ardanlendeelitkufaruessvtr

استدارة مصرية نحو حكومة الوفاق الليبية

بقلم محمد أبوالفضل تشرين2/نوفمبر 09, 2020 118

 

استدارة مصرية نحو حكومة الوفاق الليبية
محمد أبوالفضل
أدى ابتعاد القاهرة عن حكومة الوفاق إلى تمترس الإخوان والسيطرة على مقاليدها، ووفر فرصة لتضخم الميليشيات وتدفق المرتزقة وتعزيز وجود تركيا.
تغيير في الحسابات المصرية
يشعر المراقب لتطور العلاقات بين مصر وحكومة الوفاق الليبية بأن هناك تغيرا ملموسا ظهر أخيرا على شكل حوارات مع قيادات محسوبة عليها، واستضافة بعضها في القاهرة، ما يشي بأن هناك تحولا رمزيا إيجابيا في موقف القاهرة حيال رئيس هذه الحكومة فايز السراج، والمتحالفين معه في الداخل والخارج، وتحولا يبدو سلبيا من قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر.
يتطلب فهم هذه الإشكالية إلماما بالرؤية الكلية لتقديرات القاهرة الاستراتيجية، وتقوم على أن ما يدور في ليبيا يمس مباشرة الأمن القومي المصري، ومن الواجب عدم تعريضه لأي خطر من هذه الجهة، ما يفرض الانفتاح على غالبية القوى الفاعلة.
جرى الانحياز مبكرا لفريق المشير خليفة حفتر، لأن الأزمة تغلب عليها المحددات الأمنية، وتحتاج إلى قوة عسكرية نظامية للتعامل مع الكتائب المسلحة والجماعات الإرهابية، وتحققت نجاحات كبيرة.
بدت القوة السبيل الوحيد لاستعادة الأمن والاستقرار، ووقفت القاهرة خلفه، ووفرت له وسائل دعم، لمنع رؤية نظام حكم إسلامي في الفناء القريب منها، يوفر ملاذا آمنا للمتطرفين.
منح الموقف الصارم من التيار العقائدي في ليبيا فرصة لبعض الشخصيات المتعاونة معه، مثل السراج، للتشكيك في نزاهة دور القاهرة، ومبررا للانفتاح على تركيا، وتم ربط دعم المشير حفتر بالجذور العسكرية للرئيس عبدالفتاح السيسي، وتجاهلوا حرصه الدائم على تماسك الجيوش العربية الوطنية، كصمام أمان ضد الفوضى.
رغم المقاربات التي قدمت والمناقشات التي أجريت من جانب مصر مع قوى إقليمية ودولية، ظل هاجس الرفض للتيار الإسلامي ثابتا، حتى تحول إلى منغص في علاقاتها مع دول غربية ومغاربية، الأمر الذي وجدت فيه تركيا فرصة للمزيد من التوغل في ليبيا على حساب مصر. وباتت جبهة محورية تقبل التعاون اللا محدود مع حكومة الوفاق، وفتحت لها الأخيرة المجال لاتفاقيات عسكرية وسياسية واقتصادية عديدة، وتحملت مصر وزر علاقة تطورت سريعا، وهي لا تريد مجابهتها عسكريا، ولا تستطيع النأي عنها.
قصد السراج القاهرة قبل أن يتوجه نحو أنقرة، وسدت أمامه كل الأبواب، وامتنعت عن استقباله مرات عدة، واشترطت عليه اتخاذ موقف واضح ورافض للإخوان والميليشيات ومواجهة من يسيطرون على المصرف المركزي أولا، ويظهر حرصا على عودة المؤسسات الأمنية النظامية.
عندما تملص وعجز عن الاستجابة رضخ لضغوط الإسلاميين، فبدأت القاهرة تنفض يدها وتبتعد مسافات عنه، مقابل زيادة رهانها على المشير حفتر، إلى أن حدثت انتكاسة في العملية العسكرية التي قام بها لتنظيف طرابلس من الميليشيات، وأخفقت في تحقيق أهدافها بعد عام من إطلاقها، ولم تكن مصر راضية عنها، وأدركت خطورة حرب العصابات في العاصمة، وحذرت من ذلك.
استدارة مصر تجاه حكومة الوفاق وشخصيات فاعلة فيها جاءت إثر تطورات متسارعة يمكن أن تفرض حلا غير مرض بالنسبة إلى القاهرة التي تعتقد أن تهميشها في التسوية ستكون له عواقب وخيمة عليها
لم يشمل انفتاح القاهرة على قوى ليبية من الشرق والغرب والجنوب، جماعة الإخوان والمتحالفين معها مباشرة، وظلت تتعامل مع هؤلاء كوحدة واحدة، في حين أن أعدادا منهم فرضت عليهم انتهازيتهم السياسية ومصالحهم الاقتصادية الارتماء في أحضان الجماعة، وكان من الممكن جذب جزء كبير منهم بعيدا عنها.
