ardanlendeelitkufaruessvtr

نصبُ المعيدي المجهول

بقلم نعيم عبد مهلهل تشرين2/نوفمبر 22, 2020 57

نصبُ المعيدي المجهول
نعيم عبد مهلهل
في المدن التي أحط فيها الرحال مع ناقتي وحقيبتي وخواطر سكنت سطور ذلك المكان الذي ظله في الأفق ماء وسماء وقصب ، أذهب أولا الى وسط المدينة لأسأل أن كان هناك نصبا لجندي مجهول فقط لأعرف ماذا تحت أجفان أهل البلاد من مزاج ، فوجود الجندي المجهول يعني أن عطر الحرب يسكن أو سكن وردة هذا البلاد وعلي أن أتعامل مع المدينة والنصب بمزاج يختلف عن طريقة تعاملك مع جنيف المدينة السويسرية لأنها لم تشهد حرب. وحتى أعبر فصول تأريخ هذا المكان الرمزي الذي يعود إلى عام 1858 وهو ضريح “جندي المشاة” في فريدريكا في الدنمارك بعد حرب سكيلسفيغ الأولى . تلك الفصول المختصرة تطويها ذاكرتي وأنا أقف أمام قوس النصر في باريس أحمل ذكريات شهداء المكان البعيد حين نفزُ من نومنا على صراخ النساء ونحيبهم عندما يشعرن بمقدمة مشحوف وهي ترتطم بالقصب فيشعرن أن مشاحيف الليل لن تحمل سوى النعوش فيبدأن بالنحيب و( البغيك ) حتى قبل أن يعرفن نعش من جيء به على المشحوف.
واحد سكنت رأسه لحظة الموت حين قال لهم أمر الفصيل على جبل كردمند أن عليهم الآن استعادة تلك الرابية التي تناثرت عليها اجساد مئات الجنود في عبث يسمونه استعادة راقم. تقدم عطب دبيس وكان برتبة جندي أول تطوع في صنف المشاة وسمع نصيحة ابوه :
ولدي تطوع ، حتى تشبعنا من صمون الجيش وحتى تستطيع براتبك ان تشتري لنا جاموسة سمينة تتحمل هذا الجفاف والعطش.
ذهب عطب الى الجيش ، وجعل أهله يشعرون بفرح تذوق الطعم المميز لصمون الجيش الاسمر ، ولكن الصمون لم يزر بطونهم وزارها بدلا عنه الاخبار المفزعة للقتال المحتدم على رواقم قاطع حاج عمران .
زحف عطب الى الربيئة وهو يعرف أنه الزحف الاخير في الحياة عندما نزلت اليهم من الربيئة موجة من الحرس والبسيج وكان نصيب ( عطب ) طلقة في الرأس وبقاء جثته في سفح الراقم لا يستطيع أحد من اخلائها ، وربما دفنت في بطن الوادي بمكان ما يوم شعر الجنود الايرانيون ان الاجساد الميتة للجنود بدأت تتفسخ ويجب دفنها.
وهكذا سجلت تواريخ قريتنا أسم أول جندي مجهول ولكن بدون شاهدة ونصب يدل عليه ، وظل نحيب ابيه يذكرنا بندمه أنه نصح ولده ليتطوع ويموت هناك وحيدا ولا يعرف قبره.
عام 2005 تمت دعوتنا الى ملتقى المدى الادبي في اربيل وهناك راودتني فكرة أن أزور المكان الذي فُقدَ فيه عطب ، وما زلت اتذكر اسم المكان الذي كانت تربض فيه وحدته كما اخبرني في واحدة من اجازاته .
أخذت سيارة اجرة ذهابا وايابا من اربيل الى حاج عمران. أتذكر هذه المنطقة فلقد خدمت فيها كجندي احتياط ، وببوصلة مشاعر القلب ، أوقفت السيارة قرب وادي في سفح الجبل المقصود.
سألت أحد الرعاة :أن كان يعرف أثارا لحرب كانت هنا.؟
لم يكن يتحدث العربية لكن السائق ترجم سؤالي ، فأشر الرجل صوب مكان ليس بعيد في بطن الوادي.
نزلت ، ثمة قبور دون شواهد سوى بعض الصخور التي تدل عليها.
تبعت نبض قلبي ووقفت عن قبر صغير منزوي عن بقية القبور وكأنه ينادي : أنا عطب خذني الى قريتي.
همست للتراب والصخرة : لا أستطيع وغير مسموح يا تلميذي عطب ، ولكن سأضع لك دلالة تقول :ان هذا المكان نصب لجندي مجهول.
طيفه ابتسم وشعرت بفمه يمرر نسمة تقول : جندي مجهول من المعدان…!

قيم الموضوع
(0 أصوات)