ardanlendeelitkufaruessvtr

متحف لجرائم سي.آي.أيه

بقلم علي الصراف آذار/مارس 07, 2021 253

 

متحف لجرائم سي.آي.أيه

علي الصراف
الصور والأسماء والشهادات والتسجيلات الفيلمية والوثائق سوف تجعل من المتحف مرجعا للإنسانية جمعاء ولكنه سوف يكفل نزع رداء الطهارة عن الخطاب الحقوقي المزيف الذي يدلي به الغرب.
سجل طويل من الجرائم
النفاق الغربي بشأن قضايا حقوق الإنسان لن يتوقف إلا عندما يتم إنشاء متحف لجرائم وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
ظريف من المسؤولين في هذه الوكالة أن يتصرفوا وكأنهم شرفاء. ظريف، ولكن على نحو مثير للاشمئزاز. فهو نكتة، ولكنها موجعة أيضا.
سجل الولايات المتحدة لانتهاكات حقوق الإنسان، منذ حرب فيتنام إلى يومنا هذا لم يتوقف عن إنتاج الجريمة. حتى ليجوز القول إن ما تم ارتكابه على امتداد ثلاثة أرباع القرن، هو أسوأ سجل في تاريخ البشرية، منذ اختراع أول آلة للقتل إلى يومنا هذا.
ما ترتكبه الولايات المتحدة من جرائم يجد له تبريرا دائما، وتجري التغطية عليه بسرعة. فالماكينة التي تمارس أعمال الوحشية، هي نفسها التي تمارس أعمال التغطية، بوحشية مماثلة أيضا.
وكالة المخابرات المركزية تشتري صحفا ومراكز إعلام مثلما تشتري المجندين والضمائر. كل شيء صالح للشراء، وكل أحد. ولكن الجريمة تظل موجودة أيضا.
هناك مئات الآلاف من البشر، بل ربما الملايين، ممن ما يزالون يدفعون ثمن الجرائم التي لم تتوقف الولايات المتحدة عن ارتكابها، ضد أفراد أو جماعات على حد سواء.
ولقد حان الوقت لكشف دفاتر الحساب. فالوقاحة التي تفعل كل ذلك، ومن ثم لتعود فترتدي رداء الطهر والقداسة، لا يمكن الرد عليها إلا بجعل الحقيقة ظاهرة للعيان.
لا حاجة للوقاحة في مواجهة الوقاحة. هذا زائد عن الحاجة، لأن مستويات الجريمة عالية إلى درجة تكفي لكي تكشف عن نفسها، ببرود شديد.
الصور والأسماء والشهادات والتسجيلات الفيلمية والوثائق سوف تجعل من هذا المتحف مرجعا للإنسانية جمعاء. ولكنه سوف يكفل نزع رداء الطهارة عن الخطاب الحقوقي المزيف الذي يدلي به الغرب.
الوظيفة الوحيدة لهذا الخطاب ليست الدفاع عن حقوق الإنسان. إنها وظيفة عنصرية فحسب، تقصد الظهور بمظهر الترفع الحضاري، بينما هو قائم على انحطاط أخلاقي تام وجماعي وشامل.
الوجه العنصري في المسألة، يقصد “احتلال الضفة الأخلاقية المرتفعة” في أي جدل سياسي أو ثقافي. ومن هذه الضفة يبدأ القصف. وكل جريمة يرتكبونها من هذا المرتفع تُصبح مبررة. وذلك بما أن الذين يقعون ضحية لجرائم “الأخلاقيين” المدافعين عن “حقوق الإنسان”، لا يرتفعون إلى تلك المرتبة، ولا يتم النظر إليهم كبشر. وقتلهم أو ترويعهم لا يعود أمرا مثيرا للقلق.
خذ على سبيل المثال قصف ملجأ العامرية الشهير يوم 13 فبراير عام 1991.
ما ترتكبه الولايات المتحدة من جرائم يجد له تبريرا دائما وتجري التغطية عليه بسرعة فالماكينة التي تمارس أعمال الوحشية هي نفسها التي تمارس أعمال التغطية بوحشية مماثلة أيضا
كانت السي.آي.أيه (إياها) تعتقد أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ربما كان يختبئ به أو أنه يضم مراكز قيادة. لا توجد أدلة، ولكن “ربما” واحدة، كانت تكفي لقتل المئات من الأطفال والنساء في واحدة من أكبر الجرائم ضد الإنسانية.
