحدة العراق بكل تأكيد. ليس بسبب الحشد كمؤسسة عسكرية ، بل بسبب ما تمارسه بعض المجاميع أو الفصائل التي تتبع للحشد إداريا وإلى إيران فنيا، التي تعمل بشكل مختلف عن القوات النظامية الرسمية .

الحشد الشعبي والهوية الوطنية:

لا يمكن قراءة مستقبل الحشد الشعبي في العراق، بمعزل عن مجمل من الأحداث والتداعيات، أبرزها مقتل أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد، والصراع الأمريكي الإيراني في العراق، وجود بعض الفصائل الولائية التابعة لإيران داخل مؤسسة الحشد نفسها، إضافة إلى العلاقات الدولية والتأثيرات الإقليمية على العراق. والأهم من كل هذه العوامل قد تكون هناك تفاهمات بين واشنطن وطهران فيما يخص مستقبل الحشد الشعبي بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، تلك التفاهمات التي قد تتخلى فيها إيران عن دعمها للفصائل المسلحة بالعراق أو تقليل حجم الدعم مقابل انفراج في العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها، إضافة إلى احتمالية تشكيل إقليم سُني وتداعيات هذا التقسيم على مستقبل وجود الحشد الشعبي في المناطق ذات الأغلبية السنية

ومن دون شك أن الحشد الشعبي كما ذكرنا تشكل بفتوى الجهاد الكفائي، ومهمته الأساسية كانت قتال تنظيم داعش الإرهابي وتحرير العراق ، بمعنى الحفاظ على هوية الوطن. فهناك ألوية وتنظيمات عسكرية مرتبطة بمرجعية النجف، على سبيل المثال لا الحصر، فرقة العباس القتالية وفرقة الإمام علي القتالية وغيرها. لكن بعد تحرير المحافظات والمدن العراقية من داعش، سعت بعض الجماعات المسلحة إلى استغلال أسم الحشد الشعبي والبقاء في هذه المحافظات وبتعليمات من دولة إقليمية، وتحول الصراع بين هذه الجماعات المسلحة وبين أهالي تلك المحافظات، من خلال ما تقوم به هذه المجاميع من عمليات الاعتقال والقتل والتهجير حينما تتعارض المصالح، في النفوذ السياسي، السلطة والهيمنة، المغانم الاقتصادية والمالية، بيد أن كل هذا العنف الذي تمارسه هذه الفصائل يصب في تنفيذ استراتيجة محددة وهي التغيير الديمغرافي في تلك المحافظات بغية السيطرة على مقدراتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية وأيضا الانتخابية . لكي لا يمتلك أهلها السلطة في تلك المحافظات

مؤشر خطر الأمن المجتمعي:

بالرغم من نصوص الدستور الحامية للقوق المدنية وحقوق المحافظات الا ان الفصائل المتصارعة لا تتقيد بهذه النصوص ، ومن هنا ستظل المحافظات الشمالية والوسط والغربية في العراق تعاني من مشاكل التمثيل والسلطة والحقوق في ظل هيمنة تلك الميليشيات غير المنضبطة أو السلاح المنفلت كما يسموه في الأوساط السياسية والاعلام  أو الجماعات الخارجة عن القانون وغيرها من المفردات التي صُدعت رؤوسنا بها. حيث لم يعد القتل والتهجير والاعتقال من الانتهاكات للقانون وحقوق الانسان، بل أصبحت حقوق مقدسة لهذه المجاميع المسلحة.

وتبسط الفصائل الولائية نفوذها وتهيمن بشكل كامل على تلك المحافظات ، ولن تسمح بقوة السلاح لتدخل أي قوة عسكرية رسمية أو جهاز أمني وهذا يشكل مؤشر خطر على الأمن المجتمعي من جانب ولهيبة الدولة وإنفاذ القانون من جانب اخر، فأن المواطن البسيط في هذه المحافظات يعوّل في هذه القضية تحديدا على الحكومة لتضع له حدا لهذه المأساة، باعتبار أن الحشد الشعبي قوة عراقية خالصة مهمتها وكما ذكرنا آنفا الحفاظ على الهوية الوطنية وضمن أجندة عقلانية، ولابد من معالجة ذلك قبل حدوث انفجار شعبي عارم في تلك المحافظات بما لا يحمد عقباه، خاصة وأن تلك المجاميع الخارجة عن القانون تتذرع دائما بانتسابها إلى مؤسسة الحشد الشعبي وأنها تنفذ أوامر القائد العام ورئيس الوزراء.

الحشد الشعبي والحتمية الجغرافية:

نظرا لقوة الجغرافية السياسية العراقية أو (الجيوبولتيكية العراقية) يعتبر العراق دولة مؤثرة في المحيط الإقليمي، وبات رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في قضايا المنطقة. حيث تعتبر القضية الجيوبولتيكية من أعقد الملفات التي تواجه العراق في الوقت الراهن، فحالة الفوضى السياسية وانعدام الأمن بعد عام 2003 فاقمت العديد من الأزمات الجغرافية، أبرزها التدخلات الأجنبية والإقليمية ، فإن تعاطي إيران مع العراق كان ومازال مرتبط بشكل كبير بخطها الاستراتيجي في مشروع تصدير الثورة الإيرانية ، وابتلاع العراق والهيمنة المطلقة عليه كهدف استراتيجي . بيد أن تقسيم العراق وسوريا في حال استمرار النهج الإيراني سيضر بالمصالح الإيرانية بأي شكل من الأشكال.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
انمار نزار الدروبي

كاتب وباحث سياسي عراقي مقيم في بروكسل