ardanlendeelitkufaruessvtr

السجال الخافت للتطبيع في مصر

بقلم محمد أبوالفضل كانون2/يناير 03, 2021 240

 

السجال الخافت للتطبيع في مصر
محمد أبوالفضل
هناك عزوف من قبل فئة كبيرة من المثقفين ومحدودية انشغال بالقضايا العامة ولا مبالاة تكشف عن خمول أو لا جدوى من نتائج الحوار في أمور كان يكفي نكأها لشحذ الهمم وحشد الأنصار.
التطبيع يمس مصالح كل دولة على حدة
عكس سجال عابر بين الكاتبين عبدالمنعم سعيد وأحمد الجمال رؤية تيارين في مصر، أحدهما ليبرالي، يمثله الأول، لا يرى غضاضة في الموجة الجديدة من التطبيع، والآخر يساري، يمثله الثاني، ويرى أن شروطه لم تنضج بعد، وأعاد الحوار غير المباشر بينهما قبل أيام قليلة الجدل حول ملف ظل شائكا فترة طويلة في مصر.
احتل هذا الملف مساحة من مناقشات المثقفين خلال عقود ماضية، وصل حد تشبث كل طرف بموقفه، وكان تيار الرفض واسعا وأعلى صوتا كلما أثيرت قضية التطبيع، منذ توقيع مصر على اتفاقية السلام مع إسرائيل، واليوم تراجع الحديث وتراجع الرفض، إذا اعتبرنا الصمت من علامات عدم الممانعة، أو على الأقل عدم الاكتراث، وهي أيضا من علامات القبول الضمني.
تجاهل عدد كبير من أنصار سعيد والجمال التفاعل مع السجال، وبدا الحوار الساخن في الماضي باردا في الحاضر، ولا يحظى بمتابعة كبيرة، ومن عايشوه في طبعاته الأولى يعرفون أن الكاتبين الكبيرين دخلا معا في حوارات مضنية، تثري النقاش حول قضية ملتبسة على البعض، ويظهر الاشتباك على السطح عندما يمسك أحدهما بطرف الخيط ويبدأ في الدفاع عن معسكره السياسي.
قد تصبح تداعيات التوجه العربي نحو التطبيع سلبية على مصر وتحمل خسائر نوعية إذا لم تحسن ترتيب أوراقها الإقليمية
تلخص المباراة الهادئة بين الكاتبين، والتي خلت من الجمهور الغفير، الحالة الفكرية والسياسية التي تعيشها مصر، والتي كانت في أوقات سابقة أكثر حيوية، ويكفي فتح ملف التطبيع حتى يتبارى التياران، الليبرالي بمشاربه المختلفة، واليساري بأطيافه المتباينة، ويعرض كل طرف حججه وبراهينه في الدفاع عن موقفه.
على المستوى الفكري، هناك عزوف من قبل فئة كبيرة من المثقفين ومحدودية انشغال بالقضايا العامة، ولا مبالاة تكشف عن خمول أو لا جدوى من نتائج الحوار في أمور كان يكفي نكأها لشحذ كل فريق هممه وحشد أنصاره، وينتصر فيها غالبا اليسار العاطفي دون أن يستفيد اليمين المدني من طرحه العقلاني.
خرجت كثيرا القضية عن مسارها العاطفي أو العقلاني، بعد أن أخذت طابعا مختلفا في الوقت الراهن، حيث تجاوز النقاش جغرافية مصر، وبات قريبا من عدد كبير من الدول العربية، وابتعد ربط التطبيع بمفردتي الحرب والسلام، وصار على صلة وثيقة بحسابات كل دولة، ولم يعد شرطا وجود حدود مشتركة مع إسرائيل للحديث عنه، فالمسألة تخطت ذلك ودخلت نفقا يمس مصالح كل دولة على حدة.
على المستوى السياسي المصري، توارى الاهتمام الرسمي بالتطبيع، وتعيد الأصوات التي توقفت عند تطوراته الجديدة تكرار الثوابت المتعلقة بالتمسك بالتأييد أو الرفض، ولم تصل لدرجة توسيع نطاق تحويل الملف إلى أولوية في النقاش العام لأن الحكومة قوضت أركانه، والنقابات التي كانت مصدر إلهام تآكل دورها، وتمكن الفتور من النخبة حتى أضحت اللامبالاة تعبر عن موقف سياسي ضد الفضاء العام.