تدفقت مياه كثيرة الأسابيع الماضية، وأصبحت التسوية السياسية قريبة، وقد تأتي مشوهة، وتفرض واقعا يحافظ على حظوظ التيار الإسلامي في السلطة، ما يعني أن تبقى القاهرة سنوات إضافية بعيدة عن الحكومة الجديدة في طرابلس التي تدار وفقا لمواءمات لن يستبعد منها الإخوان.
وأيدت حوارات رئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح مع المجلس الأعلى للدولة في المغرب، واستقبلت أعضاء فيه على أراضيها بصفتهم المناطقية منذ حوالي شهرين، وكانت هذه أول علامة على التغير في الموقف المصري.
جاءت الاستدارة تجاه حكومة الوفاق وشخصيات فاعلة فيها من رحم تطورات متسارعة، يمكن أن تفرض حلا غير مرض بالنسبة للقاهرة، التي تعتقد أن تهميشها في التسوية السياسية سوف تكون له عواقب وخيمة عليها، وعلى من تسببوا في ذلك.
قبل أن تواجه مرة ثانية أزمة مماثلة لما أفرزه اتفاق الصخيرات من تداعيات سياسية وأمنية قررت تعديل طريقة التعامل، كي لا تتجرع سُم استمرار إخوان ليبيا في الحكم بغزارة، وهم يجدون حلفاء لهم في الخارج يصممون على وجودهم في قلب السلطة.
تعتقد القاهرة أن مقاربة ناعمة تمكنها من إيجاد حل للتنظيمات المتطرفة والعصابات المسلحة والمرتزقة، وتبعدها عن استخدام الآلة العسكرية مباشرة، خاصة أن خط سرت – الجفرة الأحمر لم يتم اختراقه، وثمة جهات تحرص على عدم تجاوزه.
أدى ابتعاد القاهرة كثيرا عن حكومة الوفاق إلى تمترس الإخوان والسيطرة على مقاليدها، ووفر فرصة لتضخم الميليشيات وتدفق المرتزقة وتعزيز وجود تركيا، ويمكن أن يقود الانخراط في هذه اللعبة إلى تصويب في هذه المسارات من داخلها، ووضع الخصوم تحت عينيها، وهي سياسة نجحت من خلالها القاهرة في ترويض حركة حماس الفلسطينية الإخوانية فترة طويلة.
تشير التجربة المصرية مع حماس إلى أن مصالح الأمن القومي مقدمة على الأيديولوجيا، ولا يعني ذلك التسليم برؤيتها، بل الاقتراب منها لمنع وقوع انحرافات تصطحب معها تأثيرات غامضة، وتفادي الخسائر الناجمة عنها، ما زاد من التكهنات بعدم رفع “فيتو” القاهرة عن وجود إسلاميين بالسلطة في ليبيا، شريطة أن يكون تمثيلهم يتناسب مع حجمهم الحقيقي ودون تغول.
تزامنت الاستدارة مع التفافات تقوم بها دول غربية متعددة، تريد تكريس حضور تيار الإسلام السياسي في ليبيا، الذي قد يجد دعما أميركيا كبيرا بعد جلوس المرشح الديمقراطي جو بايدن على مقعد الحكم في البيت الأبيض
تغير هذه المعادلة في آليات تعامل مصر مع الأزمة يجعلها تنحو تجاه المزيد من الانفتاح على الغرب الليبي دون التخلي عن الشرق، ولذلك وجدت في تقريب المسافات بينهما حلا يعفيها من الوقوع في التناقضات السياسية، ويبرر عدم استبعاد الحوار لاحقا مع إخوان ليبيا.
تؤكد خطوة من هذا النوع حدوث تغير في الحسابات المصرية، يساعد على إيجاد مساحة من التعاون مع دول المغرب العربي، تقف بدرجات مختلفة مع حكومة الوفاق، أو لم تأخذ منها موقفا سلبيا على غرار القاهرة، وتؤيد انخراط الإخوان في السلطة.
وجدت القاهرة في مضمار الانفتاح وسيلة عملية تخفف عنها العبء الاستراتيجي ناحية الحدود الغربية، وتعفيها من تحمل تكاليف باهظة حال اضطرارها إلى التدخل عسكريا في ليبيا، ووسيلة تقوض بها نفوذ تركيا المترامي هناك، وأداة سهلة تجذب بها قوى دولية إليها، وتبدد مخاوف قوى أخرى حيال اتهامها بدعم معسكر حفتر، وربما يساعدها كل ذلك على عدم تخطي مصالحها في التسوية المقبلة للأزمة.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)