ardanlendeelitkufaruessvtr

الشعر والكتابة

بقلم حميد سعيد تشرين1/أكتوير 29, 2016 403

الشعر والكتابة
حميد سعيد
في ساعة متأخرة من الليل، وفي اليوم الذي نشرت فيه صحيفتنا “العرب” الموضوع الذي تناولت فيه، الكتابة بعنوان “رأي في الكتابة” تلقيت مكالمة هاتفية من صديق، مذ عرفته وهو لا يمل الحوار ولا يتوقف عن الأسئلة.
بعد تحية سريعة ومن دون أن يشير إلى ما كتبته، قال لي: لماذا لم تكتب، عن الشعر والكتابة، ولماذا تكتب الشعر؟
وكنت أعرف، لو تورطت معه في الحوار، لطال الحديث بيننا إلى ما لا يعلمه إلا الله، وإذ كنت متعباً، ومثل هذا الحوار لا يمكن أن يكون عبر الهاتف، وفي ساعة متأخرة من الليل.
قلت له “ما دمت تتابعني في ما أكتب لصحيفة ‘العرب’، فانتظر مني إجابة عن سؤالك واستجابة لملاحظتك”. وها أنذا أفعل، رغم أن الموضوعين اللذين أثارهما صديقي اللجوج، والذي أحبه حتى في لجاجته، قد تناولتهما في كتاباتي من قبل وفي عدد من الحوارات الأدبية أكثر من مرة، بل لقد اقتربت منهما في” رأي في الكتابة” حين تحدثت عن الكتابة الإبداعية.
إن الشعر نمط من أنماط الكتابة، يتسم بالرقي، حيث يبتدع الشاعر مكوناته الجمالية التي تتمثل جماليات الماضي، ولا يرى في هذه الجماليات، طقسا من طقوس العبادة، لا يجوز تجاوزها أو تجديدها.
إن الشعر نتاج وعي، وعي بالحياة، وهو منتج وعي في الوقت ذاته، وحين أقول إنه منتج وعي، فذلك ليس بما يفرض على المتلقي من المعاني، وإنما بما يثير من أسئلة تتفاعل في ذهن المتلقي وتنتج وعيا.
وما دمنا بصدد الكتابة، فإن مادة الكتابة الشعرية الأساسية، هي اللغة، ولقد أكدت باستمرار أن ليس من إبداع مهم من دون لغة ثرية، وثراء اللغة الذي أشير إليه، يتمظهر في مجالين؛ الأول، المعجم الثري الذي يستجيب لكل ما تتطلبه الكتابة الإبداعية، والثاني، البنى اللغوية في تعددها، وهذه البنى تخرج النص الإبداعي من حصار التكرار، أقصد حصار البنية اللغوية التي تتكرر، وفي تكرارها يفقد النص جماله وحيويته من جهة، ولا يستطيع أن ينفتح على آفاق الفكر من جهة ثانية.
إن القول بثراء المعجم، لا يعني ما يلجأ إليه بعض الشعراء في الحفر في المعاجم، فتكون لغة الشعر في انفصال عن مضمونها، وكذلك في ما يتعلق بتعدد البنى اللغوية، فهذا التعدد لا يعني تحول القصيدة إلى تمارين لغوية، بل هو نوع من التكامل الداخلي، كما تنمو الشجرة وليس كما تكبر الكتلة من خارجها.
إن القصيدة، طائر جميل، بجناحين، جناح الفكر وجناح اللغة، ولكي يستطيع الطائر الجميل أن يطير بحرية، فلا بد من توازن الجناحين وتكامل فعلهما.
أما لماذا أكتب الشعر؟
أذكر أن سؤالا، مثل هذا السؤال وجه إلي في أحد الحوارات الأدبية فأجبت “لأن الشعر هو صوتي ولغتي وأعمق ما في قاموسي للتعبير عني، وأقول: لقد فتح الشعر لي آفاقا واسعة على الحياة، في ما رأيت وفي ما عرفت ومن عرفت، كما دفع بي ولا يزال إلى آفاق معرفية وتجارب روحية، ما كانت تتاح لي لولا الشعر”
ومن خلاله، توفرت لي علاقات إنسانية رائعة، من أصدقاء ومحبين وقراء ونقاد وإعلاميين، أقارن أحيانا بين حياتي في عمان وحيوات أصدقاء ومعارف، جئنا إليها معا، فأجدهم رغم انفتاحهم على الحياة، يشيخون روحيا وجسديا وذهنيا، بينما ورغم ما اخترت من عزلة، تجدني محاطا بالأصدقاء وأحتفظ بحيوية روحية وجسدية وذهنية، أقرأ وأكتب وأسافر وأنشر، أتلقى رسائل من خلال جميع وسائل الاتصال الحديثة وأرد عليها، ألتقي بمبدعين ومثقفين، أحاورهم وأتعلم منهم، ثم أواصل الحوار الذاتي، حين أكون وحيدا.
كاتب من العراق



باهر/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)