ardanlendeelitkufaruessvtr

" انتهت اللعبة...."

بقلم صبا مطر كانون1/ديسمبر 16, 2020 248

صبا مطر

 

هذا ما ردده الصدى متكسراً في رحاب عالمٍ لم يعد ملكها. تركت الصورة تترنح ببطء بينما تساقطت الألوان وبهتت مثل سرابٍ يحلّه حوض ماءٍ راكد. قبل سنوات تركت المكان على حاله, وبكل تفاصيله التي لم تبارح خيالها المجروح بالتذكر. سريرٌ غير مرتب تعلوه أغطية ثقيلة مخصصة لليالي الشتاء الباردة. أوراق متناثرة على أرضية مفروشة بسجادة شتوية ذات ألوان حارة، تتداخل فيها صور مجسمات هندسية لا يمكن التكّهن بأبعادها أو زواياها الحادة. كتبٌ مكدّسة فوق منضدة خشبية ذات لون غامق تقشرت أطرافها بفعل الزمن والاستخدام. يقف هيكلها المربع فوق مسند منحوت على شكل رأس أسد لا دور له في هذه الحياة غير انتظار فرصة الانقضاض على فريسة خيالية. في زاوية الغرفة المقابلة للباب كانت هناك مدفأة تنبعث منها رائحة الدفء ووقودٍ ما زال يشتعل. على أحد الجدران توجد صورة لفتاة ترسم لوحة طاووسٍ بأرجل قبيحة المنظر. لم تكتمل اللوحة رغم فارق التوقيت بين الزمنين الواقفين على حافة ضياع مخيف. " لا شيء تغير"، قالت في نفسها وهي تواصل الغرق في عالم بعيد، تكاد تلمس وقته  المُجّعد براحتي يديها الناعمتين.

أرتعش جسدها الضئيل بفعل نوبة بكاء حارة. " هل يعقل بأن الحنين يداهمني لحد اللحظة؟ أم هي هلوسة حلوة تطفو على سطح فراغ يعتصر الروح هنا؟". مدّت يدها وهي تحاول تقليب صفحات آيلة للذبول. كانت الصور تتوارى خلفها بقوة، وثمّة صوت يرنو لمسامعها مع حركة التقليب غير المنتظمة.

" آخر رسالة كتبتها مازالت تنتظر على منضدتي القديمة. لا أتذكر بأنني عنونتها لأحد؛ وذلك خلافاً لأصول اللعبة التي اتفقنا عليها انا وصديقتي".

قالت صديقتها " دعينا نلعب لعبة الرسائل مع قراءٍ مجهولين".

"أعترف بأنني كنتُ مُتحمسة أكثر منها لهذه اللعبة الغريبة. ولأجل ذلك وافقتها في الذهاب إلى مكتبة الحي القريبة من بيوتنا وشراء ورق رسائل مُعّطر وظروف وطوابع وقلمي حبر من النوعية الجيدة مع محبرة مشتركة.

" حانت لحظة الكتابة"، قالت صديقتها التي تفتح برعم مراهقتها في عمرٍ مبكر جداً. " دعينا نبتكر اسمين لنكتب لهما.. لكِ اسم ولي أسم. حسناً، لن نغدق على الأسماء ملامح أو صفاتٌ نحبها كثيراً. هكذا.. اسمان مجردان من أعراف العالم المجنون حولنا.. ينموان بحرية في خيالنا ولا يبرحانه مطلقاً. سنكتب لهما عن كل شيء. كأن نحدثهم عن يومياتنا الطافحة بالممنوعات البليدة و الأدوار المرسومة باقتضاب لصنفنا الذي يعتبرونه الأدنى في قانون التصنيفات اللاإنسانية. سنشرح لهما ما يغلي في صدورنا من عواطف لم تتخذ وجهتها الصحيحة لحد اللحظة. وعن الكلمات التي لا يحق لنا الاقتراب منها والمشاعر التي لا يحق لنا المساس بشاعريتها المترفة كي لا نُصاب بمرض تهتك السمعة!

