ardanlendeelitkufaruessvtr

أوروبا.. مناهضة الإرهاب أم التواطؤ معه؟

بقلم علي الصراف تشرين2/نوفمبر 18, 2020 68

 

أوروبا.. مناهضة الإرهاب أم التواطؤ معه؟
علي الصراف
أوروبا ليست وحدها التي تنتظر لتعرف الموقف من أساتذة داعش، العالم كله يريد أن يعرف من هي أوروبا أصلا ومن هم الأوروبيون عندما يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب الحقيقي.
على أوروبا تغيير مقاربتها في مكافحة الإرهاب
سوف تعرف الجواب يوم 27 من الشهر الجاري. في هذا اليوم سوف يُقدم أحد أكبر منظمي عمليات الإرهاب في أوروبا إلى المحاكمة مع شركاء آخرين. وسنعرف ما إذا كانت إدانتهم سوف تتحقق أم لا. سوف نعرف في وقت لاحق من الإدانة، ما إذا كانت المساومة مع الإرهاب هي الأساس من وراء الإدانة. سوف نعرف أكثر ما إذا كان يمكن لإرهابيين آخرين أن يتبعوا خطوات مماثلة طالما أمكن للمساومة أن تبيع وتشتري بحياة البشر، مقابل بعض المنافع.
الأدلة ليست كثيرة فحسب، ولكنها ساحقة وساطعة أيضا. وهي أدلة تتعدى الجرم المشهود، لتكشف عن مؤسسة إرهاب نفذت الكثير من الجرائم، وظلت أوروبا تتعامل معها بتراخٍ ملحوظ. وكان ذلك بمثابة تشجيع ضمني على المزيد.
صحيح، أن الدعوات لمكافحة الإرهاب عالية في أوروبا إلى درجة أنها تتحول إلى صخب، إلا أن هذا الصخب عندما تمكن من الإمساك بعصب كبير لمؤسسة إرهاب كبيرة، ظل متراخيا. والسؤال هو ما إذا كانت “مؤسسة الصخب” سوف تميل إلى المهادنة، مرة أخرى، بل وما إذا كانت سوف تغض الطرف عن أعمال تكرر التهديد نفسه؟
السبب وراء هذا السؤال، هو أن الصخب في مواجهة أعمال الإرهاب الفردية ليس هو نفسه في مواجهة الأعمال الإرهابية الكبرى. هذا شيء، وذلك شيء آخر. الإرهاب الفردي لا يمكن المساومة معه. ولكن الإرهاب المنظم شيء آخر، وإذا ثبت أنه يمكن التواطؤ معه، فعلى الأرض السلام.
كانت العملية ستؤدي إلى مقتل المئات من الأشخاص دفعة واحدة. بينهم ما لا يقل عن 20 شخصية دولية كبيرة أيضا، باستخدام مادة شديدة الانفجار، هي بيروكسيد الأسيتون (TATP)، وهي المادة التي كان تنظيم داعش يستخدمها في عملياته، ويبدو أنه حصل عليها من المصدر نفسه الذي خطط لعملية التفجير تلك في فرنسا.
المتهمون أما القضاء البلجيكي هم أربعة. ولكن هناك أربعة غيرهم لم يطلهم الاتهام بعد، لأنهم “قادة دولة”. وعندما تصبح المساومات معهم ممكنة، فإن المتهمين الأربعة سوف يجدون سبيلا للنجاة من عواقب الجريمة، بأن يُطلق سراحهم في عملية لـ”تبادل السجناء”.
وفي الواقع، فقد أكد المحققون أنهم هم أنفسهم تعرضوا للتهديد من جانب المتهم الرئيسي، الذي قال لهم إن بلادهم سوف تتلقى ردا في العراق واليمن ولبنان وسوريا.
أسد الله أسدي، السكرتير الثالث في السفارة الإيرانية في فيينا، يعرف أنه قوي. ويعرف أن وراءه نظاما يستطيع أن يساوم لصالحه، كما أن لهذا النظام ميليشيات تستطيع أن ترتكب أعمال إرهاب أخرى إذا ما أدانته المحكمة بمحاولة تفجير مؤتمر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذي انعقد في 30 يونيو قبل سنتين في فيلبينت، إحدى الضواحي الشمالية لباريس.
ويتعين الآن، على أحد الوجهين (مناهضة الإرهاب أو التواطؤ معه) أن يتصدر المشهد. الوجه الحقيقي للمشهد سيكون خارج قاعة المحكمة طبعا، لنرى ما إذا كانت المؤسسات الأوروبية تجرؤ على أن تقول “كفى” للإرهاب المنظم، أم أنها سوف تلجأ إلى أن تغطيه بالصخب.
سنرى. والعالم كله سيراقب. إيران تحتجز، على سبيل المثال عددا من الرهائن الغربيين، لكي تساوم بهم. وهو ما يعني توجيه الرسالة التالية لمنظمات الإرهاب الأخرى: قوموا بأعمالكم كما تشاؤون، وساوموا عليها برهائن.
أسد الله أسدي، عدا عن كونه دبلوماسيا للنظام الإيراني، فإنه ضابط كبير في وزارة الاستخبارات والأمن، وقائده المباشر هو رضا أمير مقدم رئيس منظمة الاستخبارات والحركات الأجنبية بوزارة المخابرات الإيرانية، التي يقودها محمود علوي. وهذا الأخير خاضع لسلطة اثنين آخرين هما حسن روحاني الرئيس الإيراني، وعلي خامنئي، المرشد الأعلى للإرهاب.
أسدي كان أيضا رئيس محطة وزارة الاستخبارات في أوروبا. وهو خبير متفجرات، وعمل عدة سنوات في العراق لتوجيه أعمال القتل والاغتيالات ضد أنصار ومؤيدي “مجاهدي خلق”، وكذلك توفير الدعم للعمليات ضد الجيش الأميركي.
