ardanlendeelitkufaruessvtr

الإنتخابات المبكّرة بين الشك واليقين

بقلم لويس إقليمس تشرين2/نوفمبر 08, 2020 251

الإنتخابات المبكّرة بين الشك واليقين
لويس إقليمس
تسعى قوى متحالفة نافذة في السلطة زرع بذور الشك في إمكانية تحقيق ما تعهد به رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بإجراء انتخابات مبكرة في الموعد الذي حدده بتاريخ 6 حزيران 2021. إنّ تحليلاُ عابرًا لما يصدر من تسريبات من لدن مكاتب أحزاب السلطة ولاسيّما تلك التي تشكّل عصب المنظومة السياسية أو التصريحات المبطنة تشير بما لا يقبل الشك إلى حقيقة واقعة تتمثل بسعيها الحثيث لوضع العراقيل أمام إنجاز هذا التعهد الذي بدا واضحًا من ضمن أولويات أجندة رئيس الحكومة الانتقالية الذي اتُفقَ على اختياره قائدًا لهذه المرحلة الحرجة للأسباب التي يعرفها صناعُ القرار قبل غيرهم. فأسلوب التوافق والمساومة والتحاصص هو ذاتُه الذي طُبقَ على متولّي رئاسات الوزارات العراقية منذ الغزو الأمريكي القبيح قبل أكثر من 17 عامًا خلت. ويبدوا أنّ من بنود شكل هذا التوافق أن يخضع في تطبيقه وتنفيذه لتبريرات وتغييرات واتفاقات لاحقة آنيّة وبحسب حاجة الواقع بين الكتل والأحزاب التي تهيمن على شكل النظام وأدواته وطريقة تسيير مهام الدولة والحكومة ومؤسساتها.
في كلتا الحالتين، لو توصلَ رئيس الحكومة لتحقيق عقد هذه الانتخابات في التاريخ الذي حدده هو بحسب ما تعهد به أي قبل التاريخ التقليدي لموعد الانتخابات البرلمانية المقرر في 2022? فسيكون عليه ضمان نزاهتها وتأمين كافة مستلزماتها الأمنية واللوجستية، وربما الاستعداد للتصادم مع قيادات سياسية وكتلوية وحزبية تقليدية حول أسلوب إخراجها بطريقة أكثر شفافية من سابقاتها حفاظًا لماء الوجه من ناحية، وتهدئة لخواطر الكتل التي أتت به إلى السلطة من ناحية أخرى وإرضاءً للشارع المنتفض في نهاية المطاف. فمن هذا المنظور عينه، سيبعث الكاظمي ايضًا، رسالة اطمئنان للشعب وللشارع المنتفض الذي وعده بتأمين مشاركة ثواره فيها تطبيقًا لمبدأ الديمقراطية المفترض والذي يعلم علم اليقين أنَّ المدة المتبقية غير كافية لتحقيق الحدّ الأدنى من رغبات الشعب وثوار الانتفاضة التشرينية بترميم وتوحيد صفوفها استعدادًا لخوض المعركة الانتخابية بندّية تبدو غير متكافئة بكل الأحوال مقارنة مع قدرات أحزاب السلطة الحاكمة وأدواتها من مال وسلاح وهيمنة على مفاصل الحياة. حتى لو كانت رسالتُه “الوطنية” تنطلق من سعيٍ شخصيّ أو استشارة خارجية أو محلية، لإحداث فسحة أوسع للتغيير المرتقب الذي يتطلع إليه الجميع، فإنّه لن يستطيع ضمان هذا الحدّ الأدنى من التمنيات الشعبية بتحقيق مثل هذا التغيير وشكله الذي يظلّ ضبابيًا غير واضح المعالم والأهداف في ظلّ الفوضى الأمنية وتعدد مداخل ومخارج السلطة وسطوة ميليشيات الأحزاب على مقدّرات الدولة وتمتعها باليد الطولى في تسيير شؤون البلاد والعباد بفضل الغطاء الديني والمذهبي الذي يؤرّق مؤسسات الدولة الهزيلة ويبقي على تراجعها في كلّ شيء.
