ardanlendeelitkufaruessvtr

الخطأ في "الصواب السياسي"

بقلم علي الصراف كانون2/يناير 19, 2021 275

 

الخطأ في "الصواب السياسي"

علي الصراف
الحياة لن تعود إلى طبيعتها قبل أن يتلقّى الشباب لقاحهم أولا، ذلك لأنهم هم طاقة العمل والإنتاج والاستهلاك، وهم وجه الرفاهية التي غابت عن المسارح وحفلات الموسيقى والغناء والرياضة.
وفقا للصواب السياسي، فإن توزيع اللقاحات يتعين أن يُعطي الأولوية لمن هم أكبر سنا
"الصواب السياسي" هو قالب من المفاهيم والاعتبارات الجاهزة ذات الطبيعة “الأخلاقية” المتعالية.
المساواة في الوظائف بين النساء والرجال، وعدم التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين، ومنح الأولوية في الرعاية الصحية لكبار السن، والامتناع عن التحدث بعبارات خشنة، والحرص على انتخاب المزيد من النساء في البرلمان ومقاعد الحكومة، كلها جزء من ذلك الصواب السياسي. وهناك الكثير منها طبعا، حتى أصبح ذلك الصواب نوعا من دستور غير مرئي للسلوك السياسي العام.
أحد أوجه الشعبوية، كان بمثابة نقمة من ضغوط واشتراطات الصواب السياسي. وذلك عندما تحوّل إلى قيود صارمة ليس على اللغة السياسية المتداولة أو الخطاب العام، بما فيه الخطاب الصحافي الشائع فحسب، بل عندما تحول إلى قيود على التفكير الحرّ أيضا. وهو ما دفع إلى دفن المجاهرة بالرأي الصريح، وذلك بالميل إلى إعادة تغليفه لكي يصبح مقبولا، رغم أنه ظل يعني الشيء نفسه.
الجمهور الذي كان يُفترض أن تتم حمايته، صار يفهم ذلك التغليف، ويتصرف على ضوء ما يرى تحته. وبفضل التغليف، أصبح من الممكن للخطاب العنصري أن يمر من دون مخاوف، بينما تتسع دائرة العنصرية بين من يقصدهم ذلك الخطاب.
مارين لوبان في فرنسا، وماثيو سالفيني في إيطاليا، وهاينز كريستيان شتراخة في النمسا، صار بوسعهم هم أيضا، أن يمارسوا “الصواب السياسي”، ولو ببعض الاستثناءات التي تستوجبها العنصرية المتطرفة.
لقد كان ذلك واحدا من أهم أوجه الضرر، التي نجمت عن القالب عندما أصبح قاموسا مشتركا.
الفوائد ظلت محدودة على الأصعدة الأخرى، لأن العوامل الاجتماعية والاقتصادية بقيت تفعل فعلها بصرف النظر عما يقوله السياسيون بشأن مشاركة المرأة في الحياة العامة، وبصرف النظر عن سياسات ما بات يسمى بـ”التمييز الإيجابي” لإصلاح الموازين المائلة أو غير العادلة. و”التمييز الإيجابي” واحد من مفاهيم “الصواب” التي ابتدعها يسار الوسط في أوروبا.
لا يمكن القول، بطبيعة الحال، إن كل ذلك كان خطأ. فعجلة التاريخ من الممكن تسريعها، بنفس المقدار الذي يمكن أن تحققه النماذج الخلاقة.
مارغريت تاتشر في بريطانيا مثلا، هي القاعدة النموذجية التي نهضت عليها قيادة أنجيلا ميركل في ألمانيا. ولولا سلسلة من الرائدات اللواتي تقبلن الهزيمة ما كانت الفرصة لتأتي لكامالا هاريس لتصبح أول نائبة للرئيس في الولايات المتحدة، ومكافحة العنصرية في ملاعب كرة القدم هي التي سمحت لمحمد صلاح أن يصلي في الملعب، ويقلده جمهور لم يعرف ما تلك الصلاة أصلا.
إذن، ليس كل صواب سياسي خطأ. ولكنه عندما يتحوّل إلى دوغما أو قالب جامد، فإن الخطأ فيه سيكون مُتعبا وضارا ويصعب التغلب عليه.
توزيع لقاحات كورونا أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فوفقا للصواب السياسي، فإن هذا التوزيع يتعين أن يُعطي الأولوية لمن هم أكبر سنا.