حسناً.. أنا عن نفسي سأكتب عن كل ما يجول في خاطري من أسئلة تعتبرها أمي في غاية الوقاحة والخذلان لمشروع تربية البنات الصالحات. سأفتتح اللعبة بسؤال " لماذا؟". أعرف ُ بأن هذا النوع من الأسئلة لا يُجابه بالترحيب اللازم، وغالباً ما يُتركُ عائماً هكذا من دون إجابات واضحة. لا تهمني الإجابات؛ إذ أن غالبية الأسئلة لم يواجهها الكبار بحزم القادرين على صنع إجابات جديرة بالتأمل. أهو نقص بالقدرة على التفكير؟ أم مجرد رفضٍ لكل فكرة تنبع من البديهة الحقيقية؟

حسناً، سأكون شجاعة في طرح كل ما يجول في خاطري ما دمتُ أعرف بأنني أكتب إلى شخص افتراضي؛ أحدد ابعاده باسمٍ أطلقه عليه من وحي الخيال وحسب. وبذلك سأضمن عدم المساس بتوصيات العائلة الأخلاقية ومنبع قوانينها الصارمة. أما عن الردود فسنتدبر أمرها".

" الردود!!... وهل علينا التفكير بتلقي الردود أيضاً؟"

" ولما لا !!" ردتْ بتعجب ممزوجٍ بضحكة مخاتلة.

" ردود؟؟ من أسماءٍ نبتكرها نحن؟ نكتب إليها ونتوقع منها الرّد؟ أي لعبة سمجة.. حتماً لن أكتب ولن أسمح بتعريض نفسي لهكذا سخرية".

وهكذا قررتْ عدم المشاركة في هذه اللعبة العجيبة؛ وآثرت البحث عن الحقائق بطريقة أخرى. لكنها وبعد انقضاء وقتٍ طويل كتبتْ.

صحيح بأنها رسالة غير معنونة بحسب أصول اللعبة التي اقترحتها عليها صديقتها. لكنها رسالة كتبتها في آخر ليلة لها في هذه الحجرة؛ إذ يُفترض أن تغادر في فجر اليوم التالي إلى حيث مغامرة تعوم على وجه حياة اخبروها بأنها حرة وحقيقية.

جردتْ نفسها من ركام الخذلان المتراكم فوق سنوات ملؤها الأكاذيب وراحت تهيم على أطراف غرفة قديمة معزولة ومتروكة لوقت لم يعد موجوداً ابداً. كل شيء فيها ينبض بنكهة حياة قديمة لا يمكن نكرانها. حتى الرسالة الموجهة إلى اللاأحد اخذت حروفها بالتراخي وهي على وشك الاستسلام لأولى محاولات القراءة.

جلست على سريرها القديم امرأة تشكلت فجأة من عمق جرح قديم. ملامحها تطفح بأسرار ماضٍ متوهج. ترتدي ثوباً من حرير أخضر. مسدّتْ الفراغ براحتي يديها البيضاء وتناولت الظرف المتروك على المنضدة. فتحته وانتشلت الرسالة من عتمة عشرين عاماً انقضت ما بين وهمٍ وحقيقة. وقعت عينيها على أول كلمة مكتوبة. سقطت دموعها بصمت على حجرها الذائب في اناءٍ وقت ذهبي انحلتْ تفاصيله الصغيرة ولم تعد قابلة للتشكيل من جديد. لم تستطع القراءة بصوت عالٍ على الرغم من محاولاتها الأثيرة لبلوغ هذه الغاية. هي تعرف بأن امرأة أخرى تراقبها من عالم اخر موازٍ لهذا العالم القديم، وكلها لهفة وشوق لسماع صوت الكلمات المكتوبة قبل تاريخ طويل. لم يحدث شيء يُذكر غير أن الصورة توقفت عند هذا الحد. لا زمن يتقدم ولا زمن يتأخر. امرأة تقرأ بطقس ابدي وأخرى ترتقب صوتاً سيأتي في أي لحظة إلى عالمها الجديد.

أطّلّ وجه المراهقة التي اقترحت بقوةٍ مشروع الكتابة إلى أسماء افتراضية. رأت المشهد متجمداً على حافة جرح لم يقرر النزف بعد. صرخت دون آن تتمالك انفعالها، " كيف لصديقتي أن تلتقي بنفسها على هذه الشاكلة؟ وكيف تنظر المرأتين لانعكاسهما عبِر وهنٍ أصاب الزمن في ثغرةٍ ما. وكيف تتوقع احداهن من الأخرى أن تقرأ بصوتٍ عالٍ ما كتبته عليهن الأيام بحكمها العجيب؟" عندئذٍ تلاشت الصور وعاد الوقت إلى شكله بعد أن التحم مع نقيضه القديم. وعند ذلك الحد انتهت لعبة الاضداد وكتابة الرسائل إلى مجهولين من وحي أخيلة عامرة بالأسئلة.. ومن يومها فقدتْ المرأة فرصة اللقاء مع نفسها التي ابتلعها ثغرٌ زمني نشأ واضمحل بمحضِ صدفة مدهشة.

قيم الموضوع
(3 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It