وحتى بعد انكشاف حجم الجريمة، فقد ظلت الطائرات الأميركية تحوم فوق الهدف على مدى اليومين التاليين، في تأكيد قاطع على أن الضربة كانت مقصودة لذاتها. وهي نُفذت حصرا لكي تجرب قدرة “القنابل الذكية” على اختراق أقوى الحصون الدفاعية تحت الأرض.
فكرة تجربة “القنابل الذكية” نفسها، باللحم الحي للبشر، كانت تعني ما تعني. والترويع كان هو أحد أهم المعاني لذلك العمل الهمجي.
وعلى امتداد عدة سنوات من غزو العراق، ظلت القوات الأميركية تسجل جريمة أسوأ من الأخرى، بما في ذلك أعمال الاغتصاب، والقتل من بعد الاغتصاب، والحرق من بعد القتل.
تلك الجرائم، إنما تم تنفيذها وفقا لمنهج عسكري يقصد نتائجه حصرا. ولم تكن مجرد أعمال “تفاحة فاسدة في السلة” كما كان يقول الرئيس جورج بوش الابن الذي قاد غزو العراق، مع مجرم حرب موصوف بالدليل المشهود مثل دونالد رامسفيلد، وزير دفاعه، أو وزير جرائمه بالأحرى.
وهذا الدونالد اختفى مكللا بالعار لأنه يعرف ماذا فعل.
الاستخفاف بحياة مئات الآلاف من البشر، كان واحدا من أدلة كثيرة على أن الجريمة كانت منهجا يجعل السلة برمتها فاسدة.
هذه الجرائم، والكثير غيرها، ومنها التي مورست ضد أفراد أبرياء تم اختطافهم وتعذيبهم وقتلهم ورمي جثثهم في العراء، يحسن ألا تغيب عن الذاكرة. ولكن ليس لأننا نرغب بأن ننكأ الجراح على أنفسنا، بل لأن المنهج الهمجي ما يزال قائما. وعندما تضاف إليه أردية تطّهر داعرة كالتي يمارسها “غرب حقوق الإنسان”، فإن الذاكرة لا تعود مجرد ذاكرة. إنها صراع من أجل وقف الجرائم التي تمارس ضد الإنسانية. كما أنها صراع ضد الوجه القبيح للعنصرية الغربية التي تتخذ من قضايا حقوق الإنسان سلما لمزاعم “التفوق الحضاري”.
لا يملك الغرب، في الواقع، أكثر من انحطاطه الحضاري. صحيح أنه نجح في تحقيق تقدم علمي لا يمكن نكرانه، ولكن يجدر التأمل دائما في النظر إلى السبيل الذي وظف به ذلك التقدم.
لقد كان تقدما سمح بإنتاج “قنابل ذكية” لتجربتها على اللحم الحي. كما سمح باستخدام قنابل نووية لأول مرة في تاريخ البشر، كما سمح باستخدام ما كان يسمى بـ”العامل البرتقالي” في فيتنام، وكان أول استخدام للأسلحة الكيميائية.
لم يلحق هتلر أن يفعل كل ذلك. ارتكب الكثير، ولكنه لم يلحق. سوى أنه ينتمي إلى “التفوق الحضاري” نفسه.
السي.آي.أيه، التي أعدت تقاريرها عن أسلحة الدمار الشامل لدى العراق، بخلطة مفرطة من الأضاليل، كانت تعرف تماما ماذا تفعل. تعرف لماذا جعلت من الكذب صنعة لتبرير غزو كان بحد ذاته جريمة، وكان جريمة كل ما تلاه، وما يزال جريمة إلى يومنا هذا.
الحاجة إلى متحف لجرائم الـ سي.آي.أيه، وشقيقاتها الغربيات، يمكن أن يُلقم ذلك التفوق العنصري حجرا.
متحف بارد. لا ينطوي بالضرورة على عداء سياسي. ولا خصومة. ولا نزاع. فقط لكي تبقى الذاكرة تتذكر. ولكي يُبقى البصر قادرا على أن يُذكي جمرة البصيرة.
لا شك أنهم سوف يقلبون عالي الأرض سافلها ضد إقامة هذا المتحف. ولكن ليس لأنهم سوف يرون فضيحة لم تغب عن ناظرهم أصلا، بل لأنهم لن يعودوا قادرين على مواصلة الدعارة بحقوق الإنسان. ولكن سيظل بالوسع في المقابل القول لهم: إنها “حرية تعبير عن الرأي، أليس كذلك”؟
وقد يكفي أن يكون تعبيرا بصمت الوثيقة والصورة.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

1اولى.pdf 1 copy

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It