ardanlendeelitkufaruessvtr

ليس بمقدور الكاظمي النجاح ولا برهم صالح قادر على استعادة ثقة العراقيين

بقلم كرم نعمة كانون2/يناير 13, 2021 74

 

ليس بمقدور الكاظمي النجاح ولا برهم صالح قادر على استعادة ثقة العراقيين

كرم نعمة

استقبال برهم صالح لفالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي بعد ساعات من إدراجه في قائمة العقوبات الأميركية للمصنفين بالإرهاب، يؤكد أنه خارج مدونة العراقيين التواقين إلى استعادة بلادهم المخطوفة.
أن تكون وطنيا وسط بنية فاسدة وطائفية ستصبح موضع تهكّم ومحاصرة
أن تكون المقارنة السياسية بالعقود الماضية “تهمة” تصل إلى الإرهاب في العراق، فإن الوثوق بالمستقبل السياسي للبلاد نوع من الحماقة السياسية.
التفاؤل ليس منطقا سياسيا في العراق منذ عام 2003، لسبب بسيط يكمن في أن الأحزاب الدينية الحاكمة لا تقوى على بناء دولة، دعك من كونها لا تريد ذلك، حتى وإن تجرّدت من أيديولوجيتها وارتدى قادتها ربطات العنق بوصفهم سياسيين وليسوا رجالا يعتمرون العمامة الطائفية.
العراق دولة طائفية بامتياز منذ عام 2003، مهما أوجدنا من ذرائع سياسية عن وجود رجال دولة يحكمون.
ذلك ينطبق على رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، وإن كانت كل الإشارات الصادرة منه توحي بأنه يعمل من أجل استعادة مفهوم الدولة الواقعة تحت وطأة اللادولة ممثلة بالميليشيات التي تنضوي تحت الحشد الشعبي والمرجعيات الدينية بسطوتها الهائلة التي تشكل دولة عميقة داخل الدولة.
إذا كان الكاظمي ليس من الصف الأول في صنع الرثاثة السياسية بعد احتلال العراق، فالرئيس برهم صالح من كبار رعيلها الأول والمنظرين لجدوى تلك الرثاثة، بوصفها حلا لصناعة مستقبل العراق
الكاظمي سياسي نتج عن صعود أحزاب دينية وصلت إلى السلطة بعملية سياسية شُرعت منذ البداية على مفهوم أميركي إيراني يكمن في أن الحرب تجلب الحرية. لذلك لا يمكن له أن يغادر تاريخه مهما كانت نياته صادقة. إنه ابن مخلص لمفهوم أثبت فشله منذ عام 2003 ومازال الفشل مستمرا ومتصاعدا.
لي صديق يتقلد منصبا وزاريا في حكومة الكاظمي وهو يعمل بجد وثقة وفق فكرة بناء الدولة، أعرفه جيّدا، نزيها ولا يمكن أن يكون فاسدا أو جزءا من جوقة التخلف الطائفي المستحوذة على القرار السياسي، مع ذلك ليس بمقدوره النجاح مثله مثل الكاظمي، لأنه جزء من شبكة سياسية بُنيت على كل شيء، إلا على القيم التي تجعل الوطنية فوق أي اعتبار آخر! أن تكون وطنيا وسط بنية فاسدة وطائفية ستصبح موضع تهكّم ومحاصرة وإهمال في أفضل الأحوال.
مع ذلك مازلت أثق بنزاهة صديقي “الوزير” واتساقه مع قيمه، لكنه بأي حال من الأحوال غير قادر على الدفاع عن فكرة كونه وزيرا في حكومة عراقية حقيقية، هي حكومة افتراضية وفق التقويم المفرط بالتفاؤل ولا تمتلك قرار الحكم الكامل. ولا علاقة لذلك مطلقا بالكلام السائد عن فكرة الديمقراطية في العراق الجديد، فذلك يضيف كوميديا للرثاثة السياسية القائمة منذ سبعة عشر عاما.
لا توجد رومانسية في السياسة العراقية المعاصرة عندما يكون مثالها رجال الدين وآيات الله في الحوزات المعتّمة في النجف وقم، لكن يمكن أن نتخيّل الصدمة التي ستظهر على وجه نوري السعيد أو محمد فاضل الجمالي أو أفراد من نخبة سياسيي النظام السابق لو تسنّى لهم مجرد تخيّل ما يحدث وما يصدر من خطاب سياسي يصدر من الغربان وهي تجعل للرماد أجنحة وتتجول في التاريخ!
يمكن للكثير من العراقيين أن يثقوا بالكاظمي كنوع من الحل وسط الخيبات المستمرة، لكنه غير قادر على إعادة بناء دولة وجيش لا يُهان من قبل الميليشيات، كما أنه وبالأدوات السياسية التي يمتلكها اليوم حتى وإن ترشح وفاز في الانتخابات القادمة ولفترة وزارية ثانية، لن يستطيع أن يعيد ثقة العراقيين بالمنطقة الخضراء باعتبارها ممثلا وطنيا لبلادهم.
