ardanlendeelitkufaruessvtr

البابا في كهف الأربعين حرامي

بقلم إبراهيم الزبيدي آذار/مارس 09, 2021 242

 

البابا في كهف الأربعين حرامي

إبراهيم الزبيدي
البابا أكثر من غيره معرفةً بأن النائب عن الإمام الغائب الذي سيعود ليملأ الأرض عدلا هو بشحمه ولحمه وعمامته ولحيته البيضاء المهيبة من أشعل الحروب التي يدعو البابا إلى إطفائها.
دعوات في خانة الأمنيات
إن من المؤكد وتحصيل الحاصل أن يكون البابا فرنسيس بابا الفاتيكان عارفاً بكل تفاصيل الوضع العراقي وتعقيداته قبل أن يقرر زيارة العراق في هذه الظروف الصعبة، ومتأكدا من أن دعوته إلى نبذ العنف وإسكات السلاح وإلى التعايش والتآخي والسلام تظل أمنيات غير قابلة للتحقيق ما دام الحل والربط فيه ليس بيد المرجع السيستاني ولا رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء ولا أي شخص آخر أو قوة أخرى دينية أو عسكرية أو سياسية، أبدا أبدا، ودون نقاش.
ومؤكد أيضا أنه كان يريد أن يقول “إياك أعني واسمعي يا جارة”، بندائه النزيه العظيم “فلتصمت الأسلحة”، و”ليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة”.
إن كثيرين من الطيبين الخيرين ذوي النوايا الحسنة تمنوا أن تكون الزيارة التاريخية المشكورة والميمونة التي قام بها قداسة البابا لجمهورية العراق عاملا فاعلا في “ترسيخ قيم التعايش المشترك بين جميع الفصائل والطوائف العراقية، فضلاً عن تعزيز الأمن والاستقرار ونبذ العنف في كافة أنحاء العراق”.
ولكن الواقع الثابت في عراق اليوم لا يشجع على مثل هذا التفاؤل، وذلك لسبب بسيط وهو أن جميع أنبياء الله ومرسليه، وهم الأكبر من البابا وأقوى وأقدر، لم يستطيعوا أن يمنعوا رجل دين واحدا منَح نفسه حق النيابة عن الله ورسوله وآله من أن يأمر بالقتل والحرق والغزو والاحتلال وتربية دواجن السلاح المنفلت التي تعيث فسادا في مدن العراق وقراه، وتجوع أهله، وتغرقهم بحروب طائفية عنصرية لا تنتهي.
فالبابا بموقعه الديني العالمي الإنساني لا بد أنه كان أكثر من غيره معرفةً بأن “النائب” عن الإمام الغائب الذي سيعود ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا هو بشحمه ولحمه وعمامته ولحيته البيضاء المهيبة من أشعل الحروب التي يدعو البابا إلى إطفائها، ليس بين المسلمين والمسيحيين فقط، بل بين المسلمين والمسلمين أنفسهم، وبين العرب وغير العرب، وبين الشيعة والسنة، وبين الشيعة والشيعة، وبين السنة والسنة، والكرد والكرد، وهلمَّ جرا.
ومؤكد أيضا أنه يعلم بأصل وفصل أصحاب الحول والطول في العراق الإيراني اليوم، وبأنهم هم وحدهم الحاكمون بأمر الحاكم القابع وراء الحدود الذي يعتبر دوام فسادهم وظلمهم واختلاساتهم، وإفقارهم للملايين من أهلهم هو ضمان احتلاله، ولن يتخلى عنهم ببساطة، فقط حين يدعوه بابا الفاتيكان إلى ذلك بكلماته الأخوية الرقيقة الحميمة. فهي مسألة حياة وموت لديه، وليست عباءة ينزعها عن كتفيه ويضعها على كتفي زائرٍ عزيز مثلما فعل سنّة السفارة الإيرانية.
