ardanlendeelitkufaruessvtr

الانتخابات في فلسطين بعد نشر القوائم

بقلم عدلي صادق نيسان/أبريل 03, 2021 228

 

الانتخابات في فلسطين بعد نشر القوائم

عدلي صادق

في الخضم الفلسطيني المسكون بالقلق لا يزال الفلسطينيون يبحثون عن الطمأنينة التي توفرها عملية انتخابية ديمقراطية تفرض نتائجها واقعاً جديداً لا يتاح لأي طرف الانقلاب عليه أو فرض أمر واقع آخر.
دحلان بات أقوى وله تياره القوي في الشارع
من بين أهم انعكاسات نشر قوائم المرشحين لخوض الانتخابات في الضفة وغزة هو التحسب الذي علت وتيرته لدى السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس وإضعاف ثقته بأن الهدف الذي وضعه لنفسه، وملخصه الاستمرار في الحكم، يمكن أن يتحقق.
كان لهذا التحسب ما يبرره على اعتبار أن القوائم الثلاث المنافسة التي يأمل الرجل في حصولها على عدد أقل من المقاعد هي قوائم حماس والتيار الإصلاحي الفتحاوي والتجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه ناصر القدوة، لاسيما بعد دخول جماعة مروان البرغوثي في هذه القائمة الأخيرة. ولعل السبب الجوهري لهذا التحسب المشوب بالقلق العميق هو أن كُلاً من قائمتي حماس والتيار الإصلاحي تمثلان كتلة صلبة منظمة ومنضبطة ولها خطتها المُحكمة في التواصل مع الناخبين.
حماس تنظيم يقوم على السمع والطاعة، وله منتسبوه ومؤيدوه الذين نشأت بينهم وبين هذه الحركة علاقات تساند تخللها العمل النشط لمنظومة مساعدات اجتماعية. كذلك فإن منتسبي تيار الإصلاح الديمقراطي باتوا يمثلون كتله صلبة لها جمهورها الذي يتشكل ممن تعرضوا للإقصاء، مع خليط من الغاضبين من ممارسات السلطة، والمتفاعلين إيجاباً مع المساعدات الاجتماعية التي دأبت دولة الإمارات العربية المتحدة على تقديمها قبل وقت طويل من الحديث عن انتخابات فلسطينية.
اعتمد تيار الإصلاح الديمقراطي صيغة استثنائية في تشكيل قائمته لتعزيز خطة اجتذاب الأصوات في محافظات الضفة والقدس التي منع فيها نشاط التيار ولوحقت فيها كوادره أمنياً، إذ دقق التيار وتأنى في اختيار مرشحيه في هذه المحافظات، وانتقى العناصر التي تتمتع بالسيرة الحسنة والاحترام. وبحكم أهمية ترتيب الأسماء في القائمة تعمد تيار الإصلاح تكثيف حضور مرشحي الضفة والقدس ضمن الأسماء المتقدمة حتى بلغ عدد أسماء مرشحي التيار من هذه المحافظات ضمن الثلاثين إسماً الأولى، نحو النصف، منها عشرة ضمن العشرين الأوائل المفترض حصولهم على مقاعد.
وقد استبعد التيار فكرة التحالف مع فصائل صغرى وإن استوعب عناصر كانت تنتمي إلى فصائل أخرى وباتت خارجها. وليس صحيحاً ما نشر أو قيل عن دخول فصيل “الجبهة الشعبية” إلى هذه القائمة، وإن كانت حوارات التيار المسكوت عنها مع العديد من الفصائل قد ظلت مفتوحة، وتتركز مقارباتها على إمكانية التعاون بعد الانتخابات في حال إجرائها. وكان فصيل “الجبة الشعبية” قد أعلن قائمته الخاصة باسم “نبض الشعب” ويتصدرها الأسير أحمد سعدات الأمين العام للجبهة، وتضم القائمة أربعين اسما منها 17 امرأة وخمسة معتقلين. وأظهرت القوائم أن اليسار الفلسطيني فشل في تشكيل قائمة موحدة لفصائله وأحزابه.
ولم تحدث الإرتجاعات الاحتجاجية الحادة على المستويين التنظيمي والمناطقي إلا بخصوص قائمة رئيس السلطة محمود عباس التي أثار نشرها ردود أفعال غاضبة من كوادر الحركة تخللتها حوادث إطلاق نار وانسحابات وتجميد النشاط. وكان سبب ذلك هو إهمال نتائج عملية الاستمزاج التي حدثت على مستوى القواعد، والاستثناءات التي مُنحت لمسؤولين من الأطر التنفيذية جرى التشكيك في تلبيتهم شروط الترشح سواء بالاستقالات الفعلية أو بالجدارة في ضوء التجارب الماضية.
أقل ما يمكن توقعه بعد هذا الصخب أن نتائج العملية الانتخابية بالنسبة إلى فتح ستكون متواضعة، وهذا هو الذي جعل قيادات الحركة الراهنة تجدد الحديث عن تشكيل حكومة مع حماس لأن الأمر الأهم بالنسبة إليها هو استمرار وجود الحركة في السلطة، ولو من خلال حكومة ائتلافية مع حماس، على أن تكون الأرجحية لمن يمتلك عناصر أكثر على مستوى الاعتراف الدولي والإمكانيات والمساحة الجغرافية.
