ardanlendeelitkufaruessvtr

إستفتاء.. ولو كما فعل كُرْد العراق

بقلم فؤاد مطر آذار/مارس 27, 2021 268

إستفتاء.. ولو كما فعل كُرْد العراق

فؤاد مطر

بات مطلب الحياد حاضراً في البال اللبناني منذ أن نادى به رئيس الطائفة المارونية البطريرك مار بشارة الراعي. ونحن هنا نستثني الجمع الذي يقلقه الأخذ بصيغة الحياد وهؤلاء عدد من أمراء الأحزاب والتنظيمات غير اللبنانية النشأة والخارجة على واجب الولاء الوطني بمعنى أن الولاء أمر له صفة القداسة وبذلك فإن الخروج عن الولاء للوطن هو كما الكفر بالمقدسات.
وعندما نقول إن مطلب الحياد بات حاضراً لا يفارق البال اللبناني فلأن مواطني هذا الكيان إنتقلوا من نظرة التأمل في ما يمكن أن يحققه الأخذ بالحياد إلى نظرة تعليق الآمال على الأخذ به. وهؤلاء ليسوا فقط الذين يجاهرون بترحيبهم بدعوة الأخذ بالحياد، وإنما أيضاً الذين لا ينطقون ترحيباً وآثروا إلتزام الصمت غير المريب نظراً لأن الماء في الفم تستوجب ذلك.
في الظروف التي تواجه الأوطان وتأخذ منحى الإستعصاء في الحلول، يصبح الأخذ بصيغة الإستفتاء الوسيلة التي تضع الأمور في نصابها، وتحسم القيل والقال في الموضوع وتنحسر التنظيرات بمختلف مرامي قائليها لصيغة الحياد حلاً للوطن. ونحن هنا نتحدث عن الإستفتاء الوطني وليس عن الإستفتاءات التي أرادها بعض الرؤساء العرب بمثابة الغطاء الدستوري والشعبي لإستمراريتهم في المنصب الأول، وتأتي نسبة التصويت بطبيعة الحال وفق ما هو مقرر سلفاً، بدليل أن كل الإستفتاءات التي حدثت وكانت النسبة فيها تسعينية وما فوق لمصلحة الرئيس الذي طلب إجراء الإستفتاء لتغطية رغبته في البقاء في سدة الرئاسة، إنما جرت خلافاً لقواعد الإستفتاء الذي يقول فيه المواطن رأيه وبما معناه إن “لاءه” تكون كما “نَعمه” صادرة عن إقتناع مستند إلى مصلحة الوطن في المقام الأول وليس كما يرضي شراهة الرئيس إلى البقاء رئيساً لمزيد من السنوات التي في إعتقاده تحميه من عاديات نظام يأتي على جناح الإرادة الشعبية الحقيقية.
ومن الجائز الإفتراض رغم الضغوطات النفسية والمذهبية التي ترسخت في ظل ظروف لا تترك فرصة لشرائح من بني الوطن اللبناني المكبل الإرادة وفي الوقت نفسه غياب صيغة موضوعية للمسار الوطني، كتلك الصيغة التي طرحها البطريرك الراعي، أن الإستفتاء الذي يُجرى وفق الأصول وبحضور مراقبين أممين منزَّهين عن الغرض ويضع وجودهم حداً لمن يهيمن على الصناديق ونتائجها أو يُرهب مقدماً التواقين إلى التعبير عن رأيهم الذي هو لمصلحة الأخذ بالحياد صيغة لوطن تستقر أحواله، سيوضح للمجتمع الدولي حقيقة غائبة عن أصحاب القرار فيه وهي أن لبنان المتناثر توحده صيغة الحياد، تماماً على نحو ما يحققه الحياد في حال الأخذ به للشعب الفلسطيني عندما تقام دولة مستقلة وتكون القدس تلك العاصمة الروحية للديانات الثلاث يتبرك في زيارتها الملايين من شعوب دول العالم، عوض أن تكون وجبة ترمبية على مائدة بنيامين نتنياهو حافلة بأطباق من العنف والتعصب والإبتزاز والإفساد والفساد والكراهية والتطاول على حقوق الشعوب وسيادات الأوطان. وهكذا في حال إرتأى المجتمع الدولي وكبيرته الولايات المتحدة إبدال التلاعب بالهداية، ستشع من الشرق شمس الحياد من خلال لبنان المحايد وفلسطين المحايدة كتفاً إلى كتف مع دولة إسرائيل التي يكون المجتمع الدولي فرض عليها أن تكون الملاذ ليهود العالم وفي الجوار الآمن لمن حولهم شعوب دول المنطقة. لماذا لا يقرأ هؤلاء الليكوديون المبادرة العربية للسلام التي تنهي وتنجي وتبني وتنقذ الجميع من ضوضاء التشدد.