جيوش الكترونية
في اعتقادي، كان لرئيس الوزراء وجيوشه الالكترونية والجماعات المدربة التي احتكّت مع تنسيقيات التظاهر، تأثيرٌ واضح في إقناع قيادات معينة في ساحات التظاهر ما أدّى لتراجع حدّتها وكثافتها مع تقدم الأيام وأخيرًا بانسحابها بهدوء وسط ذهولٍ غير متوقع لإنهاء الاحتجاجات التي دامت عامًا كاملاً باعتصامات طويلة لا مثيل لها أثبتت قدرة الشعب وفئة الشباب منهم بخاصة، على التصدّي لأشكال الغبن والظلم والرفض إذا توفرت الإرادة والأدوات. وقد يكون التعهد الذي قطعه رئيس الوزراء على نفسه بتحقيق هدف الانتخابات المبكرة واحدًا من الأسباب الرئيسية لمثل هذا التراجع. لكنّ السبب المقابل في عدم تحقيق الثورة التشرينية جميع مطالبها التي تمثل مطالب عموم الشعب أيضًا، يكمن في اختراقها من جهات سعت لركوب الموجة وخلق حالات من الإحباط، علاوة على ضعف التنسيق وافتقارها لوحدة الصف والكلمة بالرغم من وجود ما يُسمى بالتنسيقيات التي اختفت أسماء قياداتها من المشهد، فلمْ يُعرف لها زعامات واضحة. فغياب الزعامة يعني الانجرار وراء المجهول والضبابية في توحيد مطالب المتظاهرين وكذا صعوبة في تحقيق الهدف بأقصر الطرق عندما يقف الفريقان ندّا لندٍّ. لذا ظلّت التظاهرات تراوح في مطالبها وصيحاتها وحتى في هدف “التك تك” وحركته التي خبت هي الأخرى، وسط عناد أحزاب السلطة ومماطلتها وتسويفها بمراهنتها على الوقت في ضمان تراجع ثورة الشعب كلّما طالت فترة الاحتجاج في مختلف الظروف الجوية التي رافقتها في عموم البلاد. وإنّ كنّا نشيد ببطولة الشباب الثائر ونتأسف على مَن فقدوا حياتهم بسبب قنّاصي الحكومة السابقة الماجنة، فإننا جميعًا نتفق على سوء إدارة أزمة الانتفاضة الثورية التي غيّرت مجرى السياسة وفتحت الطريق لمزيد من التغيير، كان أولُ بوادرها الضغط باتجاه استقالة الحكومة القاتلة السابقة والمطالبة بتغيير النظام الانتخابي، بالرغم من عدم تلبية هذا الأخير في شكله ومضمونه الشامل العام رغبة المتظاهرين كلّيًا. فما يزال مطلبُ الكشف عن القتلة ومحرّضيهم وأدواتهم ومحاسبتهم كما تقتضي عدالةُ السماء ومصلحةُ الوطن غير متحققة. فاللجنة أو اللجان المتعددة التي أُعلن عن تشكيلُها، ومنها هيأة النزاهة، ما تزال متلكئة في عملها وتخشى الحديث عن الحقائق التي يمكن أن تغيّر وجه الواقع المتهرّئ سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا وتربويًا وعلميًا وصناعيًا وإنتاجيًا، بل وتغّير من شكل المنظومة السياسية الحاكمة التي ينتظرها الجميع بفارغ الصبر واستبدالها بنظام رئاسيّ أو شبه رئاسي مؤثر شعبيًا بسبب استغلال المؤسسة التشريعية موقعها لسنّ قوانين تتوافق مع مصالح أحزاب السلطة الحاكمة بعيدًا عن مصالح الوطن العليا والشعب، ما جعل الشعب في وادٍ والبرلمان ونوابُه في وادٍ آخر.
حالة اصدام
أمّا في حالة اصطدام رئيس الوزراء بجدران صلدة تُحاك ضدّ عدم تمرير الانتخابات في الموعد “المبكر” المحدَّد لها، فإنّ مثل هذا الموقف ستكون له آثارٌ غير طيبة في نفوس مَن يتشبث باستعجال عقدها بحسب أجندة رئيس الوزراء، ولاسيّما الشارع الذي ظلّ يغلي عامًا كاملاً لحين استكانته واسترخائه بعد الذكرى الأولى لانتفاضة شبابه الثائر الذي أعطى أكثر من 600 شهيد وما يربو على 30 ألف إصابة في صفوف الثوار في وسط البلاد ومحافظاتها الجنوبية الشيعية. قد يرضخ رئيس الحكومة في النهاية لمساومات أحزاب السلطة، وهذا متوقع جدًّا، بعدم إجرائها وفق هذه الأجندة بسبب ضعف أداء فريقه الوزاري وتلكّؤ أو تمادي الجهات التي اعتمد عليها في الاستشارة والأمن والقدرة العسكرية الخاضعة لقوى ماورائية عميقة في الدولة والمتخفية بأشكال وأدوات صعبة الاختراق من دون قوة ساندة من الخارج.
