ardanlendeelitkufaruessvtr

انتخابات فلسطينية مفترضة ووجهة حماس المتوقعة

بقلم عدلي صادق كانون2/يناير 14, 2021 273

 

انتخابات فلسطينية مفترضة ووجهة حماس المتوقعة
عدلي صادق
الانتخابات كانت أولى الضربات التي أوقعها عباس بالنظام السياسي الفلسطيني وذلك عندما تغاضى عن الشروط الدستورية المقررة لمسألة الحكم في أراضي السلطة الفلسطينية وهي شروط على صلة بالعملية السلمية وسقفها.
شرعيات تتجدد
كانت رسالة إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، التي نقلها جبريل الرجوب إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، تحمل الموقف الذي لم يجد الأخير حياله، سوى الإعلان عن بدء التحرك في اتجاه إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية. معنى ذلك أن حماس قد أصبح لها القدح المُعلّى، في هذا الحراك بعد انسداد مديد.
وعندما نفترض أن السياق من شأنه أن يحقق للفلسطينيين أمنية الوصول إلى صناديق الاقتراع، وأن الحركة الفلسطينية الإسلامية، جادة في العمل على الفوز مجددا في الانتخابات؛ تتوجّب علينا معاينة الخلفيات التي دفعتها إلى هذه الوجهة، في ضوء البيئة السياسية والاجتماعية التركية، التي أصبحت رموز حماس القيادية تتواجد فيها، مع عدد معتبر من كوادرها، وكثير منهم كانوا قد غادروا غزة، وباتوا في كنف “حزب العدالة والتنمية” التركي.
وبالطبع، لن تتوقف جماعة الإخوان التي جرّدت آلتها الإعلامية ضدّ الإمارات، أمام حقيقة أن حلفاءها الأتراك، هم الشريك الأكبر لإسرائيل في المنطقة، في التجارة والسياحة والتعاون الاستخباري.
أمامنا الآن، عدد من المُعطيات الدالّة، على أن خطاب المقاومة بالسلاح يتراجع لصالح المنطق الذي يتبناه الحزب التركي في العلاقة مع إسرائيل، لاسيما وأن الصوت الحمساوي، كالإخواني العام، لا يكف عن التعبير عن الإعجاب بتجربة أردوغان والولاء له، على الرغم من كون أردوغان نفسه لا يزال حريصا على ترميم علاقة بلاده مع إسرائيل، مع تظهير نقطة الخلاف الجوهرية الوحيدة معها، وهو سلوكها “غير الرحيم” مع الفلسطينيين، وذلك على أي حال تظهير لملمح سياسي لا يزال يخبو في المنطقة، وبات من النادر أن يعترض طرف إقليمي على سلوك إسرائيلي غير رحيم.
وعندما يصبح التحفظ على محض سلوك، لحكومة يمينية عنصرية ومتطرفة، ينحسر الأيديولوجي أو الاستراتيجي في الموقف، ويتبدّى الحرص على المصالح، مثلما كان عليه الحال منذ اعتراف الجمهورية الأتاتوركية بإسرائيل، بعد سنة من تأسيسها. وعلى مرّ العقود، لم يكن مثل هذا الاعتراف، يمنع حدوث خلافات تركية إسرائيلية تتعلق بالحروب والسلوك.
لا يختلف اثنان، على أن سياسة “حزب العدالة والتنمية” لا ولن تتبنى موقفا جوهريا يتعلق بالصراع الفلسطيني مع الصهيونية. ومعلوم أن الأخونة العربية، لا تجد غضاضة في مواقف الحزب التركي أيا كانت، ولا على أن هذه الأخونة ليست في موقع الاعتراض على شيء من سياساته. ثم إن السلطات الحاكمة في تركيا، لا ولن تجيز لحركة حماس أو غيرها، أن تتبنّى من أرضها خطابا يحث على مقاومة إسرائيل بالسلاح، وإلا لن يكون هناك معنى للتعاون الاستخباري مع إسرائيل، وهو أمر يجاهر به أردوغان.
من الطبيعي أن يكون لهذا كله، تأثيره على توجهات قادة حركة حماس الذين خرجوا بعد كل جولات الحرب، لا يملكون من السياسة، ما يؤهلهم لخوض غمارها. فالسياسة عندهم تتأسس في تركيا التي يرون أنها إقليم قاعدي والحكم فيها إنجاز للحركة الإسلامية، ويعتبرون الحزب الشقيق لـ”العدالة والتنمية” التركي، في المملكة المغربية، إنجازا جزئيا لا مجال لجعله كاملا.