تصلح كل هذه العوامل لتفسير محدودية التفاعل مع طروحات سعيد والجمال، حيث رأى الأول أن التحولات الإقليمية تفرض طقوسها بقوة، ويجب عدم التغافل عنها، ويمكن تطويعها لخدمة القضية الفلسطينية بشكل صحيح، وأخذ الثاني منحى آخر في تأكيد ثوابت رؤيته في رفض التطبيع، وطرح أسئلة محرجة عن موقف إسرائيل من هذه القضية، والتي تكاد تكون المطالبات فيها منحصرة في الطرف العربي فقط.
كشفت الأسئلة التي طرحت والإجابات التي قدمت من كل جانب عن فجوة كبيرة يعتمل جزء منها في الخفاء، وأن الصمت لا يعني فتورا في الهمة أو قبولا بالفكرة، وما ظهر على السطح في نقاش الجمال وسعيد قد يكون جبل الجليد، إذا سنحت الأجواء السياسية بمزيد من الغوص فيه يبين مفارقات لا تختلف عما حدث في أزمنة سابقة.
حُرمت الحكومة المصرية من ورقة تأييد ورفض التطبيع، والتي ساعدتها في التنصل من المضي قدما في قطاره حتى محطته النهائية، وجعلتها تضع قدمها على الفرامل، حيث أرادت إسرائيل تسريع وتيرة الحركة بتشجيع من الولايات المتحدة، فالدور الذي لعبته النقابات المهنية والزخم الذي أضفته القوى السياسية كان مهما لتبرير عدم التمادي في مظاهر التطبيع بحجة أن هناك رأيا عاما جارفا يرفضه.
تفتقد القاهرة لهذه الآلية الآن، في ظل الفراغ السياسي الحاصل، وعدم وجود قوى وأحزاب تستطيع المجاهرة بالتأييد أو الممانعة، فإذا كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ثمّن توجه بعض الدول العربية نحو عقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل، فإن تصرفات المسؤولين لم تعكس الموافقة على التطبيع، وأدى التلكؤ إلى ما يشبه العزوف في إبداء الموقف، وهو ما ينسحب على النخب التي لجأ معظمها للصمت إلا قليلا.
كان يمكن للمناقشة الخافتة بين الجمال وسعيد أن تتحول إلى ساخنة وتفتح حوارا ممتدا، ينقسم فيه المثقفون إلى فسطاطين، بصورة تستطيع الحكومة توظيفه في تعزيز موقفها لو أرادت وقف الاندفاع، أو سعت لتحقيق مكاسب أفضل لو أرادت التأييد.
تسبب فقدان هذه الازدواجية في أن يبدو الموقف المصري أقل اهتماما بما يجري في بعض الكواليس العربية، مع أنها تحمل مفاجآت، وربما تتحول إلى محدد رئيسي في المنطقة وتسهم في رسم معالمها، لأن المشهد يوحي بوجود سباق إقليمي نحو إسرائيل، فالتطبيع يصطحب معه تطورات على علاقة بصميم الأمن والاستقرار في المنطقة.
خرجت كثيرا القضية عن مسارها العاطفي أو العقلاني، بعد أن أخذت طابعا مختلفا في الوقت الراهن، حيث تجاوز النقاش جغرافية مصر، وبات قريبا من عدد كبير من الدول العربية
وقد تصبح تداعيات التوجه العربي نحو التطبيع سلبية على مصر وتحمل خسائر نوعية إذا لم تحسن ترتيب أوراقها الإقليمية، فالقضية الفلسطينية التي ظلت القاهرة قابضة على مفاتيحها معرضة لأن تتسرب تدريجيا وتطرأ مستجدات في غير صالحها.
تراهن القاهرة على ثقوب سياسية كثيرة في عباءات التطبيع، وعلى رحيل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وطاقمه الذي قاد الدفة، فقد يؤدي أي منهما إلى وقف الاستثمار في هذا الملف، لكن المشكلة أن فشل مثل هذه التقديرات يقود إلى خيبة أمل، تحتاج إلى اصطفاف على الصعيدين الإقليمي والداخلي.
يبدو الأول صعبا أو حرجا وغير مضمون، بينما الثاني كان في المتناول سابقا، ويحتاج إلى إعادة تموضع في المشهد السياسي كي ينشط ويحقق أغراضه، لذلك يمكن الاستفادة من الحوار الهادئ بين سعيد والجمال كبروفة لاستعادة النقاش العام حول ملف التطبيع وتحمل تبعاته الإيجابية والسلبية.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It