وهذا الأمل الأخير بحصول تدخلات خارجية غير متوقع أبدًا إنْ لم يكن مستحيلاً في الظروف الشائكة الراهنة. ففي ظلّ الرغبة الجارفة بالانسحاب الأجنبي من مشاكل المشهد السياسي العراقي المعقد كلاعبٍ رئيسيّ، وخاصة الجانب الأمريكي الذي سئمَ التدخلات الخارجية للإدارات السابقة والدخول في حروب غير منتجة لا تؤتي ثمارًا في أسلوب غزو المنطقة وتركها بالتوافق والمساومة للجارة الشرقية، فإن الأوساط المقربة من دوائر القرار الأمريكي لا تعتقد بحصول تدخلٍ مرتقب في هذا الشأن. ناهيك عن أنّ الغرب الأوربي له ما يكفي من مشاكل معقدة في الاقتصاد المتراجع بسبب الجائحة القاتلة. فهذا الأخير، جلُّ ما يهمّه تحقيق المنافع الاقتصادية وحصد المكاسب حتى لو تعرّض عموم شعب العراق البائس لأصناف المرارة والهوان والاستهتار بحقوقه وبمصالح البلاد الوطنية العامة. فدولُهُ، كما المنظمة الدولية ومَن على غرارهم، متماهية ومتعاونة ومتشابكة مع أحزاب السلطة والحكومة المؤقتة ولا يهمّها ما تشهدُه البلاد من اختراق للسيادة وفقدان للهيبة وتراجع في الاقتصاد ونهب لأموال الشعب واستهتار بمقدرات البلاد عبر عقود وتفاهمات لا تحمل في أغلبيتها سمة المواطنة والحرص على مصالح البلاد العليا. لذا، ليس خافيًا أن تصبّ حجة الأطراف التي لا تتجاوب مع موعد الانتخابات المبكرة، بسبب ما تعرضت له من انتقادات وخسائر شعبية وطعون واتهامات بالفساد ومطالبات بالمحاسبة وتحقيق العدالة بسبب سلوكياتها غير الوطنية وتقاعسها بل بخيانتها الأمانة في إنقاذ البلاد من شرور زعامات السلطة وأدواتها التي عاثت خرابًا ودمارًا وقتلاً ونهبًا وسرقة لموارد البلاد وإفراغ خزينة الدولة وتحويل ما غنمته من أموال إلى خارج البلاد نقدًا في مصارف مؤمّنة أو عبر شراء ممتلكات عقارية ومشاريع استثمارية بغطاء سياسيّ أحيانًا، ودينيّ – مذهبيّ في أحيان أخرى وتوافقيّ في حينٍ آخر بين المثلث الحاكم. فمن الطبيعي أن تخشى أحزابُ السلطة والكتل السياسية التي تهيمن على البلاد بسبب كشفِ عورتها وعرض المستور من أعمالها وسلوكياتها وخروقاتها أمام الراي العام في الداخل والخارج. وهذا ممّا سيكون له الأثر الواضح، جزئيًا أو كلّيًا، في مسيرة ومستقبل حياتها السياسية وبخسارتها المتوقعة لإعادة الدعم الذي اعتادت عليه من قواعد فئوية تقليدية. فليس من المعقول، أن يبقى الشعبُ فاغرًا فاه ومستسلمًا لا يعرف تدبير قدَره المحتوم بأيدي ساسة يتحكمون بالمشهد ويديرون منظومة فاسدة وفاشلة بسلطاتها الأربع الأساسية.
في كلّ الأحوال، من المتوقع جدّا، بل من المؤكد حصول إزاحة لبعضٍ من القيادات السياسية التقليدية من الخطّ الأول ممّن سطت على المشهد السياسيّ بدون وجه حق وبدون جدارة أو حرصٍ وطنيّ. فمنها مَن شبعت حتى التخمة بفضل هذه السطوة على السلطة بعد أن مهرَها الزمن لسنواتٍ بوصمة التسكع والعيش على فتات التحريض والخيانة الوطنية. فما كان من هذا البعض بعد فرصة التغيير التي أتاحها الغزو القبيح إلاّ فرضَ نفسه وكيلاً غير أمينٍ وراعيًا سيئًا وزعيمًا غير مرغوبٍ به على شعبٍ عريقٍ مثل شعب العراق، من دون أن يتعلم هذا البعض النشاز واحدًا من أهمّ دروس الحياة بعدم ديمومة السلطة لأحد. فنسي أو تناسى أنّ الوطن وحدَه “مقدّسٌ” لا يقبل المساسَ به ولا خيانةُ أمانته، وأنّ مواطنيه من جميع المكوّنات والأطياف من دون تمييز، خطوطٌ حمراء لا يمكن تجاوزها. فالسلطة تأتي وتذهب، والوطن باقٍ والشعبُ هو مّن يقرّر مصيرَه في نهاية المطاف وليس الزعامات الفاسدة والسلاح غير المنضبط والعصابات التي تتحرك بهديٍ وغطاءٍ ودعمٍ من السلطة ومراجعها وأولي أمرها، مهما تجبّرت وسطت واحتقرت الغير في سلوكها ومهما خزنت من مالٍ وحصلت من جاهٍ واكتسبت من نفوذٍ.
وقانا اللهُ والعراقَ الأسير معنا، شرّ المهازل وبلاء المنازل واستهتار العواذل.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It