ardanlendeelitkufaruessvtr

النحت يتنفس ويعيش

بقلم فاروق يوسف تشرين2/نوفمبر 23, 2020 171

 

النحت يتنفس ويعيش
فاروق يوسف
من مايكل أنجيلو إلى برانكوزي مرورا برودان لم يتخل النحت عن طابعه الشخصي، فعل فرد واحد يودّ لو أن المنحوتة قد أخذت شيئا من أنفاسه.
هناك فرق بين النحت والتصميم
قريبا من وول ستريت بنيويورك رأيت منحوتة لجيف كونز، وهو من الفنانين المعاصرين الذين ذاع صيتهم عبر العشرين سنة الماضية وتباع أعماله بملايين الدولارات.
حينها تذكّرت أنني قد وقفت مرات عديدة أمام تماثيل النحات البريطاني هنري مور التي تنتشر في شوارع وساحات لندن. سيغضب النحاتون والمهتمون بالنحت لو قلت إنني أقمت مقارنة بين منحوتة كونز وتماثيل مور. وأنا لا أجرؤ على القيام بذلك.
غير أنني تذكّرت حينها صورا وأفلاما للنحات البريطاني وهو يعمل بيديه حاملا آلات النحت، فقلت لنفسي “من الخطأ أن أسمي عمل كونز منحوتة. إنه ليس كذلك وهو لا يمت إلى النحت بصلة. فكونز لم يمد يده إلى كتلة العمل الفني. لم يلمسه بأصابعه. لم يتحسّسه. هذا العمل هو من صنع ماكنة ذكية”.
هناك حول العالم الآن المئات من الفنانين ممّن هم على شاكلة كونز. يصنعون مصغّرا لعملهم ثم يذهبون به إلى المصنع ليقوم بتكبيره. لتكون النتيجة عملا يخلو من آثار يد الفنان. ولكن هل يبقى شيء من خياله؟
أشك في ذلك. فالعمل الفني لا يكتمل في النموذج المصغّر “ماكيت”. ولا تنحصر مهمة النحات في تكبير ذلك المصغّر. هناك ما يحدث أثناء العمل. حذف وإضافة. بعدهما قد لا يشبه العمل مصغّره.
لقد حدثت تغيرات جوهرية في الشكل. ذلك هو النحت الذي هو كدح يومي لا يفارقه الخيال. أما أن ينحصر عمل الفنان في عملية ابتكار المصغّر، فإن ذلك ليس نحتا إنما يدخل في مجال التصميم. وهو ما يقوم به الفنانون العاملون في الشركات الكبرى من غير أن يكونوا نحاتين.
إن ما يحدث اليوم ينطوي على قدر هائل من الخيانة التي تصيب فن النحت في مقتل. غير أننا ينبغي أن لا نفقد الأمل. هناك نحاتون حول العالم ما زالوا مخلصين لمبادئ النحت. ما زالت أياديهم تفكّر وهي تلامس المادة التي يصنعون منها أعمالهم. لم تخدعهم هذيانات نقاد ما بعد الحداثة. فالمنحوتة ليست فكرتها وهي ليست شكلها المجرّد من المشاعر والأحاسيس.
من مايكل أنجيلو إلى برانكوزي مرورا برودان لم يتخل النحت عن طابعه الشخصي، فعل فرد واحد يودّ لو أن المنحوتة قد أخذت شيئا من أنفاسه.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)