ardanlendeelitkufaruessvtr

دائما يوجد حل آخر

بقلم علي الصراف تشرين2/نوفمبر 21, 2020 47

 

دائما يوجد حل آخر
علي الصراف
الشخصيات الليبية التي جاءت إلى تونس لم تأت لكي تمثل نفسها كما كانت تأمل ويليامز وإنما لكي تمثل آخرين إلى درجة تبرر التساؤل عما إذا كان وجود هؤلاء ضروريا من الأساس.
البحث عن حلول أخرى هو الطريق الوحيد لجائزة نوبل
فكرة أن تحصل ستيفاني ويليامز على جائزة نوبل للسلام بسبب مساعيها المضنية لإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، يحسن ألا تخطر لها على بال، بسبب الطبيعة الليبية الاستثنائية في خوض الحوارات.
الليبيون، بوجه عام، لا يطيقون الأجانب، حتى ولو كانوا ملائكة. وليس من السهل على طبيعتهم أن يجدوا أنفسهم منقادين إلى امرأة، حتى ولو كانت الأم تيريزا. فهم حتى ولو كانوا قادرين على التوصل إلى اتفاق فإنهم يفضلون أن يبلغوه بأنفسهم، من دون أن يكون هناك أي رقيب بينهم. وهم يميلون إلى إظهار التناحرات أكثر في ما لو كان هناك غريب يراقبهم أو يحثهم على التوصل إلى توافق.
لم يكن من العجيب، لمن يعرف تلك الطبيعة، أن يتوقع انهيار منتدى الحوار الليبي في تونس.
ويليامز وجدت نفسها في محنة حقيقية، عندما بدأ التنازع حول المناصب. ففي حين أن المبدأ من اختيار الشخصيات الخمسة والسبعين هو أنهم لا يطمعون بمناصب في الحكومة الانتقالية، إلا أنهم أظهروا طمعا من نوع مختلف، وذلك بأن أصبحوا مرآة لأطماع غيرهم. وهو ما يضمن لهم حصة غير منظورة. وبينما كان يفترض أن يكونوا أطهر من أن يسعوا إلى مكسب، فقد أظهروا العكس.
تلك الشخصيات جاءت إلى تونس ليس لكي تمثل نفسها، كما كانت تأمل ويليامز، وإنما لكي تمثل آخرين، إلى درجة تبرر التساؤل عما إذا كان وجود هؤلاء ضروريا من الأساس. فبما أنهم يمثلون غيرهم، فربما كان من الأقرب لتحقيق الحل هو جمع أولئك الآخرين ليكون التنازع والتوافق وجها لوجه.
السؤال الجوهري هو: ما الذي دفع أطراف النزاع إلى قبول الحوار في الأصل، من قبل أن يُرسلوا من يتحدث بالنيابة عنهم إلى تونس؟
القول إنهم أدركوا فشل الخيار العسكري، غير صحيح. لم يدركوا ذلك. وهم مستعدون لمواصلة الحرب 200 سنة أخرى. وطالما أن هناك مرتزقة وأطراف دعم خارجية، فإن استمرار الحرب إلى يوم يبعثون، يتناسب تماما مع ما استجد لديهم من الطبائع.
شح المال، بعد انقطاع إيرادات النفط، هو الشيء الوحيد الذي أدركوه. ولقد كانت “ضربة معلم” من الجيش الوطني الليبي عندما قرر وقف تصدير النفط. فجأة، أصبح الحل السياسي ممكنا، لاسيما وأن قطر، بوصفها الممول الرئيسي لهم وللمرتزقة، لم تعد قادرة على توفير المزيد من المال.
الدوحة أدركت، قبل الجميع، أن هؤلاء المرتزقة يمكن أن يدفعوها إلى الإفلاس، من دون أن يكفوا عن طلب المزيد.
وليس من العجيب، إن كان استئناف تصدير النفط، هو الشرط الأول لـ”الحوار السياسي”. وحالما توفرت الآلية للحصول على المال، بدأت التناحرات تتصاعد من جديد.
