ardanlendeelitkufaruessvtr

الأخلاق موهبة

بقلم د. خالد الخفاجي تشرين2/نوفمبر 05, 2020 59


الأخلاق موهبة
د. خالد الخفاجي
ربما يرسخ في عقول الكثير من الناس، بأن الموهبة هي مجرد صفة أو تفرد في مجالٍ ما من المجالات الفنية أو التجارية أو الصناعية أو التكنولوجية أو الإنسانية وغيرها من المجالات الأخر أو هي طاقة غير اعتيادية فطرية كامنة في شخصية الأفراد، وفعلا فإن الموهبة موجودة لدى جميع الناس بمختلف فئاتهم العمرية في التخصصات التي تستهوي رغباتهم أو أحلامهم وتطلعاتهم، وهذا ربما يشكّل نمطا اجتماعيا معيّناً وفي الغالب يصبح حالة بيروقراطية تتباهى بها الطبقات الاجتماعية وتتطور ليتم إطلاق أسماء العائلات والألقاب عليها، لاسيما في مجتمعاتنا العربية، فعندها تُذكر العائلة الفلانية ذائعة الصيت في المجال الفلاني وهكذا، وهناك الذين يُظهرون التفوق والقدرة في الأداء بنسب واضحة لفئة عمرية معينة، إذا ما قورنت مع مجموعة أخرى بنفس الفئة، وتظهر الأخيرة ضعيفة عن الفئة الأولى، هنا سوف تظهر الموهبة واضحة لدى الفئة الأولى. وهذا المفهوم يكاد يكون متفقا عليه من قبل جميع المكونات الطبقية، وربما أصبحت من الأخطاء أو اللازمات الشائعة، لأن هناك بالمقابل موهبة في مقدمة المواهب التي يتميز بها الكبار في مختلف المجالات العلمية والفنية والثقافية والاستثمارية وغيرها، وربما تكون هذه الموهبة التي هي الأخلاق سبقت كل تلك المواهب.
فإذا ما أعددنا القِيَم الإنسانية فإننا إنما نعد القيمة المالية، والقيمة الاجتماعية، والقيمة الوظيفية، والقيمة العلمية، والقيمة الإبداعية، إذاً السؤال الذي يطرح نفسهُ هنا: ما فائدة هذه القيم بغياب القيمة الأخلاقية؟ لاسيما أن القيمة الأخلاقية هي سيدة القيم كلّها على مر الحياة البشرية، ولكن هل الأخلاق توجد عند كل إنسان؟ الجواب لا، لأن الأخلاق ترتبط بالخالق سبحانه هو من يقسّمها حيث قال في محكم كتابه الحكيم: (إنَّ الله تعالى قَسَمَ بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم). وقال: (فإنَّ الأخلاق مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن يشاء).
وعرف التاريخ القديم والمعاصر العديد من الموهوبين الذين كان لهم دور واضح وبارز في رسم وصناعة حياتنا وعالمنا المعاصر.
فمثلا المخرج السينمائي  المعروف «وودي ألين Woody Allen»  حصل على تقدير ضعيف في مقرر صناعة السينما، وكان يهرب من المدرسة دائماً للذهاب إلى السينما، حتى طلب مدير مدرسته من أمه أن تذهب به إلى طبيب نفسي.
فيما كان المخترع العظيم توماس أديسون Thomas» صبياً اتهمه معلموه بالغباء الشديد وعدم القدرة علي التعلم، وتم طرده من عدة وظائف، وعالم الكيمياء الشهير «لويس باستور Louis Pasteur»  تم تصنيفه بدرجة متواضعة في الكيمياء من قبل الكلية الملكية.
لكن اغلب العظماء كانوا أحيانا يعانون من اضطرابات نفسية أو حتى نفسية وجسدية مثل الاكتئاب، ويحلل الأطباء النفسيون هذه الاضطرابات وهذه الأعراض من منظور «الموهبة» وهي عدم اكتشاف مواهبهم في الوقت الذين يحددونه.
ورغم ذلك فإن أكثر الموهوبين من الكبار تمكنوا من تحقيق ما كانوا يصبون إليه وفعلا حققوا أخيرا ما كانوا يبحثون عنه في عملهم وحياتهم العملية والخاصة، حيث عثروا في نهاية الطريق على ضالتهم.
كل هذه المواهب يتربع على رأسها تاج موهبة الأخلاق التي يفتقر لها الكثير من الناس، وهذا ما أوصل مجتمعاتنا العربية الى الانهيار لأنها تعاني من أزمة أخلاقية قبل الأزمات الاقتصادية، وما يحدث في بلدنا من تفشٍّ على صعيد الفساد الحكومي هو تحصيل حاصل لافتقارهم إلى موهبة الاخلاق، ولم يعرفوا معنى الحياء تجاه خالقهم أولا، وتجاه أنفسهم، وتجاه شعبهم، لذا يوصلون الوطن الى الانهيار بكل معنى هذه الكلمة، وحتى في العلاقات العاطفية إذا كان أحد الحبيبين لا يتمتع بقدرٍ كافٍ من موهبة الأخلاق وصدق الوجدان في آخر المشوار سوف يخسر مت يحب.
إذاً الأخلاق موهبة لأنها وحدها الطريق المؤدي إلى سرّ الحياة الجميلة برغم تفاصيلها القبيحة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)