يخطئ من يتجاهل البُعد السوسيولوجي في علاقة قادة الإخوان بحزب العدالة والتنمية وبالبيئة السياسية والاجتماعية التركية. وللإنصاف، يتوجب القول إنهم يواجهون في تركيا، أمرا واقعا ربّما لم يكونوا يتمنونه، إن نحيّنا جانبا، مسألة النوايا المسبقة والتأويل فيها. وتظل المسألة بالنسبة إليهم، تراوح في مربع الاكتفاء بمضامين التعبيرات العاطفية التي لا يكفّ الأتراك، شعبا ومستويات في الإدارة، عن الإفصاح عنها، تعاطفا مع الفلسطينيين، وهذا أصلا أحد العناصر المهمة المؤثرة، في سياسة أردوغان، الذي يريد أن يحافظ على قاعدته الشعبية، فيحاول الموازنة بين علاقات حكومته السياسية والاستخبارية مع إسرائيل من جهة، وتصريحاته بخصوص السلوك الإسرائيلي “غير الرحيم” على حدّ تعبيره.
حماسة حماس للانتخابات الفلسطينية، ليست ناشئة عن ضغوط أطراف إقليمية ودولية على القيادات الفلسطينية لتجديد الشرعيات وحسب. فعندما تكون هذه الحركة معنية بالسباق الانتخابي، الذي يمثل وصفة وحيدة ـ بعد كل الذي جرى ـ من شأنها توحيد جزئي الأراضي التي يُفترض أنها تابعة للسلطة الفلسطينية؛ يصبح معنى ذلك، أن حماس تتطلع إلى رئاسة السلطة الفلسطينية وإلى إحراز قاعدة برلمانية مناسبة في المجلس التشريعي الفلسطيني. وهي قطعا لا ترغب في تكرار ما جرى بعد الانتخابات الفلسطينية في يناير 2006 عندما حدث الأمر الطبيعي، وهو حصار السلطة الفلسطينية ومقاطعتها، وعرقلة تطبيق نتائج الانتخابات في الضفة، بجريرة خلوّ الخطاب الحمساوي من السياسة، من حيث كون العملية الانتخابية نفسها، معطوفة على عملية سلمية، نشأت على أساسها السلطة الفلسطينية.
كانت تلك الانتخابات، أولى الضربات التي أوقعها عباس بالنظام السياسي الفلسطيني، عندما تغاضى عن الشروط الدستورية المقررة، لمسألة الحكم في أراضي السلطة الفلسطينية، وهي شروط موصولة بالعملية السلمية وسقفها. فقد ترك لحركة حماس السقف مفتوحا، تحت ضغوط القوة المسلحة التي تمتلكها الحركة والفوضى التي واكبتها من الطرفين الفتحاوي والحمساوي.
آنذاك، كانت حماس في خطابها، تدعو إلى تغيير طبيعة النظام السياسي وسياقاته السياسية بدل تعزيز موقفه في طلب التسوية وفق مرجعياتها المقررة دوليا، ووفق ما يسمى “وثيقة الأسرى”، فوقعت العملية السلمية بين طرفين إقصائيين صعدا إلى الحكم: الإسرائيلي العنصري المتطرف الرافض لفكرة التسوية أساسا، والطرف الحمساوي الذي يطرح بديلا مستحيلا، وهو تحرير فلسطين من البحر إلى النهر.
ومع تتالي التداعيات، أفشل كل من عباس بسياسة التفرّد وإطاحة المؤسسات والتنسيق الأمني غير المستندة إلى سياق سياسي، وحماس بسياسة الزلازل غير المستندة إلى معطيات القوة وحسابات الاستراتيجية؛ كلا السياقين: التسوية والمقاومة.
يُقال اليوم، إن رئيس مكتب حماس السياسي السابق، خالد مشعل، سيخوض الانتخابات الرئاسية منافسا للمرشح الفتحاوي. وغنيٌ عن الإشارة إلى أن تجربة انتخابات 2006 لم تغب عن ذهن مشعل، فماذا سيكون معنى خوض الرجل الانتخابات الرئاسية، سوى أن الأمور تتجه إلى تغيير في الوجهة السياسة، استئناسا بالمنحى التركي وبيئته، وبالأطراف الراعية للعملية الانتخابية والمصالحة في إطارها، وهي جميعها أطراف على علاقة مستقرة مع إسرائيل.
فلو كان الوصال الحمساوي مع الإيرانيين وليس مع الأتراك، لقلنا إن الوجهة لن تؤشر إلى حماسة للانتخابات، ولن تنمّ عن احتمالات المشاركة فيها، مثلما هو الحال مع حركة الجهاد الإسلامي التي ترفض منذ البداية مسار أوسلو. فللإيرانيين حسبتهم ومقاصدهم. وبالنسبة إلى حماس هناك أيضا استئناس غير معلن، بحزبي العدالة والتنمية في كل من تركيا والمغرب. والمسألة كلها افتراضية وفي حدود التوقع استنادا إلى القراءة الموضوعية لمعطيات العملية الانتخابية.
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)