والحق يقال، إن زيارة البابا وقد تجاوز التسعين من عمره وبوضعه الصحي الصعب ورغم مشاق السفر حدثٌ تاريخي كبير يُكتب له في سجل الخلود.
ولكن كيف يراد لزيارةٍ قصيرة كهذه أن تفعل العجائب المنتظرة كلها في بضعة أيام، فيصحو العراقيون وقد أصبحت لهم دولة آمنة موحدة عاقلة عادلة بدون ميليشيات ولا كواتم ولا طرف ثالث ملثم يدور في الأزقة والحارات فيغتال ويهرب وتسجل الجريمة ضد مجهول؟
نعم لقد حظي الحبر الأعظم باستقبال غبيٍ حافل بالدفوف والسيوف، ورقصت له بهز الوسط فتَياتُ فرقة الرقص الشعبي وفتيانها، وأقام قداسا عظيما وجميلا ومؤثرا في كاتدرائية مار يوسف والتقى بالسيد السيستاني في منزله الفقير المتواضع المدفون في الأزقة الضيقة، وتبادل معه الحديث عن “التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية في هذا العصر، ودوْر الإيمان بالله تعالى وبرسالاته، والالتزام بالقيم الأخلاقية السامية”.
وبالمناسبة، فإن كل ما قيل إنه دار بين المرجعين الكبيرين لم يجرؤ على الخروج عن العموميات التي تشبه الأماني؛ فلا السيستاني وهو مرجع الشيعة في العالم، ولا ضيفه وهو بابا المسيحيين في العالم، تحدث بصراحة وواقعية وشجاعة عن العراق المبتلى الذي يحكمه رجلُ دين مقيم خارج حدوده، فيقتل ويحرق وينهب ولا يخاف الله ولا رسوله.
فائدتان فقط مهمتان تحققتا من الزيارة. الأولى أنها أجبرت السلطة الحاكمة على تنظيف الشوارع التي كان مقررا أن يمر منها موكب الزائر العزيز وتنويرها وحمايتها من الملثمين.
والثانية أنها ذكّرت المسلمين العراقيين بشيعتهم وسنتهم، بعربهم وكردهم، بأن هذا العراق الذي فيه يقتتلون كان وطن المسيحيين، وحدهم دون شريك، ولكن الحروب الفارسية والرومانية التي دارت رحاها على الأرض العراقية جلبت إليه أقواماً عديدة تمكنت من الاستيطان فيه ومزاحمة السكان الأصليين، ثم جاء الفتح الإسلامي حاملا معه قبائل مهاجرة توطنت في مناطق العراق المختلفة، الأمر الذي جعل الوجود المسيحي عرضة لكل أنواع الظلم والتفرقة والتمييز، فتقلص إلى حد كبير.
والخلاصة هي أن العراق لم يكن في حاجة من البابا إلى زيارته والمجاهرة بأمنيته الصارخة “فلتصمت الأسلحة”، “وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة”، بل إنه كان في حاجة واحدة ملحة هي أن يزور عواصم الدنيا الكبرى القادرة على الفعل، وليس على القول، ويطالبَها بنجدة الشعب العراقي، وبوضع وزارات خارجيتها وأجهزة مخابراتها وأموالها وطائراتها المسيرة وأقمارها الصناعية لردع الجماعات المسلحة العراقية والإيرانية التي صنّفتها هي ذاتُها ضمن قوائم الإرهاب، ومُعاتبة حكامها على إغماضهم عيونَهم عن الجهاديين الذين يُحللون التطرف ويحرمون الاعتدال ويستهزئون بسلطة القانون وينكرون حقوق الإنسان.
فأغلب ظن العراقيين، مسلمين ومسيحيين، أن هذه الحكومات اللئيمة تتعمد إبقاء الحال على حاله، وترك يد الولي الفقيه تعبث برقاب العراقيين من أجل أن يظل بعضنا يُقتّل بعضنا ولا يتوقف، وهي تتفرج وتضحك في سرها من جهالة الجاهلين.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It