وبينما تغرق بريطانيا إلى أذنيها في تفشي الوباء، حتى أصبح خارجا عن السيطرة، فقد تم تلقيح الملايين من الأشخاص من أعمار ما فوق الثمانين. وتذهب سلسلة الأولويات المؤلفة من عشر مراحل إلى نحو منتصف الطريق قبل أن تصل إلى من هم في عمر العمل.
الأكثر عرضة للإصابة، هم الشباب ومن تضطرهم أعمالهم إلى الخروج من منازلهم. وبكلام آخر، فإن الذين بلغوا سن التقاعد حسب تلك الأولويات، يجب أن يحصلوا على اللقاح قبل أن يحصل عليه عامل في مصنع تتعطل دائرة الإنتاج من دونه.
الأضرار الاقتصادية الجسيمة، وليس معدلات الوفيات، هي جوهر المأساة الناجمة عن كورونا فرص التلقيح.. ُتفقر العالم كله
شباب بعمر الورود يجب أن ينتظروا حتى الخريف المقبل قبل أن يصلهم الدور.
وهناك “مبرر علمي” يقف خلف هذه القاعدة. وهو أن الأكبر سنا، والذين يعانون من أمراض مزمنة، هم الأكثر عرضة للخطر، ومعدلات الوفيات بينهم أعلى.
ولكن الحقيقة البسيطة الأخرى، هي أن حمايتهم أسهل، والحاجة إليهم في سوق العمل أقل.
المبرر العلمي نفسه يبدو غير علمي، لأنه في مواجهة هذه الجائحة بالذات، يبدو قصير النظر، وعاجزا عن رؤية الصورة الإجمالية للمأزق الاقتصادي والاجتماعي والنفسي الذي تعيش فيه البلاد.
الأضرار الاقتصادية الجسيمة، وليس معدلات الوفيات، هي جوهر المأساة الناجمة عن كورونا.
الأمر ينطبق على الدول الغنية والفقيرة على حدّ سواء. واستعادة القدرة على الإنتاج والمحافظة على سلاسل التوريد، عقدة تضر بالجميع إذا تم الإخلال بها أو تعطلت حلقة من حلقاتها.
الكثير من الناس في الهند وأفريقيا والبرازيل والمكسيك، لا يزالون يقولون إن الموت بكورونا أسهل من الموت من الجوع.
نادرا ما يموت أحد من الجوع في الدول الغنية. ولكن عندما لا يعود بوسع هذه الدول أن تعمل، فإن الموت من الجوع على الطرف الآخر من الكرة الأرضية يُصبح أمرا شائعا. السبب وراء ذلك، هو أن هناك صوابا سياسيا جعل فرصة العودة إلى العمل أقل في الدول الغنية.
كل فئات العمل من الطبقتين الوسطى والعاملة هي التي يتعين أن تتلقى اللقاح أولا، لكي لا يموت فقير من الجوع لا تراه نخبة الصواب السياسي على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، ولا تأخذه بالاعتبار ولا وجود له في أرقامها.
المسألة لا تتعلق بالموقف من فقراء العالم وحدهم، إنها تتعلق بمواطني الدول الغنية أنفسهم. الحياة لن تعود إلى طبيعتها قبل أن يتلقى الشباب لقاحهم هم أولا، ذلك لأنهم هم طاقة العمل والإنتاج والاستهلاك، وهم السفر والسياحة ومشغلو المطاعم، وهم وجه الرفاهية التي غابت عن المسارح وحفلات الموسيقى والغناء والرياضة.
هؤلاء هم الذين يموّلون صناديق التقاعد، على أي حال، وهم الذين يجعلون الناتج الإجمالي ناتجا لاستمرار الحياة. وهم الفنانون والمبدعون والمطورون الذين تنتظرهم المعامل والمختبرات، وهم الأطباء والممرضون الذين تنتظرهم المستشفيات أيضا.
كل واحد منهم تتعطل قدرته على العمل بسبب عدم تلقيه اللقاح يعادل، من حيث قيمته الإنتاجية، العشرات من المسنين.
لاحظ أني قلت “من حيث قيمته الإنتاجية”، ولم أقل “من حيث قيمته للحياة”، لأن ذلك غير صائب سياسيا. كتبت الجملة، ثم شطبتها، خوفا من النقد. ولكن الحق حق في النهاية حتى ولو لم يبدُ صوابا بالنسبة لقوالب الدوغماتية.
فرص التلقيح التي تعطي الأولوية للمتقاعدين وتؤخرها عن طبقات العمل والإنتاج، تضر بالاقتصاد، ولا تحمي الشيوخ، وتُفقر العالم كله.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

one

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It