وثمة حقيقة من شأن الأخذ بالحياد تأمين حدوثها، وهي أنه سيكون خشبة خلاص كريمة لشرائح من اللبنانيين، ونسبتهم عالية جداً، من إلتزامات وإنتماءات أوجبتْها ظروف سياسية وإرتباطات إضطرارية، وتحالفات لأهداف سلطوية. وهذه الشرائح ينجيها الحياد وينقذها ما دامت لا تستبدل جِلْدها بجِلْد آخر وإنما بخطوة تطُّهر للنفس من أدران سياسية وتحزبية تراكمت في النفوس على مدى سنوات كانت فيها وصفة الحياد مغيَّبة وتحتاج إلى الطبيب الذي يراها علاجاً للبنان الإنسان والوطن على حد سواء، وخصوصاً في حال إجماع أهل القرار الدولي على التصريح بصوابية الفكرة والأخذ بها كصيغة حل يضع لبنان في إستقرار دائم وبحبوحة متزايدة، إنما بعد إستفتاء شعبي. وحيث أن هذا الإستفتاء صعب التنفيذ من حيث إتخاذ قرار دستوري في شأنه نتيجة أن إنتماءات الممسكين بمقاليد الحُكْم هي ضد صيغة الحياد، بعضها عبَّر عن الرفض وبعضها الآخر يضمر إجهاضاً للفكرة، فإن قراراً أممياً في شأنه كفيل بوضع الإستفتاء موضع التنفيذ. يا ليت وثيقة الطائف بنَّدت صيغة الإستفتاء عند الضرورة إلى جانب سائر البنود. فالإستفتاء كفيل بترويض الإستعصاء.
جروح العراق
ونستحضر للمناسبة ونحن نعيد قراءة ما سبق أن حبَّره زميلنا غسان شربل على أوراق الصحف في كتاب جديد له من 396 صفحة الإصدار الأول لدار “رياض الرئيس للنشر والكتب” بعد رحيله مأسوفاً عليه أضاء فيه على جروح العراق الكردي والبعثي والسليماني من خلال شهادات رموز أصيبت بجراح وأثخنت بدورها آخرين بجراح، كيف أن الشعب الكردي في رحاب إقليمه المحكوم ذاتياً إعتمد ولي أمره مسعود بارزاني صيغة إجراء إستفتاء على أن يكون الإقليم دولة كما حال دولة جنوب السودان عِوَض البقاء كما حاله مطْمئناً ضمناً إلى أن الإدارة الأميركية ودول أوروبا عموماً ستساعد على ذلك ولا تترك بالتالي مجالاً للإعتراض الأردوغاني والإيراني المتناغم مع رفض الدولة العراقية لصيغة إعلان إقليم كردستان دولة مستقلة. وكثَّف مسعود بارزاني حَراكه من أجْل تحقيق مبتغاه فيما الذراع الثانية للأمل المنشود الرئيس جلال طالباني قيد العلاج الصحي الدقيق خارج العراق في المانيا ولم يعد بالتالي هو رئيس جمهورية العراق التي طالما أوجز حال هذه الرئاسة ماضياً أمام زميلنا غسان شربل بتوصيف موَّال شعري منسوب إلى العراق العربي وهو كما ورد في كتاب “زيارات لجروح العراق” الصادر حديثاً: “لا قصب لا حصران لا عندنا بردي… فوق القهر والضيم رئيسنا كردي”.
جرى الإستفتاء على أفضل ما تكون عليه العملية الإستفتائية. بداية قال برلمان الإقليم نعم للإستفتاء 65 نعم من أصل 68 حضروا الجلسة يوم الجمعة 15 أيلول 2017 ثم حدد رئيس الإقليم مسعود بارزاني يوم الإثنين 25 سبتمبر موعداً له يستتبعه في حال جاءت النتائج مشجعة إعلان الإقليم دولة مستقلة. وهي جاءت مبهرة لمصلحة صيغة الدولة بدل الإقليم 92 في المئة لصالح الإستقلال. جرى الإستفتاء بإشراف 11 كياناً سياسياً و64 مراقباً دولياً و65 مؤسسة إعلامية. منتهى الهدوء لا سلاح ولا مسلحين. لا حوادث بين بدء الإقتراع منذ الصباح وحتى السابعة مساء. نســــبة الإقتراع 72 في المئة. سلفاً قال مسعود بارزاني إن الإستفتاء لا يعني الإنفصال.
هكذا قال البطريرك الراعي: “الحياد لا يعني التدويل». رغم أن الإستفتاء كان لمصلحة الوعد- العهد بإعلان إقليم كردستان دولة، إلاّ أن المجتمع الدولي رأى أن يبقى الإقليم إقليماً كما حاله الذي أراده صدَّام حسين كياناً جزءاً من العراق. هذا الواقع باق حتى إشعار آخر. المهم أن الكرد أرادوا بالإستفتاء الحر الإنتقال من الدويلة شبه المستقرة إلى الدولة ذات الكيان كما سائر الكيانات في العالم.
في حال أمكن تأمين رعاية دولية للبنان كي يُجرى الإستفتاء على الحياد، فإن ذلك لن يتحقق في ظل البرلمان الحالي، الذي هو مع لبنان المصادَر الإرادة الوطنية والقرار السيادي. ولو أن برلمان إقليم كردستان كان على شاكلة البرلمان اللبناني الحالي لما كان في الإمكان إجراء الإستفتاء وكان حلم أن يكون للكرد دولة مستقرة مجرد سراب.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It