ardanlendeelitkufaruessvtr

الإنسان مدمن حكايات

بقلم أبو بكر العيادي تشرين2/نوفمبر 24, 2016 390

الإنسان مدمن حكايات
أبو بكر العيادي
تعقيبا على مقالتي السابقة “لماذا نقرأ الروايات؟”، كتب إليّ أحد الأصدقاء يقول “لأننا ببساطة نحب الحكايات. أحببناها صغارا، ومازلنا نحبها كبارا، ولو في أشكال جديدة تنأى عن شكل خرافات الجدّات”. والحق أن هذا صحيح في وجه من الوجوه، فأطفال العالم، منذ قديم الزمان، يحبون الاستماع إلى الحكايات، سواء تلك التي كان يرويها راو في إحدى الساحات العامة، أو تسردها الجدّات قبل اجتياح التلفزيون البيوت، أو يقرؤها الأولياء لأبنائهم قبيل النوم.
وعندما يكبرون، لا يفقدون رغبتهم في الاستمتاع بها لأن الإنسان مدمن حكايات، ينتمي إلى “فصيلة حكائية”، حسب تعبير الأميركية نانسي هيوستن، و”الحكي عنده، سماعًا ورواية، متأصل في جوهره كالمشي على قدمين والضحك والكلام” على رأي البريطاني ماكس تورنر في كتابه “العقل الأدبي”، وإن كانت المسألة في الروايات الأدبية ليست مجرد حكاية تروى فتُسمع، بل جهدٌ يبذله القارئ لبلوغ المعنى.
لقد ظهرت في العالم الأنكلوسكسوني في الأعوام الأخيرة مجموعة من المصنفات تؤلّف بين عدة تيارات كالفلسفة الجمالية ومنطق العوالم الممكنة والداروينية والدراسات السردية وسواها، وتتفق كلها على أن الجنس الأدبي، وإن سلّمنا بأنه بدعة حديثة نسبيّا في تاريخ الإنسانية، يجد أصوله في تعلق البشر منذ القدم بما يشحذ أذهانهم ويلهب خيالهم من بديع الحكايات، كما يؤكد الإنكليزي برايان بويد في كتابه “في أصل الحكايات: التطور، والمعرفة والتخييل”. ولعل أطرف تلك الكتب “الإنسان حيوانا أدبيا – التطور وطبيعة الحكي”، وهو كتاب يجمع بين النظرية الأدبية ونظرية التطور الداروينية، يعرض فيه الأميركيان جوناثان غوتشال وديفيد س. ويلسن، فرضيات لتلمس علاقة هذه بتلك.
الأولى، أن ظهور الأدب السردي يمكن أن يلبي جانبا من نظرية داروين، فالحكي بعامة هو وسيلة لنيل إعجاب المجموعة عن طريق الإمتاع وحده، تماما كريش الطاووس الذي ليس له من وظيفة غير الإبهار.
والثانية، أن القدرة على صياغة الحكايات وسماعها تعود بالأساس إلى طاقة الإنسان على إنتاج “عوالم ممكنة”، فالخيال وسيلته في استكشاف العالم ذهنيا. وإحلال المرء نفسه في وضعيات خيالية هو وسيلة استكشاف افتراضي، بمعنى أنه يمكن أن يعيش بذهنه أيَّ وضعية إنسانية خارجية.
وأما فرضية التطور الثالثة فخلاصتها أن بناء الروايات الجيدة حول ثيمات ذات مضمون وجودي، يجعلها تطرح دراما الوجود الإنساني، فيعتبر بها الإنسان في تطوير وجوده والارتقاء بذاته.
كاتب من تونس مقيم بباريس


سراب/12


قيم الموضوع
(0 أصوات)