لا تحتاج ويليامز إلى أن تشعر بالاستياء مما انتهى إليه منتدى تونس. لقد كانت تلك النهاية هي الشيء “الطبيعي” الوحيد.
مع ذلك، يوجد حل آخر دائما. وفي الواقع، فإن هناك حلين مثاليين يمكن لويليامز أن تأخذ بهما معا.
الأول، أن تدفع الأمم المتحدة إلى طلب وقف تحويل إيرادات النفط إلى أطراف النزاع، ليفهموا أنهم لن يتلقوا قرشا واحدا، ما لم يتوصلوا إلى حل.
والحل المطلوب هو ليس أي حل كان، وإنما الحل الصحيح، وهو أن تكون هناك حكومة انتقالية، من التكنوقراط المستقلين، الذين لا يمثلون إلا أنفسهم، لكي تتولى إدارة السلطة الانتقالية، وألا يكون لأي طرف سياسي أي دور في اختيار شخصياتها، أو في التحكم بما تتخذه من قرارات.
والثاني، هو أن تجمع الفعاليات السياسية البارزة كلها في قاعة واحدة، وتضع على طاولة كل واحد منهم رشاش كلاشنيكوف محشو مخزنه بالرصاص، مع مخزن إضافي. وتقول لهم، قبل أن تخرج: حلوها في ما بينكم. العالم سوف يأخذ بالحل الذي يتقدم به أول شخص يخرج من القاعة.
يمكنها أن تقول للجميع “إذا كنتم تملكون الشجاعة على خوض الحوار بالمدافع الرشاشة والصواريخ والمدرعات وسط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء، فلا بد أنكم تملكون الشجاعة نفسها لخوض الحوار في قاعة مغلقة”.
التوقع، هو ألا يبقى أحد حيا، ولكن هذا غير صحيح. لن يموت أحد، بكل تأكيد. سوف يتوصلون إلى اتفاق أكثر صدقا من أي اتفاق آخر قد يتم التوصل إليه من خلال الحوار الأنيق.
والحل الصحيح، هو أن تتشكل حكومة مستقلة، بكل معنى الكلمة. وأن تتوفر لها القدرة على أن تتغلب على أي قوة مسلحة أخرى، قد تعترض الطريق، سواء بقوة مراقبة دولية، أو بتشكيلات أمنية جديدة لعناصر غير مرتبطة بأطراف النزاع المسلح.
الأطراف المتنازعة يجب أن تفهم أنها أطراف سياسية فحسب، وأنها سوف تكون منزوعة السلاح في النهاية، بعد أن يتم حل كل الميليشيات ودمجها في مؤسسة الجيش، على نحو يجعلها بعيدة عن مناطق ولاءاتها الجهوية أو القبلية. وبعد عام أو عامين من إعادة الحياة إلى طبيعتها، تتم الدعوة إلى انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، وخاضعة لرقابة مشتركة من الجميع. لينتهي الأمر ببرلمان وحكومة منتخبين.
وكلما حدث نزاع سياسي جديد يهدد بانهيار أمني، يُدعى المتنازعون إلى قاعة الكلاشنيكوفات ليخوضوا الحوار “الأخوي” في ما بينهم.
الحوار المسلح، الذي يُخاض في قاعة مغلقة، سيكون حوارا من أجل التوصل إلى تسوية، دونها الموت. كما أنه سيكون جادا بما يكفي لكي يعرف كل متحاور أنه يمثل نفسه لا طرفا آخر ينتظر في الظل لكي يجني عائد المذبحة.
ثم إن مذبحة واحدة، خير من سلسلة مذابح لا تنتهي.
لقد أمضى الليبيون نحو 10 سنوات وهم يتحاورون حوارهم الآخر، حتى دمروا البلاد وأفلسوها.
وبعد التجربة المُرّة، ربما تدرك ويليامز أن البحث عن حلول أخرى هو الطريق الوحيد لجائزة نوبل.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)