طباعة

الأمن القومي ليس أشواقاً فحسب

بقلم سمير الحباشنه نيسان/أبريل 03, 2021 273

الأمن القومي ليس أشواقاً فحسب

سمير الحباشنه
-1-
لم يعد الحديث، عن الوئام واللقاء العربي، مسألة عاطفية أو أشواقاً يرنو إليها العرب والذي يمثله مصطلح الأمن القومي، ، باعتبار أنّ أمّته الوحيدة بين أمم الدنيا، التي تعيش حالة من التقطيع الجغرافي، وما ترتّب عليها من عدم تواصل اجتماعي وثقافي، بل واقتصادي منذ ما يزيد عن 100 عام فحسب، بل وأنّ الحال الراهن أصبح يمثل تهديدًا واضحًا ليس للمصالح السياسة لأقطارنا فحسب، بل وتهديداً عملياً يُمارس يوميا ضدّها، باستباحة أرضنا، وبسرقة مياهنا، وبنهب ثرواتنا، حتى انطبق على عرب هذا العصر قول رسولنا الكريم..
“تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها”.
وبالتدقيق في المشهد العربي الراهن الموغل بالضعف والانقسام، نرى إنّ جيراننا من الأمم والكيانات الأخرى لا تتوّرع عن نهب ما تستطيع نهبه من هذه الأمة….. واليكم أمثلة.
-2-
فإسرائيل وبالرغم من الاعتراف العربي بها وفق مضمون مبادرة السلام العربية المقررة في بيروت، والتي اعترفت بسيطرتها على 78 بالمئة من أراض فلسطين التاريخية، فإنّها لا تكتفي بذلك، بل وتسعى للسيطرة على ما تبقى من الأرض الفلسطينية عبر مشاريع استيطان لا تتوقف، لابتلاع كل الضفة الغربية بما فيها القدس، وبخط موازٍ فإن قوانينها العنصرية المقيتة تُعرّف الفلسطينيين بأنهم مجرد سكان او ماكثين لا يختلف وضعهم عن وضع أي عامل وافد أجنبي !
وأكثر من ذلك فإن حالة الوهن العربي دفعت “إسرائيل” على التجرؤ بضمّ الجولان السوري، على الرغم من إنّه خارج نطاق مشروعهم التلمودي “المزعوم” !، وإن بقي الحال على ما هو عليه فإن مشروعها التوسعي لا بدّ أن يستهدف تهويد أوطان عربية أخرى.
-3-
أما تركيا، وبعد أن اقتطعت عام 1939 لواء الإسكندرون السوري، بتاريخه وبجغرافيته وبديمغرافيته العربية، فإنها تستغل اليوم حالة الفوضى والحرب الدولية المروّعة على سوريا، فتبسط سيطرتها على مناطق شاسعة من الشمال السوري، وتقوم بعملية تتريك للأرض والإنسان، حيث تفرض لغتها وثقافتها ، وآخرها الإعلان عن فتح فرع لجامعة إسطنبول في المناطق العربية السورية المحتلة !
وهي لا تتوقف عن اجتياح شمال العراق بحجة مكافحة الإرهاب، يراودها حلم ضمّ الموصل وكركوك، ويقال أن نفط كركوك هو باب ثابت من أبواب موازنة الدولة التركية. وأنّ الوضع في ليبيا ليس أفضل حالاً حيثما ما زالت الإدّاعات التركية قائمة بشأن مصراته العربية، وقد استغلت تركيا الحرب الأهلية في ليبيا فدفعت بعشرات الآلاف من المرتزقة إليها إستنهاضاً لحلمها الطوراني القديم ، وتُبيّن الخريطة التي أعلنت عنها مؤخرا الأطماع التركية المستقبلية بسعيها إلى وضع كل بلاد الشام والعراق وليبيا ومصر تحت النفوذ التركي.
أما المياه، فان تركيا تسير قدما ببناء المزيد من السدود الضخمة التي تحرم العراق وسوريا من حصصهما التاريخية من مياه نهري دجلة والفرات، حيث قال وزير المياه العراقي مؤخراً أنّ العراق لا يتحصل إلّا على نصف حصته التاريخية من مياه النهرين.
وبالطبع فإنّ الأطماع التركية القومية مغطاة برداء إسلامي، حيث تقدم تركيا نفسها كدولة تحمي مصالح المسلمين السنة في العالم، والغريب أنّ هناك بعض العرب من يصدّق تلك الإدّعاءات !
-4-
أمّا إيران، فحدث ولا حرج، فبعد أن ابتلعت عام 1925 الأهواز العربية التي تمثل كامل الضفة الشرقية للخليج العربي ولمكانتها الإستراتيجية و ما تحوي من ثروات، فقد احتلت جزر الإمارات العربية الثلاث، ولا تخفي مطالبها في البحرين، بل وجزء كبير من الجنوب العراقي.
وكل ذلك بالطبع برداء إسلامي يغطي أطماعها القومية، حيث تقدّم نفسها على إنّها تمثل مصالح المسلمين الشيعة في العالم، والغريب أن هناك بعض العرب من يصدّق تلك الإدّعاءات أيضاً !
-5-
وحتى إثيوبيا، تلك الدولة الضعيفة والمنقسمة على نفسها عرقيا والتي كان محجّها القاهرة أيام النهوض العربي ، هي اليوم تبني سدّاً عملاقاً سوف يحرم مصر والسودان من حقوقهما التاريخية من مياه النيل، بل وأنّها تماطل كسبا للوقت دون الوصول إلى أي اتفاق عادل، ولا تلتفت إلى أية جهود دولية بهذا الشأن، ضاربة عرض الحائط مطالبات مصر والسودان العادلة، إلى أن تقوم بملء السدّ فيصبح أمرا واقعا، وما سوف يترتب عليه من كارثة تقع على عرب السودان و مصر، ناهيك عن اعتداءاتها السافرة على أراضي السودان العربي!!
-6-
وبعد، فهذا غيض من فيض، يُرتّب على العرب أن يعيدوا النظر بعلاقاتهم ، وأن يتوقفوا عن المناكفات والخلافات الهامشية ، وأن يعملوا على تعزيز تضامنهم وفق أسس جديدة تعلي من مكانتهم ودورهم الريادي تاريخيّاً، بحيث يصبح الأمن القومي بأبعاده الدفاعية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أمناً واحداً فعّالاً، عملا لا قولا ، فيكون أيّ اعتداء مهما كان شكله ومضمونه على أي بلد عربي، إنّما هو اعتداء على كل العرب.
في هذه الحالة فقط تستعيد الأمة ألقها بين الأمم ، فيحسب الآخرون لها حسابا ، ويتوقفوا عن امتهان سيادة بلداننا وقضم أرضنا ونهب ثرواتنا…..
فهل من صحوة عربية جادّة!؟
والله ومصلحة العرب من وراء القصد.
وزير ثقافة أردني سابق

قيم الموضوع
(0 أصوات)