لنتذكر أن الكاظمي كان جزءا من حكومة عادل عبدالمهدي بمنصبه مديرا للمخابرات، وهذا سبب بقدر كافٍ يوصلنا إلى قناعة استحالة نجاحه. إلا إذا اعتبرنا أن عبدالمهدي نجح ولو بقدر ضئيل في وضع حجر في تشييد دولة!
دعونا نراقب فكرة الضجيج المستمر من الكاظمي نفسه عن تطويق الفساد، لن أتحدّث عن صدق نياته لأنه مثل السياسيين يستحق لذة النجاح وألم الفشل، لكن عن قدرته بوصفه رئيسا لحكومة مُنتجة في المنطقة الخضراء بعد عام 2003.
نشرنا الأسبوع الماضي في “العرب” تقريرا مفصّلا عن تعهد الكاظمي بأن يكون 2021 “عام كشف الحقائق الكبرى الخاصة بالفساد”. كما أنه أعدّ معتقلا خاصا في مطار بغداد، لاستكمال التحقيقات مع مسؤولين ألقي القبض عليهم لتورطهم في قضايا فساد.
لكن في حقيقة الأمر، حديث حكومة الكاظمي عن محاربة الفساد يستفز العراقيين، لأن انشغال أجهزة الرقابة بملاحقة الموظفين غير الحزبيين أو المنتمين إلى أحزاب ضعيفة أو لا تشارك في السلطة، هو مجرد صراخ لا يؤول إلى أي نتائج مؤثرة.
لا يتردّد العراقيون بالتهكم على إحالة مسؤولين في وزارة الثقافة إلى التحقيق بتهم الفساد، بينما لا تستطيع الحكومة الاقتراب من شقيق أحد قادة الميليشيات الشيعية، بعد أن استغل نفوذ شقيقه للهيمنة على معظم مخصصات وزارة الثقافة في الحكومة السابقة، ولا يزال يسيطر على جزء منها في الحكومة الحالية.
لقد فتح الصحافي روبرت وورث قبل أشهر قليلة نافذة أمام الرأي العام العالمي تكشف عن العناوين الكبيرة في الفساد الجاثم على صدر العراق بتقرير مطول في صحيفة نيويورك تايمز شرح فيه تفاصيل استحواذ قادة الميليشيات الشيعية على نسبة من كل عقود المقاولات التي توقع مع الحكومة العراقية.
وكتب وورث بعد أن ذكر أسماء قادة الميليشيات الفاسدة مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، فهم ليسوا فقط عملاء لإيران بالوكالة، بل هم أيضا الوجه الجديد لحكم اللصوص البيروقراطي “إن من دعم ومكن هذه الميليشيات هي الطبقة السياسية العراقية الجديدة التي لا تسعى إلا إلى الثراء. لقد قامت هذه العصابات متعددة الطوائف لسنوات عديدة بممارسة الاحتيال على كافة المستويات ومن ضمنها السيطرة المستمرة على نقاط التفتيش، والاحتيال المصرفي، والتحايل على نظام الرواتب الحكومي”.
العراق دولة طائفية بامتياز منذ عام 2003، مهما أوجدنا من ذرائع سياسية عن وجود رجال دولة يحكمون
صحيح أن الكاظمي لطالما استهجن الفساد علنا، لكنه يقبل بتعريفه المبهم وفق ما يراد له في العراق اليوم، لذلك يُرغم في الواقع على غض النظر عنه!
إذا كان الكاظمي ليس من الصف الأول في صنع الرثاثة السياسية بعد احتلال العراق، فالرئيس برهم صالح من كبار رعيلها الأول والمنظرين لجدوى تلك الرثاثة، بوصفها حلا لصناعة مستقبل العراق! وبمجرد تحليل رسالتيه الأخيرتين في رأس السنة وذكرى تأسيس الجيش العراقي، نكتشف بأنه يؤبّن العملية التي شارك في وضعها، في محاولة لتبرئة نفسه منها، وكأن استعادة ثقة العراقيين بالمنطقة الخضراء تبدأ بمرثيته وهو يؤبن العملية السياسية، عبر الحاجة إلى عقد سياسي جديد يؤسس لدولة ذات سيادة كاملة، نظرا إلى تصدع منظومة الحكم التي تأسست بعد 2003.
لن تبرّئ هذه الرسالة العاطفية برهم صالح من دوره كأحد شركاء صناعة الانهيار السياسي مثلما يكشف استقباله بعد ساعات من إدراج فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي في قائمة العقوبات الأميركية للمصنفين بالإرهاب، أنه خارج مدونة العراقيين التواقين إلى استعادة بلادهم المخطوفة.
كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)