ardanlendeelitkufaruessvtr

أيام العرب

بقلم عدلي صادق كانون2/يناير 17, 2021 292

 

أيام العرب

عدلي صادق
الممسكون برقاب العباد لا يتثاءبون ولا يقولون شعراً، ولا يطمحون إلى صنع السعادة فيما يحكمون. فكل فعل سياسي يخالف مصالح الناس؛ يُنتج خطابه المفعم بالامتداح والزهو والتبرير والأراجيف.
بعض الشعوب أطلقت سيقانها للريح بحثاً عن حلول لمعضلات الحياة
في نسق مُريع، تتعدد الرؤى لحياة العرب في بلدانهم، ويتشكل مشهد عجائبي يتفلت فيه عديمو المواهب والمناقب، أما الكُتّاب والمفكرون المثابرون الشرفاء، فينخرطون في معركة مع الضلال، بإصرار يتحدى جدران الصمم السميك. وفي السياق، تُسهم اللغة من حيث كونها كلاماً، في صنع مشاهد ملفقة، تسعى جاهدة إلى تجميل القبيح وتشنيع الجميل، لكي يتحول مجرى الحقيقة إلى وجهة أخرى معاكسة. فالسياسة واللغة متلازمتان، في العز وفي الخيبة!
ليس هناك من قول في السياسة، إلا ووراءه تدبير. فالممسكون برقاب العباد لا يتثاءبون ولا يقولون شعراً، ولا يطمحون إلى صنع السعادة فيما يحكمون. فكل فعل سياسي يخالف مصالح الناس؛ يُنتج خطابه المفعم بالامتداح والزهو والتبرير والأراجيف. وحتى السياسات المفتضحة، لها من يجعلها فصل المقال وعين الصواب. وهناك مشتغلون في التدليس، يجرّون اللغة إليهم جراً، لكي تتبدى تلك السياسات الضالة رشيدة وحكيمة.
في الأصل – كما هو مفترض – يمتلك الكُتّاب رأس المال الثقافي في بلدانهم، لكن المرتعشين من بينهم، سرعان ما يذعنون للأوساط الحاكمة ويقتنصون الفرص ويتقاسمون الحظوظ، فيتغير مسار استخدام العقل في السياسة، ليكون بدل تمكين العقل من توجيه القرار السياسي، تمكين السياسة والأوساط المتنفذة فيها، من تسخير العقل لقراراتها، وخلخلة أعمدة القناعات الصائبة.
نتقبل بامتثال مُبرر- للأسف – روايات الآخرين عن أحوالنا. ففي العقود الأخيرة، كان النبأ العربي اللافت والنافذ يصدر عن منابر إعلامية أجنبية، لأن سدوداً قائمة تحول دون أن نصنع الخبر عن أنفسنا بأنفسنا، إذ يسهل جداً أن يحصل الأميركي أو البريطاني على أسرار الكواليس، بينما يصعب ذلك على العربي، وإن أحرزه يُخاطر. ولكي لا يخاطر، يظل يحوم في مدار الفعل السياسي للسلطة، بين الحياة والمال والأمن!
لا يختلف اثنان على أن المثقف العربي الذي يكتب؛ لا يزال خارج الجدل في المسائل الاقتصادية والسياسية الكبرى، على أهميتها الحاسمة في مصائر الأوطان. على الرغم من ذلك، لا ننسى أن أعلاماً من المفكرين والفلاسفة الذين استهدى بهم الغرب، قد مروا في حياة العرب وأيامهم السالفة، واستهدى الغرب بهم، وما أكثرهم هؤلاء كأبي الوليد بن رُشد والعّلامة أبي يوسف الكندي، وغيرهما ممن استحقوا إكبار الأمم الأخرى. ولم يكن أولئك يجافون الثقافات القديمة مثلما يجافيها الأصوليون اليوم.
مر عندنا، في ما وصفه الغرب “الربيع العربي” فوران ساخن. فقد أطلقت بعض الشعوب سيقانها للريح، بحثاً عن حلول لمعضلات الحياة وإشكاليات الاستبداد. لكن الحلول نأت عنهم كسراب في فلاة، لأن الشارع لا يملك حلولاً. فإن لم ينشغل المفكرون والمثقفون والمبدعون، قبل الشارع، بأسئلة المصير، وينخرطوا في حوار خصيب حول المسؤولية التاريخية عن التردي وكذلك عن النهوض من جديد، فلن يجد الشارع حلاً، وإن أظهر غضباً!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

one

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It