على الرغم من ذلك كله فإن أحداثاً أكثر صخباً ستقع خلال الأيام القليلة المقبلة ما يجعل طريق الفلسطينيين إلى الانتخابات طويلاً في الزمن القصير. فبعد أسبوع أو أكثر قليلاً يُتوقع أن يندلع السجال بين “المقاطعة” وسائر القوى على الساحة بعد أن اندلع سريعاً وبخشونة داخل فتح نفسها، مع اعتقاد من رئاسة السلطة بأن الأمر سيمر سريعاً وتزول آثاره. فالسجال الآتي سيكون مع القوى الأخرى حول السياقات التالية للعملية الانتخابية المفترضة. وفي الحقيقة إن الرئاسة الفلسطينية بما تمسك به من الصلاحيات المالية والأمنية لم تعد طرفاً كاسحاً. فقد أفلتت من أيديها الكثير من الأمور. وقد تأكد ذلك سواء بالعوار الذي اكتنف عملية إعداد القائمة، أو من خلال مواقف الخارجين احتجاجاً إلى قوائم أخرى، أو بما رآه الذين تعرضوا للإقصاء فرصتهم السانحة لأن يسجلوا حقيقة حضورهم الوازن في الشارع.
في الواقع جاءت نتائج ظهور قائمة رئاسة السلطة بارتجاعات احتجاجية سيكون لها انعكاساتها السلبية في التصويت أو الاستنكاف عن التصويت، حسب ما أعلنت مجموعات فتحاوية في شمالي الضفة ومناطق أخرى. وبدل أن يكون إقصاء الدكتور ناصر القدوة رادعاً لغيره حسب ما أرادت “المقاطعة”، انضم مروان البرغوثي إلى قائمة القدوة، وبدل أن يحقق رئيس السلطة هدفه من إقصاء النائب محمد دحلان، أصبح دحلان أقوى وله تياره القوي في الشارع، بل إن الأهم من الحضور القوي لهذا التيار أن شعاراته ومطالبه وتوصيفه للمرحلة أصبحت، بالتحليل الموضوعي للمرحلة، هي نفسها شعارات ومطالب وتوصيفات آخرين لهم أوزانهم في المجتمع وفي حركة فتح.
معنى ذلك أن هذه الانتخابات التي فُرضت على “المقاطعة” انتقلت من وضعية الإلزام الذي يفرض شروطه ويستوجب بعض الضرورات التجميلية لسلوك رأس النظام وممارساته إلى وضعية المأزق بجريرة العناد والصمم اللَذَيْن زادا حركة فتح تشظياً. وستكون لعمليات الإقصاء الأخيرة وهجاء المناضلين آثارها الفادحة. ولم يعد هناك معنى للقول إن “القائمة” هي خيار فتح، لأنها لو كانت كذلك لما خرجت منها قيادات مهمة من خلية فتح الأولى، ولَما وصلت نقاط الخلاف ووصل التعبير عنه بحدة إلى مستويات غير مسبوقة، وفي بعض الأمثلة لأسباب قد تكون صغيرة كترتيب اسم مرشح معين في القائمة.
كذلك لا معنى للحديث المغلف باعتبارات عاطفية تُذكر بالشرعية وبالسفينة التي لها قبطان واحد وبالتاريخ، لأن من يحرص على الشرعية يُقرّب المسافات بين مواليها، ومن يتحدث عن سفينة ويأمل بأن ترسو في ميناء وجهتها لا يلتوي في الطريق إلى مسارات جليدية، ومن يحترم التاريخ لا يجافي المشاركين في صنعه.
كذلك لا تلقى العبارات المُرسلة للنيل من البرغوثي والقدوة سوى سخرية من يسمعونها.
في هذا الخضم الفلسطيني المسكون بالقلق والتشتت لا يزال الفلسطينيون يبحثون عن الطمأنينة التي توفرها عملية انتخابية ديمقراطية سلسة تفرض نتائجها واقعاً جديداً لا يتاح لأي طرف الانقلاب عليه، أو فرض أمر واقع آخر يعيد إنتاج كل المساوئ التي عانى منها الشعب الفلسطيني خلال السنوات العشر الماضية.
ما لم يحدث المُنتظر والمُتوقع وهو الانقلاب على العملية الانتخابية، فإن “المقاطعة” برديفها الأمني ستظل تمارس دورها بكل ما عندها، ظاهراً يراه الناس في حياتها ويستطيعون توصيفه، وباطناً يدركونه من خلال تحليل تجاربهم، طبقات في الوعي وفي النفوس بعضها فوق بعض.
بعد أيام ستبدأ مرحلة الطعون. وهذه الطعون في العادة تكون قانونية وليست سياسية. والقانون عندما لا يكون مشفوعاً بصفته طبيعياً ومستقلاً، مثلما جرى تعريفه علمياً، يتحول إلى مكائد مفتضحة.
أما بعد مرحلة الطعون، فإننا سندخل مرحلة اختبار صدقية ما أطلقت عليه الفصائل “ميثاق الشرف”. فقبل البدء جرى الإخلال بهذا الميثاق. فما الذي يمكن أن نتوقعه ما لم يحدث المُتوقع والمنتظر وهو الانقلاب على العملية الانتخابية بعد اجتياز مرحلة الطعون وإجراء الانتخابات وظهور النتائج؟ إنه طريق طويل في زمن قصير!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It