أما شركاؤه الآخرون، فهم: مهرداد عارفاني، وهو عميل سري لوزارة المخابرات الإيرانية. وتم تكليفه بالتسلل إلى تجمع أنصار منظمة “مجاهدي خلق” لجمع معلومات استخبارية للعملية. والزوجان أمير سعدوني ونسيمه نعامي، وهما عميلان مدربان في وزارة الاستخبارات كانا يسافران بانتظام إلى إيران لتلقي تعليمات مباشرة. وكان من المنتظر أن يقوما بتسريب حقيبة المتفجرات إلى قاعة المؤتمر.
الأدلة التي وضعت أمام المحكمة، تشير إلى أن القرار اتخذه مجلس الأمن الأعلى برئاسة الرئيس حسن روحاني، ووافق عليه المرشد الأعلى علي خامنئي. وتم تكليف وزارة الاستخبارات والأمن الداخلي بتنفيذه بالتنسيق مع وزارة الخارجية.
هناك إذن، أربعة عملاء في الواجهة، وأربعة مجرمين يخططون من الخلف.
العملية أحبطت في الساعات الأخيرة. وتشير التحقيقات إلى سلسلة من الاجتماعات والرحلات بين بلجيكا وفرنسا وإيران، كان آخرها في 28 يونيو 2018 في مطعم للبيتزا في لوكسمبورغ، حيث سلم أسدي حقيبة المتفجرات إلى الزوجين سعدوني ونعامي، اللذين كانا يعيشان بالقرب من بلدة أنتويرب في بلجيكا. ألقي القبض عليهما في اليوم التالي، وعثر في سيارتهما المرسيدس على 500 غرام من مادة (TATP) شديدة الانفجار، وثلاثة هواتف محمولة، وجهاز تفجير وضع في حقيبة أدوات الزينة، ومبلغ 35000 يورو.
سعدوني قدم اعترافات تفصيلية، وقال إنه عمل مع أسدي منذ عام 2007 وإنه زار إيران بناءً على طلبه.
ويتضمن ملف القضية مذكرة من جهاز الأمن البلجيكي وجّهت إلى مكتب المدعي العام الاتحادي تقول إن “الهجوم كان بتوقيع وبتخطيط إيران. ولم يكن مبادرة شخصية من أسد الله أسدي، الذي يعمل ضابطا في القسم 312 بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية”.
وتأكيدا على متانة الأدلة على تورط إيران أصدر وزراء الداخلية والخارجية والاقتصاد الفرنسيون في 2 أكتوبر 2018 بيانا مشترك قالوا فيه إنهم قرروا تجميد أصول وزارة الاستخبارات واثنين من مسؤوليها بسبب “هذا العمل الخطير للغاية على أراضينا”.
تقرير خبراء المتفجرات البلجيكيين الذي وُضع أمام المحكمة يقول “إن موجة الصدمة التي تسببها القنبلة كان يمكن أن تمتد لأكثر من مئة متر لتؤدي بحياة الكثير من الضحايا”.
وقال الخبراء “إن الجهاز كان معقدا، وإنه ثمرة عمل محترف”. وإنهم عندما فجروه من خلال روبوت، فقد تم تدمير الروبوت كما أصيب شرطي عن بعد.
أما الشخصيات التي كان من المتوقع أن تكون من بين الضحايا، فضلا عن مريم رجوي رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فهم: رودي جولياني محامي الرئيس دونالد ترامب، ونيوتغين غريتش رئيس مجلس النواب الأميركي السابق، وبيل ريتشاردسون سفير الولايات المتحدة السابق لدى الأمم المتحدة، وبرنارد كوشنر وزير الخارجية الفرنسي السابق، وستيفن هاربر رئيس الوزراء الكندي السابق، وجوليو ترزي وزير خارجية إيطاليا الأسبق، وسيد أحمد غزالي رئيس الوزراء الجزائري السابق، والدكتور رياض ياسين، سفير اليمن في فرنسا ووزير الخارجية السابق، وإنغريد بيتانكورت وروبرت توريسيللي العضوان السابقان في مجلس الشيوخ الأميركي؛ والكولونيل الأميركي المتقاعد ويسلي مارتن ورئيس مكافحة الإرهاب وضابط الحماية لجميع قوات التحالف في العراق.
كل هؤلاء، والعشرات غيرهم كان يمكن أن يكونوا ضحية لعمل إرهابي، أكبر بمئات المرات من أي عمل إرهابي فردي آخر.
الصخب مفيد طبعا، عندما يتعلق الأمر بأعمال إرهاب يرتكبها تلاميذ داعش. ولكن ليست أوروبا وحدها هي التي تنتظر لتعرف الموقف من أساتذة داعش. العالم كله يريد أن يعرف من هي أوروبا أصلا، ومن هم الأوروبيون، عندما يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب الحقيقي.
الاعتقاد الذي تُثبته الوقائع في الموقف من الاتفاق النووي، يقول، إن أوروبا التواطؤ مع الإرهاب، هي التي تغلب. إنها ذاتها أوروبا التي تلقّن الإرهاب درسا يقول: افعلوا ما تشاؤون، إذا كان لدينا معكم مصالح ورهائن. ولكننا سوف نقلب عالي الدنيا سافلها مع الإرهاب الفردي، لأنه قليل الحيلة ومفيد للصخب ولأغراض أخرى.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)